‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيران. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيران. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

حظر جمعية الإخوان المسلمين بمصر ودلالاته - رضوان السيد - جريدة الشرق الأوسط

كتب محرر دار الغربة : المشكلة مع الدكتور رضوان السيد في توظيفه السياسي للفكرة المعقولة والقابلة للرد والقبول فيحكم على دولة شرعيتها (دينية شعبية وفق مصطلح الشيخ ابو الأعلى المودودي ) ويستثني أخرى أساس قيامها  يستند إلى الغَلَبَة والشرعية فيها اليوم قَبَلية لا علاقة لها بالتنظيمات أوبالشريعة  إلا تحدرها من تحالف تنظيمي ( قَبَلي - شرعي ) ليحكم بالتالي على نظام الرئيس محمد مرسي ( الإخوان ) الذي وصل بشرعيتين ثورية شعبية وانتخابية شعبية لا يفترض أن ينقضهما قيام قسم من الشعب في وجه النظام مهما بلغت الأخطاء . وموقفي في الشأن المصري هو قبول الدعوة إلى المراجعة السياسية والمصالحة الوطنية ووقف العنف الداخلي قبل الوصول إلى مأزق الإنقسام والتقسيم وتضييع هوية وقوة مصر من يد العرب والمسلمين والمسيحيين من غير العرب فيستجيب الإخوان المسلمون لمحاولة إدخالهم في متاهة ودوامة إثبات شرعية التنظيم على حساب إثبات شرعية الوطن والدولة وفقا لقواعد لعبة مصارعة الثيران بإلهاء الثور بمواجهة العلم الأحمر دون القاتل المصارع .

حظر جمعية الإخوان المسلمين بمصر ودلالاته - رضوان السيد
حظر جمعية الإخوان المسلمين بمصر ودلالاته
لا ينبغي الاستخفاف بقرار القضاء المصري فرض الحظر على جمعية (جماعة) الإخوان المسلمين بالبلاد. ليس لأن القرار أو الحكم له جوانب سياسية؛ بل لأنها ليست المرة الأولى التي يحصل فيها ذلك: فقد حصل الأمر نفسه بعد اتهام أعضاء بالتنظيم الخاص لـ«الإخوان» بقتل رئيس وزراء مصر في الأربعينات من القرن الماضي. أما القرارات الأخرى ضد الجماعة عامي 1954 و1965 فقد كانت سياسية وسيادية. وفي الحالتين المذكورتين فقد كان الاتهام المشاركة في أعمال إرهابية ضد أمن الدولة والنظام العام. أما هذه المرة (أي بتاريخ 2013/9/23) فقد كانت التهمة قيام الجمعية ذات الطابع «الخيري والاجتماعي» بنشاطات سياسية، ووجود أسلحة بمقراتها، وتحريض قادتها على العنف ضد خصومها من المتظاهرين السلميين.
سيقول كثيرون (بينهم عرب ومسلمون وغربيون) إن هذا الحكم القضائي سياسي الدوافع، لأنه جاء بعد إقصاء الرئيس محمد مرسي، وإصرار «الإخوان» وحلفائهم على الاعتصام والتظاهر والاشتباك مع قوات الأمن والجيش من أجل استعادة «الشرعية والشريعة». ومصطلحا الشرعية والشريعة في نظري هما الخيط الذي ينبغي التقاطه لفهم ظاهرة الإسلام السياسي السني والشيعي خلال العقود الماضية. فالذي لا يعرف أصول الحركات والتنظيمات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة سيتجاهل مفردة «الشريعة» في الشعار المرفوع، وسيعتبر أن «الشرعية» هي المعروفة شروطها في العالم المعاصر مثل الدستور والانتخابات الحرة، وفصل السلطات، والأحزاب السياسية المتنافسة في المجتمع السياسي المتعدد والمفتوح. و«الإخوان» أنفسهم ومتفرعاتهم وأنصارهم بسائر البلاد العربية وبعد الانتخابات بالذات هم الذين شجعوا ولا يزالون على الانطباع بأنهم ليس في أذهانهم وتفكيرهم غير ذلك، عندما يتحدث الرئيس مرسي أو الغنوشي أو غيرهما عن الشرعية.
أما الواقع ومنذ الأربعينات من القرن الماضي فهو أن سائر الجمعيات والجماعات الإسلامية المتحولة إلى تنظيمات وأحزاب تربط ربطا وثيقا بين تحقق الشرعية وتطبيق الشريعة. وهذا الربط يعني عدة أمور؛ الأول أنه في زمن الدولة الوطنية الذي بدأ في حقبة ما بين الحربين العالميتين، تسللت قناعة إلى فئات من ذوي الذهنية الدينية العالية الحساسية، بأن الشرعية التقليدية في المجتمعات والدول الإسلامية تقلصت وأوشكت على الزوال، فظهرت في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي مئات الجمعيات للحفاظ على الهوية الدينية التي يتهددها الاستعمار والتغريب والدولة الوطنية البازغة. والأمر الثاني أن هذه الجمعيات نسجت خلال عقدين من الصراع لنفسها شرنقة تركزت فيها تلك الشرعية الزائلة عن سواها. وبالطبع فإن المشروع الوطني لدى الفئات الأَوسع والذي كان يحقق نجاحات حتى الستينات من القرن الماضي هو الذي ظل يستأثر بمشاعر الأكثريات الشعبية، مما أدى إلى تحول تلك الجمعيات، إلى أقليات صغيره وحاقدة.
والأمر الثالث أنه خلال تلك العقود الثلاثة في ما بين الثلاثينات والستينات أنتجت تلك الجماعات والتنظيمات أدبيات هائلة الاتساع تغذت على ثقافة الحرب الباردة وآثارها على العالمين العربي والإسلامي، ومن ضمن ذلك عقيدة الحاكمية في مواجهة الدولة الوطنية. والحاكمية تعني أن هناك نظاما كاملا موحى وشاملا لا بد من فرضه على الدولة والمجتمعات أو على المجتمعات من خلال النظام السياسي الذي يسيطر فيه الإسلاميون، ولا طريقة لاستعادة «الشرعية» إلا ذلك. والأمر الرابع أن خيبات الدولة الوطنية وقمعها زادا من شعبية تلك التنظيمات الإحيائية والأصولية. وقد تحرك الجمهور في كل مكان ضد الأنظمة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي: ومن باكستان إلى إيران إلى مصر إلى سوريا. أما في إيران فإن المؤسسة الدينية القوية استطاعت استيعاب ثوران العامة فأقامت دولة دينية قوامها نظام ولاية الفقيه (الصيغة الشيعية للحاكمية). وأما في مصر وبلدان عربية أخرى، وبسبب عجز الإسلاميين الجدد عن الاستيلاء على السلطة؛ فقد انفجرت في أوساطهم وعلى حواشيهم جهاديات تحمل الفكر نفسه، فحولت الإسلام إلى مشكلة عالمية.
والأمر الخامس أن تيارا رئيسا في تنظيمات الشريعة والشرعية هذه ما دخل مباشرة في العنف آنذاك، وإنما تابع عمليات الأسلمة المتشددة في المجتمعات، وأغرى فئات واسعة من الطبقات الوسطى بسلميته فانخرطت فيه أو عبّرت شرائحها المثقفة عن خيبتها من الأنظمة باعتناق مقولاته، وصلاحيته لأن يكون بديلا طهوريا عقائديا وسياسيا.. وهاتان المسألتان: اليأس من الأوضاع القائمة، والاقتناع بأن الإسلام الفصامي هذا هو الحلّ الأمثل لمسألة الشرعية، هما اللتان أبرزتا الإسلام السياسي على السطح بعد سقوط القمع خلال الثورات. والأمر السادس والأخير أن الخطير على الدين والدولة في المجالين العربي والإسلامي ليس وصول هذا الحزب الإسلامي أو ذاك للسلطة، فقد وصلت أحزاب ذات عنوان ديني للسلطة في أوروبا بعد الحرب الثانية. بل الخطير هو تلك العملية الهائلة خلال عقود لتحويل المفاهيم: الإسلام دين ودولة. وقد ذهبت «الشرعية» لأن الدين خرج من الدولة بقيام الدول الوطنية القائمة على المواطنة وليس على مقتضيات الهوية. ولا بد لكي تستعاد الشرعية من قيام دولة إسلامية، أو لا تكون الدولة إسلامية من جديد إلا بالاستيلاء على النظام السياسي وفرض تطبيق الشريعة. وبالطبع فإن هذه المقولات العقائدية جميعا فاسدة. فديننا كامل وكذلك شرعية مجتمعاتنا وشريعتها. أما الأنظمة السياسية فهي عرضة للتغيير استنادا إلى إرادة الجمهور ومصالحه. ولذا عندما ثار الشبان العرب ما كانت شكواهم من قلة دين حكامهم العسكريين، بل من قمعهم وفسادهم، وهدرهم للمصالح العامة. وهوية الدول والمجتمعات لا يحددها النظام السياسي القائم بل ثوابت الدين والثقافة والقومية والأرض والتاريخ. ولذا يكون خطيرا بالفعل هذا الدمج بين الشرعية والتنظيم الحزبي باسم الدين، وتسليم الدين إلى نظام سياسي حزبي يدخله في بطن الدولة، ويحول الصراع السياسي إلى مجادلة بين أحزاب متنافسة على السلطة، فتصبح هذه الفئة مسلمة لأنها أيّدت «الإخوان»، وتلك منحرفة لأنها لم تؤيدهم!
يوم الحكم على جمعية الإخوان بالحظر حدثت وقائع أخرى مفزعة كلها باسم الإسلام: أغارت حركة «شباب المجاهدين» الصومالية على مجمع تجاري في كينيا فقتلت ستين إنسانا أو يزيد. واقتحم «إسلاميون» كنيسة بباكستان وقتلوا عشرات المسيحيين المصلين. وأُعلن أن إيران استوردت إلى سوريا شيعة أفغانا للقتال مع نظام الأسد إلى جانب الحرس الثوري الإيراني وشيعة من لبنان والعراق واليمن والبحرين. كما أُعلن أن أفغان «القاعدة» بسوريا وشيشانها ما اصطدموا فقط بأفغان إيران؛ بل أيضا بجبهة النصرة التي تنتمي إلى فرع آخر من «القاعدة». وأعلن الجيش المصري أخيرا عن عمليات قبض على «جهاديين» في سيناء وبالداخل المصري يناضلون من أجل عودة الرئيس المصري المعزول!
إيران الدولة القومية تستخدم المذهب الشيعي لخدمة مصالحها، فتضرب البلدان وتشرذم المجتمعات العربية والإسلامية. و«الإخوان المسلمون» المصريون يستخدمون «الجهاديين» السنة للدفاع عن شرعيتهم. و«القاعدة» وأنصارها يمارسون الإرهاب باسم الإسلام في سائر أنحاء العالم، وإنما بخاصة ضد العرب والمسلمين! وأنا أرى أن طبيعة ديننا سنة وشيعة لم تتغير، وهؤلاء جميعا انشقاقات تضر بديننا وأخلاقنا وأعراف مجتمعاتنا وعيشها التاريخي والحاضر. ولا فرق في ذلك بين الجهادي والتنظيمي وتابع ولاية الفقيه. ولست أدري كيف تبلغ عمليات التحويل والتزوير للنص القرآني (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) بحيث تستباح الدماء إلى حدود الإبادة!
إن المهمة الضرورية والمصيرية والحاضرة لأهل الدين والأخلاق في مجتمعاتنا اليوم وغدا تتمثل في الخروج من هذا الإسلام السياسي بشتى أنواعه وأشكاله والذي يضرب الشريعة والشرعية باسم الدين!

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

المصريون :: الدروس المستفادة من النووى الإيرانى

الدروس المستفادة من النووى الإيرانى

الدروس المستفادة من النووى الإيرانى (1/2)


الضجة الكبرى التى تثار من حين لآخر حول البرنامج النووى هنا أو هناك ترتكز فى ظاهرها على الحرص على منع انتشار الأسلحة النووية، على اعتبار أنها أسلحة دمار شامل تهدد كوكب الأرض عمومًا.. ولكن الحقيقة الواضحة أن هناك أهدافاً أخرى مستترة؛ أهمها السيطرة على عملية التقدم التقني، ومنع دول الجنوب "المتخلف" من اللحاق بدول الشمال "المتقدم".. فالتقنية النووية تتطلب إجراءات وممارسات واحتياطات إدارية وعلمية وفنية فائقة الدقة والصرامة.. وغير مسموح فى المحطات النووية بأية نسبة من الإهمال أو التراخى أو التواكل أو الكسل، أو بأقل احتمال من الخطأ؛ وإن ضؤل.. وهذا من شأنه أن يوفر للدولة الممارسة لذلك النشاط جيشاً من الخبراء والتقنيين البارعين المبدعين الذين يمكن أن يكونوا جاهزين وقادرين على الإدارة الناجحة لأى عمل تقنى آخر.. وإذا علمنا أن المحطة النووية تستوعب بطبيعة الحال جميع التخصصات العلمية والتقنية والفنية والإدارية، وأن العاملين فيها يتم استبدالهم دوريًا ومبكرًا لحمايتهم من آثار الإشعاع المحتملة.. فهذا يعنى أن الدولة (النووية) تستطيع- بالاستفادة من هؤلاء الخبراء- أن تُحدث نقلة نوعية تقنية عظيمة فى جميع المجالات، كما حدث فى كل الدول النووية، وهذا بالطبع غير مرحب به من قوى الاستكبار العالمي.. كما أن الاستخدام الناجح للتقنية النووية يؤدى بالتأكيد إلى فوائد اقتصادية عظيمة من خلال توفير مصدر رخيص ونظيف للطاقة، وتحلية مياه البحر بكميات وفيرة تشجع على زراعة الصحراء، وغير ذلك الكثير.
   أما قضية الأسلحة النووية فهى على أهميتها وخطورتها ليست بالضبط هى بيت القصيد.. لأنها فى الحقيقة أسلحة للردع أكثر منها للاستخدام، وهى منتشرة بوفرة فى أركان المعمورة، وتمتلكها العديد من الدول الكبرى والصغرى، ووصلت إلى دول تعتبر مارقة أو خارجة عن السيطرة الغربية مثل باكستان وكوريا الشمالية والهند.. ولم يحدث شيء على الإطلاق؛ لأن السلاح النووى لا يمكن استخدامه إلا على بُعد آلاف الأميال.. أى خارج نطاق الصراع بين الدول المتحاربة، لأن أغلب الحروب تكون بين دول الجوار.. فالتلوث الذى ينجم عن استخدام الأسلحة النووية، والذى يمكن أن يصل إلى المستخدم نفسه، يجعل من هذه الأسلحة مجرد وسيلة للتباهى بالقوة، أو لمجرد الردع والشعور بالثقة والاستقلال الفعلي.
   وقد يكون الردع والتلويح بالقدرة على إيذاء العدو أحد لوازم الصراع الذى جُبل عليه النوع البشري، ولكن الإحاطة بالصورة الكاملة وبطريقة صحيحة تجعلنا نعطى الموضوع حجمه الحقيقي، ولا نسير معصوبى العينين وراء الإعلام الغربى الموجه، الذى يريد أن يثير لدينا المخاوف، بل والرعب، من البرنامج النووى الإيرانى مثلا، ولا يشير من قريب أو بعيد للترسانة النووية الصهيونية (التى لا نخشاها- بالمناسبة، لأنه يستحيل استخدامها ضد دول الجوار مادام اليهود فى فلسطين المحتلة).. فقد قامت الدنيا ولم تقعد عند الحلف الصهيونى الأمريكى لمحاولة إيران امتلاك جزء من المعارف الحديثة المهمة، وهى المعرفة النووية.. ولجأ هذا الحلف إلى الخداع وإيهام العرب بخطورة امتلاك إيران للسلاح النووي، وأنه (أى السلاح النووي) سوف يكون خطرًا على العرب أنفسهم.. فهل صحيح أن امتلاك إيران للمعرفة النووية، أو حتى للسلاح النووي؛ يشكل خطرًا على العرب؟، وهل من حق الحلف الصهيونى الأمريكى أو غيره منع العرب والمسلمين (أو غيرهم) من امتلاك السلاح النووى كأداة ردع ضد من يهدد وجودهم بترسانته النووية؟.
       هناك ما يعرف بالاستراتيجية النووية، والتى تسعى الدول المستهدَفة من عدو إلى تحقيقها، وترتكز على محاور أربعة:
(1) منع العدو من امتلاك السلاح النووى (أو القدرة على امتلاكه) بكافة الوسائل الممكنة، حتى وإن أدى ذلك إلى تدمير المنشآت النووية للعدو، وقد فعل ذلك الكيان الصهيونى عام 1981 ضد المفاعل النووى العراقي، وقبلها فى أحد الموانئ الفرنسية ضد مفاعل عراقى أيضًا، وحاول ضد مصر أثناء حرب الاستنزاف ولكنه أخطأ الهدف ودمر مصنع الحديد والصلب (أبو زعبل).
(2) إذا لم تتمكن الدولة المستهدفة من منع العدو من امتلاك السلاح النووي؛ فهى تسعى لامتلاكه، وقد فعل ذلك الاتحاد السوفيتي، وباكستان، وكوريا ...إلخ.
(3) إذا عجزت الدولة عن تحقيق أحد الخيارين السابقين، فهى تحرص على امتلاك خيار بديل يصلح رادعًا لمنع العدو من استخدام سلاحه النووي، مثل الأسلحة الكيميائية أو حتى التقليدية بشرط استخدامها بكثافة على مئات المواقع فى وقت واحد بالاستعانة بالصواريخ والطائرات.. إلخ، بحيث يفهم العدو أن الرد سوف يكون موجعًا ولا قبل له به.
(4) إذا كانت الدولة (عاجزة) عن تحقيق أى من الخيارات السابقة؛ فعليها اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستيعاب الضربة النووية وتقليل الخسائر بقدر الإمكان، أى تظل على قيد الحياة، وهذا خيار العاجز.. وبالمناسبة فحتى هذا الخيار الأخير (العاجز) غير موجود فعليًا فى الدول العربية.. (ونستكمل الموضوع بالمقال القادم إن شاء الله).

الدروس المستفادة من النووى الإيرانى (2/2)

انتهينا بالمقال السابق إلى شرح الإستراتيجية النووية التى تجاهلناها، مما أدى إلى التطرف الغربى ضد العرب والمسلمين، فلم يكتفوا بمنع الحصول على السلاح النووي- الذى لا نسعى لامتلاكه- ولكن محاولة منع المعرفة النووية نفسها، واستخداماتها السلمية!
 والواقع أن العرب عجزوا عن مجرد التفكير فى الإستراتيجية النووية، رغم امتلاك الصهاينة للسلاح النووى وتهديدهم للجميع، لأنهم لن يشعروا بالأمان أو الراحة ما بقى عربى على قيد الحياة، فاللص لا يمكن أن يستمتع بالنوم فى بيت مسروق. وهناك سؤال استراتيجي: هل من حق العرب والمسلمين امتلاك السلاح النووى أو غيره كوسيلة للردع؟ إننا كمسلمين نؤمن بأن الإسلام يحرم استخدام أسلحة الدمار الشامل، ولكنه يدعونا إلى اليقظة وحماية أنفسنا، ومادام عدوك يمتلك سلاحا فتاكا، فمن السذاجة النوم والتغافل عن الخطر حتى وإن كان يصعب عليه استخدامه.. لابد أن تمتلك رادعا يمنعه من ابتزازك. فوجود رادع هو الذى يمنع من استخدام هذا السلاح غير الإنساني.. ولو أن اليابان كان لديها ما تردع به أمريكا لما جُرّب السلاح النووى فيها، وقد جُمّد السلاح النووى بكل من الهند وباكستان بامتلاكهما له معا. لن يمنع الصهاينة من ابتزاز العرب والمسلمين إذاً، إلا امتلاكنا لسلاح رادع مثيل، إذا فشلنا فى إلزامهم بتوقيع معاهدة حظر الانتشار النووى وإخضاعهم للتفتيش. الأمر إذاً ليس مجرد حق الامتلاك، ولكنه واجب، والتفريط فيه انتحار أو خيانة، وليس مجرد سذاجة. وليس من حق أمريكا أو غيرها منع المهدد بالإبادة من امتلاك سلاح رادع يحمى به نفسه، ولكنها القرصنة التى كان يشجعها الانحناء العربي.. قبل الربيع العربي.
   هل يمكن أن تضرب إيران العرب بالسلاح النووي؟ هذا سؤال لا محل له، لأنه لا يمكن لدولة أن تستخدم سلاحا نوويا ضد جيرانها، لأن أكبر مشكلة هى التلوث الإشعاعي، والذى ينتشر بمساحة واسعة جدا ولأزمانٍ طويلة.. فالتدمير والحرق وخلافه مقدور عليه ويحدث بالأسلحة التقليدية، أما التلوث الإشعاعى فهو المشكلة الأخطر التى لا سبيل لمواجهتها بسهولة، وحادثة تشرنوبل خير دليل، لذا فليس واردا أن تستخدم إيران السلاح النووى ضد الجيران. وهذا السؤال فيه خداع كبير: فما الذى يدعو إيران لفعل ذلك؟ هل هناك خطر استراتيجى يهدد وجود الإيرانيين من قِبل جيرانهم العرب؟ وأين هو الخطر المحتمل والعرب لا يملكون ما يدافعون به عن أنفسهم، وليس ما يهاجمون به الغير؟ إن ترديد هذا الكلام مقصود به الإيقاع بين العرب والإيرانيين ليتمكن الحلف الصهيوأمريكى من استخدام الأراضى العربية لضرب إيران. وإيران فى كل الأحوال، رغم الخلاف المذهبي، دولة مسلمة قوتها فى النهاية مضافة للمسلمين.. ومهما حدث من خلافات سياسية أو مذهبية فإيران هى الأقرب جغرافياً وعقائدياً وسياسياً، وما يؤذى العرب يؤذى إيران بلا شك، والعكس بالعكس.. ومهما اختلفنا فلا يمكن للمسلم الإيرانى أن يفضل الحلف الصهيوأمريكى على العرب، شركاء الجغرافيا والتاريخ والمصير والحضارة والثقافة. وبالتأكيد فإن وجود رادع نووى بإيران وباكستان أو لدى العرب يمنع الصهاينة من ابتزازنا بكثرة التلويح باستخدام ترسانتهم النووية.. علما بأن المساحة التى يحتلها الصهاينة لا تسمح لهم بالمجازفة والانتحار.
       أما البرنامج النووى الإيرانى فمازال فى بداياته، وكله موجه للأغراض السلمية.. وكما تشير وثائق الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ فإن إيران لا تمتلك حاليا أية محطات نووية عاملة، ولكن لديها محطتان "تحت الإنشاء" بقدرة إجمالية 2392 ميجاوات كهربائي. وهذا المشروع بدأ منذ عهد الشاه، وعرقل الغرب استكماله بعد الثورة وتحوُّل إيران إلى دولة خارج السيطرة الغربية، ونعتقد أنه لم يكن ليكتمل حتى وإن لم يسقط الشاه.. لأن الغرب لا يفرِّق بين النظام الصديق والنظام العدو عند التعامل مع المسلمين، إذا تعلق الأمر بأية محاولة لامتلاك القوة أو التنمية الجادة المستقلة التى يمكن أن تؤدى إلى امتلاكها. والحقيقة أن إيران نجحت فى الذود عن حقها فى امتلاك المعرفة والتقنية النووية التى أوضحنا أهميتها لأية أمة تريد أن تعيش عصرها باستقلال ونِدّية. وأهم إنجاز لإيران هو قرارها الاستراتيجى بالاعتماد على النفس فى إنتاج الوقود النووي، إذ ماذا يفيد امتلاك المفاعلات والوقود النووى بأيدى من لا يريدون لنا الاقتراب من هذه التقنية، باعتبارها الطريق الأسرع للتنمية المستقلة؟ وماذا تفعل إيران إذا مُنع عنها الوقود بعد إنشاء المفاعلات بتكاليفها الباهظة؟ إن ما فعلته إيران كان عين العقل، ولا سبيل غيره لبدء برنامج نووى حقيقى مستقل. والفرق واضح بين الاستقلال وبين الثقة المفرطة فى الغرب، فقد فشل العرب (العراق، ليبيا، مصر، سوريا،...) فى استكمال أى برنامج نووى بسبب سيادة العقلية التقليدية التى تظن أن بالإمكان الاعتماد على (التقنية المعلـَّبة) التى ربما تصلح لأى مجال، إلا المجال النووي. ونظرا لأن إيران أخذت قرارها سريعا ودون تردد، وبدأت بالتنفيذ علنا وبكل ثقة فى النفس، وبإيمان قوى بأنها تمارس نشاطا شرعيا ليس من حق أحد الاعتراض عليه.. فقد وقف الغرب منها موقفا مختلفا تماما عن مواقفه مع العرب (الحائط المنخفض يغرى بالامتطاء!)، حيث الإغراء بالحوافز الاقتصادية وغيرها. وها هى تواصل تخصيب اليورانيوم بكميات ضخمة، وتعد عدتها لامتلاك ما يكفى من الوقود قبل بدء تشغيل أول محطة نووية.. وبهذه الطريقة وبتلك العقلية المقتحمة تستطيع أيضا أن تعتمد على سواعد أبنائها فى استكمال المحطتين النوويتين، إن تخلت عنها روسيا.
     والخلاصة أن الدروس المستفادة من البرنامج النووى الإيرانى يجب أن تكون حاضرة عربيا؛ وأهمها الاعتماد على النفس، واستقلال الإرادة، وعدم الإفراط فى الثقة فى (الصديق الأمريكي) أو غيره، والإيمان بأن التنمية الحقيقية والجادة يجب أن تكون معتمدة على العقول والسواعد الوطنية، وليس على التقنية المستوردة؛ المعلبة! وأهم ما فى الموضوع أن التقنية النووية والمعارف المتصلة بها حق لا يمكن التفريط فيه، وواجب ينبغى الإسراع فى أدائه بالسعى للحصول عليها؛ إن أردنا أن نكون بالفعل خير أمة أخرجت للناس.
abdallah_helal@hotmail.com

شارك

Share |