مفكرة الاسلام: يستعد الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل لتدشين أول تنظيم سلفي عالمي، يكون مقره القاهرة، ويتبعه مكاتب فرعية في الدول العربية والأجنبية، في شكل تنظيم دولي أشبه بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
وصرحت مصادر قريبة من أبو إسماعيل لصحيفة "المصريون" أنه سيتم تدشين الحركة في غضون الأيام المقبلة، وستكون تيارًا تنظيميًّا جديدًا يحمل الفكر السلفي السياسي والتثقيفي، والثوري في آن واحد، وستحمل نفس مسمى جماعة الإخوان، مع إضافة المسمى السلفي، أي "الإخوان السلفيون".
وستكون نواة الحركة الجديدة، التي سيتم الإعلان عنها قريبًا على كافة الحركات والأحزاب السياسية الإسلامية المؤيدة لـ"أبو إسماعيل"، وهي: "حازمون، ولازم حازم، وصامدون، والشعب، والوطن، والأنصار، وائتلاف آل البيت والصحابة"، بالإضافة إلى المنشقين عن جماعة "الإخوان المسلمين" من الحركة السورية، والتي أسست أول تنظيم إسلامي أشبه بتنظيم الإخوان.
ووفق المصادر، فإن أبو إسماعيل يعقد اجتماعات دورية من أجل الانتهاء من التنظيم في أسرع وقت، حتى يتسنى له الانخراط في العملية السياسية، والمنافسة على الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهو مكتمل الأركان.
وترك أبو إسماعيل الباب مفتوحًا أمام جميع الحركات والتيارات الإسلامية للانصهار في حركته وتنظيمه العالمي، شريطة أن يلتزم بأهداف وأيديولوجيات التنظيم وأفكاره الإصلاحية والدينية، مشددًا على أن الشيخ سيأخذ الطريق الوسط ولن يحمل أفكارًا متعصبة أو تكفيرية أو جهادية كما تردد في الفترة الأخيرة.
وقال جمال صابر منسق حركة لازم حازم: إن الحركة الجديدة التي سيطلقها أبو إسماعيل هي حركة عالمية، وستكون في شكل جماعة لها أنشطة دعوية ودينية واجتماعية وسياسية أيضًا، كما ستقوم بعمل فروع لها في مختلف أنحاء العالم وستبنى على أكتاف السلفيين.
أنشر فى : الأحد 13 يناير 2013 - 9:00 ص
آخر تحديث : الأحد 13 يناير 2013 - 9:00 ص
انخراط الجماعات الإسلامية فى العمل السياسى يمثل مغامرة لا يدرك كثيرون عواقبها. ليس فقط لقلة خبرتها فى ذلك المجال، الأمر الذى قد يعرض المصالح العليا للخطر. وليس فقط لأن من شأن ذلك أن يشق الصف الوطنى ويحوله إلى معسكرين متنافسين أو متقاتلين أحدهما دينى والآخر مدنى. وإنما لأن ذلك يؤدى إلى انسحابهم من ساحة الدعوة ومن ثم إحداث فراغ مجتمعى يستدعى آخرين لملئه، الأمر الذى يفتح الأبواب لشرور لا أول لها ولا آخر.
الحاصل فى السودان يمثل تجربة مهمة تستحق النظر فى هذا السياق، خصوصا أنها تعد أول وأقدم حالة تولى فيها الإسلاميون السلطة فى العالم العربى، فى أعقاب الانقلاب الذى شهدته الخرطوم فى شهر يونيو من عام 1989. منذ ذلك التاريخ برزت الحركة الإسلامية التى وقفت وراء الانقلاب، ثم ظهر حزب المؤتمر المنبثق من الحركة والذى يعد واجهة سياسية لها مفتوحة لعضوية الجميع بمن فيهم أشخاص ليسوا من أعضاء الحركة. وفهم أن الحركة تمارس الدعوة، وأن حزب المؤتمر هو الذى سيخوض غمار السياسة. ثم كان هناك كيان ثالث هو الحكومة، التى يفترض أن تشكل من ممثلى الأحزاب الفائزة فى الانتخابات.
من الناحية النظرية يفترض أن يكون كل كيان منفصلا عن الآخر. لكن ذلك لم يحدث فى الواقع، لأن قياديى الحركة أصبحوا قياديين فى الحزب ومكتبه السياسى ومجلش شوراه، كما أنهم أصبحوا مسئولين فى الحكومة، وأيا كانت ملاحظاتنا على هذه التركيبة، فما يهمنا فى الأمر أن الجميع انخرطوا فى اللعبة السياسية وفتنوا بها، واختفوا بصورة تدريجية من ساحة الدعوة، وتصادف أن تزامن ذلك الغياب الذى استمر نحو ربع قرن أن برزت اتجاهات جديدة فى الساحة وطرأت متغيرات كثيرة فى الأفكار والمعتقدات والمرجعيات فضلا عن ثورة الاتصال بطبيعة الحال.
فى شهر نوفمبر الماضى عقد حزب المؤتمر اجتماعه السنوى الذى وُوجِه بحقيقة التغيرات التى ظهرت على الأرض، وكان أبرزها تمدد الحركة السلفية وانتشارها، حتى أصبحت مسيطرة على 600 مسجد فى الخرطوم وحدها. ثم ظهور ما سمى بالسلفية الجهادية التى تعتمد العنف سبيلا إلى التغيير، وينطلق إطارها الفكرى من تكفير المجتمع ووجوب مقاتلة مؤسساته، وتبين أن عناصر السلفية الجهادية لهم علاقة بتنظيم القاعدة، كما أن لهم علاقاتهم مع حلقات السلفية الجهادية فى الخارج، الأمر الذى دفع بعضهم إلى المشاركة فى القتال بالصومال والسفر إلى جمهورية مالى للانضمام إلى مجموعات القاعدة التى قامت بتدمير الأضرحة ومحاولة تأسيس إمارة إسلامية فى شمال البلاد.
الأخطر من ذلك أنهم اكتشفوا مجموعة من الشبان (31 شخصا) فى منطقة الدندر بولاية النيل الأزرق يخزنون السلاح ويتدربون عليه تمهيدا لإقامة إمارة إسلامية لهم هناك. وتبين أن بينهم أبناء لبعض قيادات الحركة الإسلامية الذين انغمسوا فى العمل السياسى ولم يلتفتوا إلى أبنائهم، الذين جذبتهم الأفكار المتطرفة فذهبوا بعيدا إلى الحد الذى أوصلهم إلى مشارف تنظيم القاعدة. اشتبكت الشرطة مع أولئك الشبان، وقتل منهم واحد، وتم الاستيلاء على الأسلحة التى قاموا بتخزينها. وهم ينتظرون المحاكمة الآن فى الخرطوم.
فى حدود علمى فإن المملكة المغربية هى البلد الوحيد فى العالم العربى الذى نجحت فيه إلى حد كبير نجحت فيه عملية الفصل بين الحركة الإسلامية الأم (التوحيد والإصلاح) وبين حزب العدالة والتنمية الذى فاز فى الانتخابات ورأس الحكومة أمينه العام عبدالله بنكيران. (للعلم الحزب المغربى أقدم من حزب العدالة والتنمية التركى وقد تم استئذانهم فى الرباط لاستعارة الاسم قبل إطلاق الحزب التركى). لست واثقا من نجاح هذه التجربة فى علاقة إخوان مصر بحزب الحرية والعدالة. لكن التجربة لم تنجح فى علاقة إخوان الأردن مع حزب جبهة العمل الإسلامى. ولا تزال هناك علامات استفهام حول موقف حركة النهضة فى تونس من السلفين وكذلك موقف حزب الإصلاح فى اليمن من القاعدة. أما فى الجزائر التى تتولى الأجهزة الأمنية فيها رسم خرائط السياسة فإن الحركة الإسلامية تشرذمت وتفتت حتى أصبحت الجماعة المسلحة هى اللاعب الأهم فى الساحة.
إن مجتمعاتنا أحوج ما تكون فى الوقت الراهن بوجه أخص إلى جهود الراشدين والمعتدلين فى الساحة الإسلامية، ومن المفارقات أن أولئك المعتدلين يغادرون الساحة ويهرولون الآن إلى ملعب السياسة. فيتركون موقعا تميزوا فيه ولم ينافسهم عليه أحد، إلى جبهة تنافس عليها آخرون ممن تفوقوا عليهم وسبقوهم. وكان ذلك سحبا من رصيد الرشد المفترض فيهم. ليس فقط لأنهم فقدوا تميزهم، ولكن أيضا لأنهم أحدثوا فراغا تمدد فيه غيرهم. فلا هم خدموا الدين ولا هم فازوا بالدنيا.
تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه يمثل أنموذجاً لرؤية التيار السلفي السعودي لتحولات الإسلاميين في السعودية خلال عقد خطير ما بين نقطتي تحول أثرتا بعمق في المنطقة العربية، وهما أحداث 11 سبتمبر 2001، والثورات العربية، وخاصة في تونس (ديسمبر/كانون الأول 2010) ومصر (يناير/كانون الثاني 2011).
ويبرز الكتاب موقف هذا التيار من التيارات الأخرى على الساحة السعودية، ومن المشاركة السياسية للإسلاميين في ظل عملية التحول الديمقراطي في البلدان العربية بعد الثورات، وتأثيرات ذلك على الساحة الإسلامية السعودية.
-الكتاب: تحولات الإسلاميين (من لهيب سبتمبر إلى ربيع الثورات) -المؤلف: وليد بن عبد الله الهويريني -سلسلة كتاب البيان، رقم 153 -الطبعة: الأولى 2012
يلحظ القارئ للكتاب من بدايته حالة أزمة يمر بها هذا التيار الذي اعتاد الحياة فيما قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 وفق شروط سهلت عليه الهيمنة على الساحة الفكرية السعودية، والتعامل مع الاتجاهات المخالفة باعتبارها مجرد شذوذ عن الاتجاه السائد المتغلغل في أسس تكوين الدولة السعودية.
ومن أبرز تلك الشروط التي أشار إليها المؤلف في الفصل الأول بعنوان أحداث وأسباب مهدت لتحولات الإسلاميين: انغلاق المجتمع السعودي، واعتماد منهج التلقين في التعليم، وسيطرة زمرة من الرموز الدينية التي كانت لها سطوتها العلمية والسلطوية الرادعة لأي اتجاه مخالف، ووفرت نوعاً من الوحدة المفترضة بين الإسلاميين، فلما انتفت هذه الشروط بفعل وفاة عدد من هؤلاء الرموز، أمثال المفتيين السابقين الشيخين ابن باز والعثيمين، وتسليط الأضواء على المجتمع السعودي بعد أحداث 11 سبتمبر، والهجمات الشرسة على التيار السلفي واتهامه بالإرهاب، وشيوع الإنترنت والفضائيات والثقافة المدنية، أصبح هذا التيار يعاني تحديات وجودية.
وبقدر ما يمثل هذا الكتاب ذلك التيار، يمكن القول إنه استجاب لتحدياته بشكل يبدو أنه وافق القليل من النجاح.
بدأ المؤلف بالتقييم، وهو ما يعكس غلبة التحيزات والأحكام المسبقة على منهجه في التأليف، إذ قسم تحولات الإسلاميين التي سيدرسها (في الفصول الثاني والثالث والرابع) إلى ثلاثة أنواع، بحسب مدى الالتزام بالمنهج السلفي، ثم انطلق يعرض أهم معالم تلك التحولات على النحو الآتي: أولاً: التحولات السلبية
هي التغيرات الفكرية التي تأول فيها بعض أصحابها آراءً خالفت أصولاً شرعية مستقرة، وتبنى بعضهم الفكر الليبرالي، ووظف البعض حصيلتهم الشرعية ومركزهم الوظيفي لدعم الهجمة على المنهج السلفي. ومن أبرز معالمها:
1- محاولة قولبة السلفية بوصفها منتجاً ثقافياً إقليمياً ارتبط بالبيئة النجدية، ولا علاقة له بالكتاب والسنة إلا بوصفه فهماً شاذاً للنصوص الشرعية، ساهمت الظروف السياسية والوفرة المالية في انتشاره وترويجه في العالم الإسلامي.
2- الإمداد العلمي والفكري للتيار الليبرالي من خلال انتقادات الإسلاميين للتيار السلفي عبر القنوات الإعلامية المختلفة، وتحول بعض الشرعيين إلى منصات قصف إعلامي ضد المؤسسات الشرعية.
3- التطرف المسكوت عنه، ويقصد به الآراء الخطيرة التي نتجت عن انتفاش التيار الليبرالي في ظل الهجمة الإعلامية على التيار السلفي، إلى حد التعدي على الثوابت الشرعية والإساءة للشخصيات والرموز الإسلامية.
4- المجموعة التنويرية: يتفق أنصار هذه المجموعة على نقد المنهج السلفي، ويهتمون بقضايا عامة كالتجديد والحرية وذم التشدد وضرورة التعايش. وهم يعملون على تطويع أحكام الإسلام وتأويلها بما يلائم المفاهيم الغربية، وأهم أطروحاتهم هي: تقديم النموذج الديمقراطي بوصفه النموذج الإسلامي المنشود، والدعوة إلى حرية الرأي والفكر بما يوافق الحرية الغربية، وصياغة صورة نمطية سلبية للتيار السلفي.
والغريب أن المؤلف تعرض للمجموعة التنويرية في سياق التحولات السلبية، على الرغم من أنهم ليسوا تحولاً ولكنهم طرف أو تيار.
التحولات الملتبسة هي التغيرات التي تباينت آراء العلماء بشأنها، فعدها بعضهم فقهاً رشيداً للاستجابة لمستجدات العصر، وعدها بعضهم تردياً وتنازلاً عن معالم المنهج السلفي، وفئة ثالثة تعدها مزيجاً من هذا وذاك
ثانياً: التحولات الملتبسة
هي التغيرات التي تباينت آراء العلماء بشأنها، فعدها بعضهم فقهاً رشيداً للاستجابة لمستجدات العصر، وعدها بعضهم تردياً وتنازلاً عن معالم المنهج السلفي، وفئة ثالثة تعدها مزيجاً من هذا وذاك؛ ومن أبرز معالمها:
1- غلبة العمومية والضبابية في المواطن التي تتطلب وضوحاً، وخاصة ثلاثة مجالات هي: الصراع الفكري بين الإسلاميين والليبراليين، والصراع بين دعاة المقاومة ودعاة التسوية في فلسطين، والصراع بين دعاة تطبيق الشريعة في البلدان العربية والأنظمة العلمانية المستبدة.
والمؤلف يلوم على أصحاب هذه التحولات حيادهم، ويرى أنه كان أولى أن ينحازوا إلى الإسلاميين ضد الليبراليين، ودعاة المقاومة (من الإسلاميين) ضد دعاة التسوية، ودعاة تطبيق الشريعة ضد الأنظمة العلمانية، في ميل واضح للاختزال والتعميم وتقسيم العالم إلى فسطاطين للحق والباطل، وهي رؤية لا تراعي التعقيد والتركيب في الواقع، ولا تراعي كذلك أهمية الانحياز للمبدأ، وليس لطرف في مواجهة الآخر.
2- طغيان لغة التعايش مع الطوائف الأخرى، مع غياب المرتكزات والقواعد التي يقوم عليها التعايش، والاقتصار على لغة فضفاضة عن أهميته ونبذ الإقصاء والتهميش. وفي المقابل، ضعف لغة التعايش تجاه الداخل الشرعي.
3- الإفراط في جلد المجتمع والاختزال في تصوير الواقع بإجراء مقارنات غير موضوعية بين صور التقدم المادي في الغرب وصور التخلف لدينا بلغة سطحية وشعارية موغلة في جلد عموم الناس، مع الإحجام عن إدانة ضعف البنية الحقوقية والإدارية المنتجة لحالة التخلف والانحطاط، والنخب المتنفذة، بل ممارسة الثناء والمدح لهم.
4- الاضطراب في عرض موقف المسلم تجاه غير المسلمين، فالنصوص الواردة في معاملة الكافر غير المحارب بالبر والإحسان لا تعني رفع مقامه من الناحية العقدية، حيث يصف القرآن الكافرين بأنهم "كالأنعام"، و"شر الدواب"، وهو ما يخالف الخطاب الليبرالي الذي يقف على مسافة واحدة من الأديان. كما أن النصوص الواردة في التكريم الإلهي لجنس الإنسان لا ترفع من مقام الكافر، لأن لهذا التكريم تكليفاً عظيماً يتمثل بضرورة الإذعان لشريعة المكرِّم سبحانه.
وهنا يستدعي المؤلف للجدل السياسي المجتمعي بعداً ليس من صميمه، ينصرف إلى علاقة الإنسان بربه، بينما مجمل الجدل هو حول تنظيم الدولة والمجتمع، وعلاقة الإنسان بالإنسان، في الداخل والخارج. ثالثاً: التحولات الإيجابية
هي التغيرات في وسائل الإسلاميين وآلياتهم انطلاقاً من مرجعيتهم السلفية؛ ومن أبرز معالمها:
1- الاهتمام بالقضايا الفكرية لدى الإسلاميين لمواجهة الأجواء الإعلامية والفكرية العدائية خلال العشرية السبتمبرية، فشهد الوسط الشرعي في السعودية إقبالاً جارفاً على الكتب التي تناولت موضوعات مثل: الانفتاح الفكري، وخطاب النهضة وإشكالاته، ونقد الليبرالية.
2- تحقيق العديد من المسائل الشرعية والنوازل الفقهية تأصيلاً وتفصيلاً، ومن ذلك مسائل كانت محل سجال ساخن بين الإسلاميين وخصومهم، مثل الاختلاط بين الجنسين، والمستجدات المدنية في الاقتصاد والإدارة والقانون والعلاقات الدولية، والتصدي للشبهات التي يسوقها الخصوم، والاستشكالات التي تسربت من أصحاب التحولات السلبية.
3- ازدياد مظاهر العمل المؤسسي في المجال العلمي والدعوي بإنشاء المؤسسات الدعوية والمراكز البحثية، وإيجاد أوعية إعلامية ودعوية توحد الجهود العلمية والفكرية لطلبة العلم والمفكرين الإسلاميين.
4- الفاعلية في المشاركة على الإنترنت، بإنشاء مواقع علمية ودعوية وتربوية واجتماعية، إضافة إلى المنتديات التي شهدت تجاذبات ومعارك بين تيارات مختلفة. ومخاطبة قطاعات جماهيرية عبر الفضائيات غير الإسلامية، من أجل الوصول إلى شرائح اجتماعية ليست من رواد المساجد، ولا تتابع الأنشطة الدعوية.
قد تكون هذه التحولات إيجابية بالفعل لمختلف الأطراف، إذ تستدعي قدراً من الحوار والتفاعل، حتى وإن شابها ميل إلى الهجوم والدفاع والطابع الصراعي بين أطراف الانقسامات المختلفة.
انقسم الإسلاميون في السعودية إزاء الثورات العربية إلى شريحتين: إحداهما، عدتها الخطوة الأولى نحو استعادة الأمة إرادتها السليبة، بينما تبنت شريحة أخرى نظرية المؤامرة في اندلاع هذه الثورات
الإسلاميون والثورات العربية
استعرض المؤلف في الفصل الخامس موقف الإسلاميين في السعودية من الثورات العربية، حيث ميز بين شريحتين: إحداهما، وهي الأغلبية، استبشرت بالثورات، وعدتها الخطوة الأولى نحو استعادة الأمة إرادتها السليبة، والنافذة الأوسع للدعوة الإسلامية، بينما تبنت شريحة أخرى من الإسلاميين نظرية المؤامرة في اندلاع هذه الثورات، ونسبتها إلى محاولة الولايات المتحدة الأميركية إعادة تشكيل المنطقة العربية.
ومما يحسب للمؤلف ترجيحه أن للثورات العربية منطقها الذاتي، وتأكيده في الوقت نفسه أن القوى الكبرى لا تعدم وسائلها لتوجيه مسار التطورات في المنطقة العربية بما يخدم مصالحها.
وفي هذا السياق، وضح المؤلف اهتمام الإسلاميين في السعودية بدراسة المشاركة السياسية للسلفيين بعد الثورات ضمن الإطار الديمقراطي، حيث تحظى هذه المسألة بأهمية كبيرة من زاوية التأصيل الشرعي لتلك المشاركة، ومن زاوية أخرى وهي اتهام الليبراليين المستمر للتيار السلفي برفض الديمقراطية.
يؤكد المؤلف أن السلفيين يرفضون الشق الفلسفي للديمقراطية، بسبب إيمانهم بمبدأ حاكمية الشرع الذي لا يحتاج إلى موافقة الناس لتطبيقه، ولكن السلفيين يقبلون الشق الإجرائي من الديمقراطية المتعلق بتداول السلطة وتنظيم الانتخابات وتشكيل الأحزاب.
وعلى هذا الأساس يميز السلفيون بين حالتين لمشاركة الإسلاميين السياسية ضمن الأطر الديمقراطية: الحالة الأولى أن يتبنى الإسلاميون أنموذجاً سياسياً غربياً ولكنهم لا يزعمون أنه يمثل الإسلام، وإنما سلكوا هذا الخيار لأنه المتاح أمامهم من باب الموازنة بين مصالح المشاركة ومفاسد الانعزال.
والحالة الثانية أن يتبنى الإسلاميون أنموذجاً سياسياً غربياً ويعلنون أنهم يستقونه من الإسلام، ومن هنا يشرع هؤلاء من حيث لا يشعرون بتبديل وتحريف المفاهيم الشرعية لتتوافق والنموذج الديمقراطي الغربي.
ولعل هذا الموقف يستدعي بعض الملاحظات، فهو يبرز، ابتداءً، استجابة السلفيين للديمقراطية في سياق تطبيقي وليس نظرياً كما اعتاد السلفيون مناقشة الأمر، فالإسلاميون في دول الثورات العربية، لم يترددوا كثيراً في المشاركة السياسية، واستطاعوا تحقيق مكاسب سياسية لم يكونوا ليحققوها في ظل الأنظمة الاستبدادية، وهو ما فرض على سلفيي السعودية ترجيح فوائد المشاركة، على مفاسد الانعزال، مع الاستمرار في نقد الديمقراطية.
وبصرف النظر عن شبهة الانتهازية التي تسم هذا الموقف المتسربل بحجج فقهية، يبدو من الضروري التأمل في النموذج الذي يمكن أن ينتجه الفصل والانتقاء بين الشق الإجرائي والشق الفلسفي للديمقراطية، والمؤكد أنه نموذج غير ديمقراطي وغير إسلامي. وزيادة في التوضيح والتحديد، نتساءل عن أثر نزع الأساس الفلسفي للديمقراطية على عملية تطبيق إجراءاتها، كالانتخابات مثلاً.
يمكن استشراف مسارين مستقبليين لدى الإسلاميين بالسعودية: أولهما يجسده مستوردو النموذج الديمقراطي، والثاني يجسده الإسلاميون الذين يدعون للتمسك بأحكام الشريعة الإسلامية
هذا التساؤل ليس نظرياً، ولكنه في صلب تفاعل المجتمعات العربية بعد الثورات مع فوز الإسلاميين بالسلطة، حيث تتخوف قطاعات عريضة في البلدان التي سيطر الإسلاميون على الحكم فيها كمصر، من انفراد الإسلاميين، ومن أنه لن تُجرى انتخابات قادمة تحت حكمهم. ويؤكد الموقف الذي يعبر عنه مؤلفنا، أنه حتى لو أجريت انتخابات فإنها لن تتعدى الطابع الإجرائي، وستكون منزوعة الروح الديمقراطية، ومقيدة بما يفرغها من مضمونها الديمقراطي، بادعاءات فقهية، وبما يحفظ سيطرة الإسلاميين على الحكم.
مستقبل الإسلاميين في السعودية
مثل عموم البلاد العربية، بدأت تهب على المجتمع السعودي رياح التأثيرات الفكرية والسياسية للإصلاح، ويمكن استشراف مسارين مستقبليين آخذين في الظهور لدى الإسلاميين في السعودية: أولهما يجسده مستوردو النموذج الديمقراطي، وهذه الشريحة تتمتع بهامش من حرية الحديث والنقد لا يتوفر لغيرهم، ويستمدون هذا الزخم من ثلاث قنوات داعمة لحراكهم، وهي: المنظمات الحقوقية الدولية والسفارات الغربية، ورموز الطائفة الشيعية، والنظم العربية الداعمة لحراك الثورات.
والمسار الثاني يجسده الإسلاميون والمثقفون الذين يستهدفون تفعيل النظم والقوانين المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، وسير الخلفاء الراشدين، ويرحبون بالمنجزات الإنسانية المعاصرة، كالجوانب الإجرائية للديمقراطية، بما لا يخالف الثوابت الشرعية.