الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

جريدة الشرق :: المرأة: المسألة فقهية أم ثقافية؟

المرأة: المسألة فقهية أم ثقافية؟

طارق العرادي

٢٠١٢/٧/٩

المرأة: المسألة فقهية أم ثقافية؟


أثارت محاولة نساء سعوديات الدخول إلى فرنسا بالنقاب موجة من الطرح الإعلامي المتباين ما بين مؤيد ومعارض، وقد كان أبرز الطرح حضورا هو ذلك المتعلق بقانون تلك الدولة وضرورة العلم به مسبقا واحترامه وفق الأدبيات المتفق عليها بين الدول المعاصرة وأنا من المؤيدين لهذا الاتجاه لأنه يفضي إلى مزيد من الضبط في العلاقات المتبادلة.
ومن الملاحظ في أطروحات الناشطين والناشطات في السعودية هو ذلك الاحتفاء الكبير بالقانون وتطبيقه (فقه ذلك البلد) وغابت مصطلحات (ثقافية) مثل الحرية وحقوق المرأة والفرد والتدين الشخصي وما في حكم ذلك من تعبيرات مختلفة نجد لها حضورا طاغيا عندما يختلف المكان، هذا التناقض يحتاج إلى مقاربة وتدليل عليه من الواقع ومحاولة فهمه والتعاطي معه وهذا ما سأحاول فعله هنا وسأستخدم الحجاب (نفس آلة المشكلة المطروحة) كمثال.
الحجاب منظومة متكاملة من الأحكام والضوابط الشرعية التي جاء بها الإسلام للمرأة وليس محصورا فقط في غطاء الوجه أو طريقة اللباس .. هذا أولا. ثانيا.. ينصب الطرح المحافظ – إن صح التعبير – على التركيز على عنصر المؤامرة – والتغريب مثال هنا – وكذلك على الدوافع الذاتية (الشهوانيون) عند الحديث عن قضايا المرأة المسلمة وبغض النظر عن صحة هذه التعليلات من عدمها فإن هناك عنصرا ثالثا لا بد من الالتفات إليه وهو ملامح (هزيمة نفسية) لدى كثير من الناشطين والناشطات في مجال المرأة مما يقتضي معالجة من نوع جديد لهذا الإشكال.
من مظاهر هذه الهزيمة في ذات السياق التلون والتشكل عند التعاطي مع مشكلة واحدة لها نفس الأبعاد فعلى الصعيد المحلي تجد بعض الناشطات السعوديات ثقافيا وإعلاميا يتجاوزن الحجاب الشرعي بصورتيه الجائزتين (النقاب أو كشف الوجه مع تغطية الشعر كاملا وتجنب زينة الوجه) إلى ما أسميه (الحجاب الثالث) وهو كشف الوجه مع جزء من الشعر ووضع شيء من الماكياج، هذه الصورة يمكن إتيانها من جهتين، الأولى كخيار شخصي يمكن معه استدعاء مفهوم الحرية والمسؤولية الشخصية، والثانية لابد معها من استدعاء الفقه/ القانون المعتمد عندما تحضر هذه الناشطة تحت مظلة رسمية (وزارة الثقافة والإعلام بفروعها المختلفة) لبلد دستوره هو القرآن والسنة الصحيحة كما هو حال السعودية.
يبرز التناقض حين تنتقد هذه الصورة المتجاوزة متكئا على القانون فتأتي الإجابات في الاتجاه المعاكس للحالة الفرنسية، فهذا مثقف يقول أهم شيء (الحشمة) وهنا سنقع في إشكالية مصطلحات حين نحاول تفسير مصطلح الحشمة والاحترام! وثان أو ثانية يقول لماذا التركيز على عدة شعرات في مقدمة الرأس لا تقدم ولا تؤخر؟ وثالث أو ثالثة تحيل لشخصنة القضية حين يأتي على صفات تلك الناشطة وتاريخها الوضيء. كل هذا التعاطي لا تراه عندما يتعلق الأمر بدولة غربية، بينما تتم الإطاحة بكل معاني الاحترام للدولة المسلمة وقانونها المعلن والتي تنتمي لها تلك الناشطة أو ذلك الناشط.
ويمكن مناقشة هؤلاء على طريقة (أنت تكره رئيسك في العمل لكنك تحب فكرة وجود رئيس في العمل) فأقول (أنت تكره/ تكرهين الحجاب الشرعي لكنك تحب فكرة أن يكون لوطنك هوية تمثلها وقانونا تمتثلينه).
يرى بعضهم أن التفكير بهذه الطريقة وتلك الممارسة من قبل البعض يمثل رسالة احتجاج على وضع المرأة السعودية ومعاناتها في جوانب محددة وإن كان الأمر كذلك فهذه معضلة أن يكون الاعتراض بهذه الصورة المصابة بخلط وعوار كبيرين. ويقول البعض بالتفريق بين الأعمال التي لها (بعد فردي أخلاقي) حسابه في الآخرة وتلك التي لها (بعد اجتماعي حقوقي) يترتب عليها استحقاق دنيوي أيضا، ويضع فريق الحجاب في الخانة الأولى بينما يضعه فريق في الخانة الثانية! ومهما كانت النتيجة فإن حيادية السلطة واستيعابها للاختلاف والتعدد جانب لا بد من مقاربته، لكن هل يمكن استيعاب المخالفة المتعدية أيضا وشرعنتها؟. قد يقول قائل إن الإشكال مؤسسي هنا وليس فرديا وقد حاولت تجنب هذه الفكرة حتى أبعد عن الناشطة تهمة التبعية وضعف الشخصية واستسلامها لقيود جديدة بنكهة مختلفة ولأضع الهزيمة النفسية في اتجاه واحد، لكنه استدراك واقعي يحتاج إلى توضيح.
في جميع الأحوال فإنني ألمح (حيدة) فقهية وثقافية وتأجيلا غير مبرر حين مناقشة قضايا المرأة السعودية لتتجه الصورة إلى اختلاف التضاد وكان الأولى بالنخب والمؤسسات أن تنتج اختلاف التنوع فكما يقال الباب الذي لا يفتح سيكسر يوما.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |