الخميس، 18 أبريل، 2013

هسبريس - فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة

فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة

فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة

فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة
بعد صمْت طويل، عاد المجلس العلمي الأعلى ليثير الجدل على الساحة، إثر إصداره لفتوى مثيرة، تُحرّم على المواطنين المغاربة المسلمين حُريّة العقيدة، وتضع رقبة كل من بدّل دينه على مقصلة الإعدام، تنفيذا لحدّ الردّة.
الفتوى المثيرة للجدل أثارت ردود فعل متباينة، ففي الوقت الذي أيّدها السلفيون، فإنها في المقابل لقيت معارضة من طرف الحقوقيين، ينضاف إليهم الداعية المثير للجدل، عبد الباري الزمزمي، الذي أبدى عدم اتفاقه مع فتوى قتل المرتدّ. في الأسطر الآتية رأي الطرف المؤيد، ورأي الطرف المعارض.
"فتوى مُثلجة للصدر"
بانشراح كبير، استقبل الشيخ محمد الفيزازي فتوى المجلس العلمي الأعلى، وعبّر عن ذلك في تصريح لهسبريس بقوله "لقد اطلعت على الفتوى، ولا أخفي أنها أثلجت صدري كثيرا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأنها أعظمُ وأجلّ فتوى، أصدرها المجلس العلمي المغربي بكل وضوح وبكل شفافية".
ويضيف "أنا أتفق تماما مع هذه الفتوى، القائمة على االدليل الشرعي الصحيح والصريح، وهي الفتوى التي كنا نقول بها دائما وأبدا في محاضراتنا مع العلمانيين وغيرهم، وكنا نُتهم بأننا ضد حقوق الانسان، ونحرّض على القتل".
أما الشيخ عمر الحدوشي، الذي لم يطلع بعد على الفتوى لحظة اتصالنا به، فقد عبّر عن اندهاشه لصدور هذا النوع من الفتاوى من طرف المجلس العلمي الأعلى قائلا "عجيب أن تصدر هذه الفتوى من مؤسسة تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لأنّ المعروف عن الوزارة أنها لا تصدر الفتاوى إلا بإيعاز من جهات معروفة"، مستدركا أنه يؤيد الفتوى، "لأن هذه الفتوى أجمع عليها المسلمون أجمعين".
"فتوى خطِرة جدا"
في مقابل رأيَيْ محمد الفزازي، وعمر الحدوشي، المؤيّدين لفتوى تطبيق حدّ الردة، فإنّ الحقوقيين لهم موقف مناهض للفتوى، "لكونها انتهاكا لحقوق الإنسان، ومن ضمنها حرية العقيدة".
بهذا الخصوص تقول رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خديجة الرياضي، إنّ الفتوى الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى "تعتبر موقفا خطيرا جدا، وانتهاكا لأبسط الحقوق والحريات المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان".
وأضافت الرياضي، في تصريح لهسبريس قائلة "تلقينا الفتوى باندهاش، لأننا لم نكن نعتقد أنه ما يزال هناك من هو قادر، في العصر الحالي، على قول مثل هذا الكلام، في بلد نتكلم فيه عن الحقوق والحريات".
في غضون ذلك، قال رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، عبد العالي حامي الدين، إنّ الفتوى "تتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا نتفق معها"، وأضاف القيادي في حزب العدالة والتنمية قائلا "نحن بحاجة إلى قراءة شرعية مقاصدية، تراعي الأصل الأكبر وهو "لا إكراه في الدين"؛ مضيفا "موقفنا من هذه القضية واضح، نحن مع حرية المعتقد، والتي تشمل حرية الناس الراشدين في تغيير معتقداتهم الدينية، شريطة عدم توفر عنصر الإكراه، انطلاقا من القاعدة القرآنية "لا إكراه في الدين".
من جانبه وصف الحقوقي أحمد عصيد فتوى المجلس العلمي الأعلى بـ"الفتوى المنبعثة من العصور الغابرة"، وأضاف عصيد "نحن عارضنا هذه الفتوى من منطلق تناقضها أولا من منطلق اختيارات الدولة المغربية ومسار الدمقرطة والتحديث الذي اختاره المغاربة، ومن جهة أخرى فهي تتعارض مع الفقه المُجدّ والاجتهادي الذي عبرت عنه نخبة متنورة من الفقهاء المغاربة وغيرهم خلال القرن العشرين في موضوع حرية المعتقد، وثالثا لأنها تتعارض مع الثقافة المغربية الأصيلة، المتمثلة في الثقافة الأمازيغية التي تخلو من حكم الإعدام، حيث لا يوجد حكم بالإعدام أو القتل في الأعراف الأمازيغية العريقة".
"يجب محاكمة معارضي الفتوى"
الشيخ محمد الفزازي لم يكتف فقط بتأييد فتوى المجلس العلمي الأعلى، بل ذهب إلى حدّ القول إن الذين اعترضوا على الفتوى لا يجوز لهم ذلك، لأن الفتوى صادرة عن مؤسسة تابعة للدولة، ويرأسها الملك، "لذلك ما علينا إلا السمع والطاعة في المجال التعبدي الديني المقنن والمنضبط والمرتبط بالشرع، لا سيما إذا ورد من المجلس العلمي الأعلى".
أكثر من ذلك ذهب الشيخ الفزازي إلى حدّ المطالبة بمتابعة معارضي الفتوى قانونيا، "لأنهم اعترضوا على السياسة الرسمية للبلاد، والتي تحدّد الانتماء والارتباط العقدي ضمن النسق المجتمعي المغربي العام، الذي لا يخالفه صراحة إلا من يريد شقّ الروح الدينية والعقدية للمغاربة".
كلام الفزازي ردّ عليه أحمد عصيد بالقول "إننا نعارض الفتوى من منطلق دفاعنا عن حقوق الإنسان بمفهومها الكوني، وليس ضروريا أن نكون رجال دين لنعرف ما إن كانت الفتوى في الصالح العام أم لا".
تفسيرات مختلفة لنصوص واحدة
النصوص الشرعية التي يستند إليها مؤيدو عقوبة حدّ الردّة، هما الحديثان الشريفان الواردان في صحيح البخاري "من بدّل دينه فاقلوه" و "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
الشيخ عمر الحدوشي يشرح حديث "من بدل دينه فاقتلوه" بقوله "إنّ الفاءَ عند علماء الأصول في قوله صلى الله عليه وسلم، "من بدّل دينه فاقتلوه"، تدخل على الحكم، ويعني القتل، ولكنّ المرتدّ لا يُقتل إلا بعد الاستتابة 3 أيام، فإذا تاب، فعفى الله عما سلف، وإذا لم يتب، آنذاك يصدر القضاء الإسلامي في حقه حكم القتل".
في نفس السياق، وردّا على الرأي القائل إن حديث "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، بكون الردّة الموجبة للقتل مشروطة بمفارقة الجماعة، قال محمد الفيزازي، "إنّ الحديث واضح ولا يحتاج إلى شرح، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يقل بإحدى أربع، النفس بالنفس والثيب الزاني حالتان، وبقيت حالة واحدة، وهي المرتد عن الدين المفارق للجماعة، وإلا، يقول الفيزازي، لقال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحلّ دم امرئ إلا بأربع وليس بثلاث"، معتبرا أنّ نصّ الحديث واضح، وهو أنّ المرتدّ عن الدين هو بالضرورة مفارق للجماعة.
تفسير الفيزازي والحدوشي للحديثين ردّ عليه أحمد عصيد بالقول إنّ النصوص الدينية هي نصوص لغوية، وما دامت كذلك فهي قابلة لقراءة متعددة، والقراءة التي يقدمها مؤيدو فتوى تطبيق حدّ الردة هي قراءة فقهية متشددة، تنطلق من الاشتغال بمنطق الخلافة الدينية القديمة.
وأضاف عصيد أن هذه القراءة تربط الإيمان بالدين وبين وحدة الجماعة، وتعتبر أن من غيّر دينه قد خان الجماعة، لأن هذه الجماعة قائمة على أساس الرابطة الدينية، وهذه الاعتبارات لم تعد قائمة اليوم، "لأننا لم نعد جماعة دينية كما كان عليه الأمر من قبل، بل نعيش الاختلاف والتنوع في كل شيء، والرابطة الموجودة بين المغاربة في العصر الحالي ليست رابطة مذهب ديني أو عقيدة معينة، بل هي رابطة انتماء إلى الدولة، وإلى الأرض، وبالتالي فأن يغير الإنسان دينه لا يعني أنه انقطع ولاؤه للدولة، لأنّ الولاء للدولة لا يعني الولاء للدين، وما يجعل الفقهاء يخلطون بين الإيمان والولاء للجماعة هو أنهم يعيشون الماضي ولا يعيشون معنا في العصر الحالي".
"فقهاء في حالة شرود"
في نفس السياق، يقول عبد العالي حامي الدين، إن حُكم بعض الفقهاء القدامى في موضوع قتل المرتدّ لم يكن يراعي سياق الحديث الذي ربط بين الدين والخروج عن الجماعة، وحمْل السلاح ضد الدولة.
ويشرح حامي الدين كلامه قائلا "عندما يكون الاكتفاء بتغيير المعتقد، دون الخروج عن الجماعة وحمل السلاح ضد الدولة، فهذا حكمه الحرية، ما لم يتحوّل تغيير الدين إلى هدف يسعى من خلاله المرتد إلى تحقيق مطالب سياسية، أو انفصالية، ويتوسل بذلك بطرق عنيفة.
أما تغيير الدين على المستوى الفردي، الذي يظل في حدود المعتقد، فهذا لا يستدعي قتله، حتى ولو جهر بذلك، مع استثناء الأطفال، الذين لا يجب أن يتعرضوا للإكراه لاعتناق دين معيّن، ما داموا قاصرين غير قادرين على التمييز والاختيار عن قناعة.
حامي الدين ذهب أبعد من ذلك وقال إن تغيير المعتقد الديني ليس حقّا فحسب، بل يجب على المؤسسات أن تحميه، وتحمي حق الأفراد في تغيير معتقداتهم، لكن بشروط، وهي ألا يتم استهداف النظام العام للدولة، إذ إن الآية القرآنية "لا إكراه في الدين" تعني الحق في تغيير المعتقد، ولكن بالنسبة للبالغ العاقل الذي لم يخضع لأي ضغط ولا إكراه".
عمر الحدوشي له رأي مختلف حول مفهوم الآية، إذ قال إن مسألة لا إكراه في الدين صحيحة ولا جدال فيها، لكنّ العلماء بيّنوا أنّ معنى الآية هو عدم إكراه غير المسلمين على اعتناق الدين الإسلامي، فالقرآن، يقول الحدوشي، بيّن لمعتنقي الديانات الأخرى، طريق الرشد، وهو دين محمد صلى الله عليه وسلم، وطريق الغيّ، وهو دين المشركين، ولا ينبغي الاستدلال بهذه الآية للارتداد عن الدين الإسلامي بالنسبة للمسلمين.
أما أحمد عصيد فيقول إنّ فتوى المجلس العلمي الأعلى "صادرة عن مجموعة من الفقهاء المعزولين الذين لم يسايروا لا تطور بلدهم، ولا تطور العصر الحديث ولا تتطور الفكر الفقهي المتجدد، وبالتالي يمكن اعتبارهم فقهاء في حالة شرود".
داعيا الدولة "أن تسعى، إن كانت تريد بحق الدمقرطة والتحديث، إلى تهيئة نخبة نيّرة من العلماء، تستطيع الإفتاء بما يتناسب مع العصر والواقع".
"فتوى تتناقض مع مواثيق حقوق الإنسان"
في علاقة الفتوى التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، تقول خديجة الرياضي، إن الفتوى تتناقض كليا مع التزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان، "ونحن نعتبرها دعوة إلى العنف والقتل والتحريض عليه"، داعية إلى التراجع عنها "لأنه من غير المقبول أن تصدر مثل هذه الآراء عن مؤسسة دستورية". الرياضي قالت إن مكتب الجمعية سيجتمع اليوم (الأربعاء) للردّ على فتوى المجلس العلمي الأعلى.
من جانبه قال عبد العالي حامي الدين، إن المجلس العلمي الأعلى كان عليه أن يجتهد أكثر، ويفصّل في الحالات، ويبيّن أن هناك حالات تُعتبر فيها حرية المعتقد مضمونة، وحالات أخرى تصبح فيها تلك الحرية مؤدّية إلى المس بأمن وسلامة الدولة، واستقرارها، وهنا يمكن للمشرع أن يتدخل، ولكن ليس بالضرورة عن طريق أحكام بالقتل، ففي لشريعة الإسلامية متّسع كبير للاجتهاد".
وفي سياق علاقة الفتوى مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان قال رئيس منتدى الكرامة، عبد العالي حامي الدين، "إن مجال إصدار الفتاوى مجال لا يكفي فيه العلم الشرعي لوحده، بل لا بد من الإلمام بالواقع، وخاصة ما يتعلق بمنظومة حقوق الإنسان المعاصرة".
وردّا على كلام الرياضي وحامي الدين، يقول الحدوشي إن القول بأنّ الديمقراطية، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان تجيز للفرد أن يفعل في حياته ما يشاء، وأنّ باقي الديانات متسامحة مع من يغيّر دينه، فهذا غير صحيح، "ففي مصر، يقول الحدوشي، يقوم الأقباط باختطاف كل من يغيّر دينه، كثير من الأخوات تمّ اختطافهنّ وقتلهنّ في مصر، بعد ارتدادهنّ عن المسيحية واعتناق الإسلام". وتساءل الحدوشي "لماذا أمريكا التي ترفع شعار حقوق الإنسان، وتحارب قتل المرتدّ، تنفّذ عقوبة الإعدام بالسموم في حق أصحاب الجرائم؟"
الزمزمي: أنا ضدّ حدّ الردّة
إذا كان السلفيون يؤيّدون فتوى عقوبة حدّ الردّة، التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى، فإنّ الداعية عبد الباري الزمزمي، جاء موقفه متماهيا مع موقف الحقوقيين الذين يعارضون الفتوى.
يقول الزمزمي في تصريح لهسبريس، إن العلماء متفقون على أن الفتوى تتغير بتغيّر أحوال الأمة، والأوضاع العالمية، مشيرا إلى أنّ سبب نزول حديث "من بدّل دينه فاقتلوه"، هو وجود دسائس من طرف اليهود على المسلمين في ذلك الوقت، لتشتيت شملهم، إذ يعتنقون الإسلام، ثم بعد فترة يرتدّون عنه، من أجل التشويش على المسلمين، مستدلا بالآية القرآنية "وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون"، ومن ثمّ، يقول الزمزمي، جاء الحديث الشريف "من بدّل دينه فاقلوه".
ويضيف الزمزمي أنّ الحديثين "من بدّل دينه فاقتلوه" وحديث "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..."، حديثان صحيحان، ولا خلاف في ذلك، لكنّ الخلاف بين العلماء كان حول متى يتمّ تنفيذ حدّ الردّة، إذ هناك من يقول إن المرتدّ يُستتاب ثلاثة أيام، وهناك من يقول إنّ الاستتابة تدوم مدى العمر، لأن مقصد الإسلام وغايته ليس هو القتل، وإنما السعي إلى هداية الناس.
وبصريح العبارة قال الزمزمي "أنا غير متفق مع فتوى المجلس العلمي الأعلى، لأنني أنظر إلى القصد، وإلى الغاية من الإسلام، الذي جاء ليهدي الناس ولم يأتِ لقتلهم، ولذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم "لا إكراه في الدين"، وإذا أتينا لتطبيق الفتوى، فإننا سنقتل الآف الناس، لأنّ كثيرا من المغاربة مرتدّون عن الإسلام، ومنهم من يوجد في مناصب كبرى في الدولة، وهؤلاء لن يستطيع أحد تنفيذ عقوبة حد الردة في حقهم، ومن ثمّ لن يكون الحكم عادلا".
وعن رأيه في المجاهرة بالردّة عن الإسلام، أوضح الزمزمي أنّ الإنسان من حقه أن يختار ما يشاء، لكن لا بد من سدّ الذريعة، ومقاومة أفكار المرتدّين، حتى لا تتفشى وسط الناس، عن طريق الحوار والموعظة، أما القتل فليس حلا، لأنه يتعارض مع مبادئ الإسلام ومقصده".

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |