السبت، 11 مايو 2013

Al Hayat-وصية الأفغاني التي تجاهلها السلطان عبد الحميد

Al Hayat-وصية الأفغاني التي تجاهلها السلطان عبد الحميد
وصية الأفغاني التي تجاهلها السلطان عبد الحميد
القاهرة - صلاح حسن رشيد
السبت ٤ مايو ٢٠١٣
ذات مرّة سأل الأديب خليفة التونسي أستاذه العقاد قائلاً: لماذا لا تستعمل الشعوب الإسلامية لغة الضاد بدلاً من لهجاتها الفقيرة في معجمها، وبلاغتها، وتراكيبها؟! فابتسم العقاد، ومال برأسه، ثم نظر إلى السماء، وهو يقول: لقد قصر أهلها، وتغافل عن فضلها مسلمو تركيا، وإيران والهند، ونيجيريا، وأندونيسيا، وغيرها؛ فلقد حيل بين المسلمين وبين تعاليم السماء. في المقابل؛ نجد جمال الدين الأفغاني حمل على عاتقه مهمة نشر العربية بين الأعاجم، إذ تكشف وثيقة نادرة عثر عليها؛ عن جهود الأفغاني في هذا الشأن، وكيف أنه طلب من السلطان عبد الحميد ضرورة اتخاذ العربية لغة للإمبراطورية العثمانية. فماذا كانت النتيجة؟!
يقول الأفغاني عن غرام الأعاجم بالعربية من قديم الزمان: «إن كل من دان بالإسلام، أو رضي بدفع الجزية عند الفتح العربي، سارع عن طيب خاطر وارتياح عظيم إلى التعريب، والسبب في ذلك أن وفود العرب على البلاد المفتوحة حملت معها أخلاقاً فاضلة، ظهرت أفضليتها بأجلى المظاهر مثل: الأنفة من الكذب، والوفاء بالعهد، ومطلق العدل، وكمال الحرية، والمساواة الحقيقية بين الملك والسوقة، وإغاثة الملهوف، والكرم والشجاعة، وباقي الفضائل من الهيئات المتوسطة بين الخلال الناقصة».
ويضيف: «هكذا تم للعرب، ورسخ لهم في معظم ما فتحوه من الأمصار والبلدان والممالك، آثار أدبية، فضلاً عن الآثار العمرانية، من لسان وعادة وأخلاق، ما أمكن استئصالها، بل بقيت برغم أنوف من دال من بعدهم من الدول، ومن هيئات الحكومات المختلفة. فمصر بينما هي هرقلية رومانية، ومقوقسها عامل له فيها، أصبحت في قليل من الزمن إسلامية في الأغلبية، عربية بالصورة المطلقة، في مميزات العرب كافة، وهكذا القول في سورية والعراق وغيرهما، من دون أن يبذل في سبيل ذلك التغيير أدنى مسعى، أو يستعمل لها أقل الوسائل... نعم؛ إن أكبر حامل، وأفعل عامل على تعرُّب أولئك الأقوام، هو الفضائل الأخلاقية والصفات العالية، التي كانت تأتي بها العرب مع بأسهم وشجاعة أبطالهم».
ويرى أن السر في انتشار العربية بين العجم، هو شأن خاص بالضاد وحدها، فيقول: «أما انتشار اللسان العربي، في ما عدا بلادهم –شبه الجزيرة- فليس للفاتحين أدنى دخل فيه، ولا اتخذوا له أسباباً ووسائل، بل إنما وجِدَ في اللسان العربي من الآداب الباهرة، والحِكم، والأمثال، والمواعظ، ذلك هو الذي أحلّه من الانتشار هذا المحل. إن لكل دينٍ لساناً، ولسان دين الإسلام العربي، ولكل لسان آداب، ومن هذه الآداب تحصل ملكة الخلاق، وعلى حفظها تتكون العصبية».
ويؤكد الأفغاني حقيقة مهمة، هي محاربة الأتراك للفصحى، واتباعهم سياسة تتريك العرب، متجاهلين نصيحة السلطان محمد الفاتح، ومن بعده السلطان سليم، باتخاذ العربية لغةً للإمبراطورية قائلاً: «ولقد أهمل الأتراكُ أمراً عظيماً، وحكمةً نافعةً، قالها السلطان محمد الفاتح وأحَبَّ أن يعملَ بها السلطان سليم، وهي قبول اللسان العربي لسان الدولة، وتعميمه بين من دان بالإسلام من الأعاجم، ليفقهوا أحكامه، ويمشوا على سنن الارتقاء بعلومه وآدابه، ومكارم أخلاقه، ومحاسن عوائد أهله. قامت السلاطين العظام من قبل عثمان بفتوحات جليلة، وعملت خيرات ومَبرّات جزيلة، وقرَّبوا إليهم مَن كان في عصرهم من فحول العلماء من المسلمين، وقد تفرَّدوا ذلك بمعرفة اللسان العربي، وبعض علومه، وعرف أولئك الفحولُ قدرَ اللسان العربي. وبقيت الأتراك في فتوحاتهم على تلك الصورة، وفي مجموعهم بداوةٌ صِرفة، فلم يتخذوا غيرَ القوة المادية آلةً، ولم ينقلوا سواها للبلاد! نعم؛ إنهم تديَّنوا بالإسلام على أبسط حالاته وأشكاله بكمال التعبُّد، ولكن على بعد سحيق من فهم معاني القرآن، وآداب اللسان».
ويشير إلى أن العرب لو كانوا مثل الأتراك، ما نشروا العربية: «والعرب لو كانوا مثلهم لما استطاعوا أن يكونوا أحسنَ أثراً منهم، ولما كان لهم حضارة ولا مدنية، ولَبَقوا بداوةً محضة، همهم فتح البلاد للاستغلال، وجمع الأموال للرفاه والترف، أو للبذخ والسَّرف! ولوْ أنَّ الدولة العثمانية قَبِلت من يوم استقلالها، وعملت بالفكرة –فكرة التعرُّب- من عهد السلطان محمد الفاتح أو السلطان سليم، بأن يُتخذ اللسان العربي، وهو لسان الدين؛ لساناً رسمياً، وتسعى بكل قوتها وجهدها، لتعريب الأتراك، لكانت في أمنع قوة، وآمن حصن من الانتقاص والخروج عن سلطانهم، ولكنها فعلت العكس، إذْ فكرتْ بتتريك العرب، وما أسفَهَها من سياسة، وأسقمَه من رأي، لأن تَديُّن الأتراك بالدين الإسلامي -على جهلٍ باللسان العربي- جعل لهم في القلوب منزلة ساقت، وتسوق الأمة للعطف عليهم مع سائر المسلمين! فما قولك لوْ تعرَّبتْ، وانتفى من بين الأمتين النعرة القومية، وزال داعي النفور والانقسام بـ «التركي وبالعربي» وصار أمةً عربية، بكل ما في اللسان من معنى، وفي الدين الإسلامي من عدل، وفي سيرة أفاضل العرب من أخلاق، وفي مكارمهم من عادات». ويرى الأفغاني أن الأتراك لو فعلوا ذلك، لكان عصرهم عصر النهضة العربية الإسلامية الشاملة، فيقول: «لو تيسَّر ذلك لكان إعادة عصر الرشيد للمسلمين ميسوراً، وجُمِعَ شتات الممالك الإسلامية تحت لواء سلطان عادل همام، غيرَ عسيرٍ! ولكن مع الأسف؛ فإن إخواننا الأتراك لم يُحسِنوا من أعمال الدنيا غيرَ الحرب، وهم فيما عدا ذلك، وفي ما يختص بشؤون العمران أقل رويةً وعملاً من سواهم». ويعترف في أَسَفٍ وحسرة، قائلاً: «يسوؤني؛ وأنا ممن يُحِبهم، وأتأثر كلما افتكرتُ بما ارتكبوه من الخطأ في عدم قبول اللسان العربي، لسان الدين الطاهر، والأدب الباهر، وديوان الفضائل والمفاخر باللسان التركي. ذلك اللسان الذي لو تجرَّد من الكلمات العربية والفارسية لكان أفقر لسان على وجه الأرض، ولعجز عن القيام بحاجيات أمة بدوية، فكيف يُعقَلُ تتريك العرب، وقد تبارت الأعاجم في الاستعراب، وتسابقت، وكان اللسان العربي لغير المسلمين، ولم يزل من أعز الجامعات وأكبر المفاخر، فالأمة العربية هي (عرب) قبل كل دين ومذهب، وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان، ما لا يحتاج معه إلى دليل أو برهان».
ويعلن الأفغاني في وضوح وجرأة، أنه فاتَحَ السلطان عبد الحميد في هذه المعضلة الكبيرة، بقوله: «لقد كاشفتُ السلطان عبد الحميد في أكثر هذه المواضيع في خلوات عديدة، فكان يسمع بكل إصغاءٍ، ولكنه في النتيجة كان قليلَ الاحتفاء بكل ما قلته له! ففهمتُ من أوضاعه وأسارير وجهه، أنه لا يعتقد أن قبولَ اللسان العربي، وفكرة الفاتح والسلطان سليم بذلك، صواباً ! فحوّلتُ وجهي عما لا يمكن إلى ما يمكن».
وهكذا صار حال الأتراك مع العربية، إهمالاً، واحتقاراً -على مرّ العصور- بل، حاولوا بكل ما يستطيعون تتريكَ العرب، والقضاء على لغة القرآن المجيد.

Al Hayat-المؤتمر الدولي للفلسفة الإسلامية والإفادة من التجارب النهوضية

Al Hayat-المؤتمر الدولي للفلسفة الإسلامية والإفادة من التجارب النهوضية
المؤتمر الدولي للفلسفة الإسلامية والإفادة من التجارب النهوضية
القاهرة - محمد عويس
السبت ٤ مايو ٢٠١٣
دعا المُشاركون في المؤتمر الدولي الـ17 للفلسفة الإسلامية (أُسس النهضة واتجاهاتها في الفكر الإسلامي) إلى استنهاض الهمم، واستلهام الفهم الصحيح للإسلام في نقائه الأول بعيداً من النظرات المذهبية الضيقة والخلافات التي تفت في عضد الأمة، والاقتداء بأعلام النهضة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي قديماً وحديثاً، والإفادة من التجارب النهوضية الناجحة في العالم الإسلامي، كما هي الحال في النموذجين الماليزي والتركي، وإنشاء رابطة علمية تهتم بالخروج بأمتنا من أزمتها، والوقوف من الحضارة الغربية موقف الناقد، وإصدار مجلة للرابطة متخصصة في دراسة فكر النهضة. وأوصى المؤتمر بإنشاء موقع إلكتروني باسم «النهضة الإسلامية»، وإقامة مراكز بحثية لدراسة مشروعات النهضة التي قدمت خلال قرنين من الزمان في العالم الإسلامي. فعاليات المؤتمر نظمها قسم الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة، وألقى الدكتور حسن الشافعي الأستاذ في القسم ورئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، المحاضرة الافتتاحية وتناولت المادة اللغوية للنهضة. واقترح الشافعي تعريفاً اصطلاحياً للنهضة بأنها «الوثبة التاريخية الجماعية من الأمم لافتتاح دور حضاري جديد»، وناقش المؤتمر أكثر من أربعين بحثاً، لباحثين من قطر، والسعودية، وليبيا، والجزائر، والإمارات، وماليزيا، وبروناي، وأذربيجان، وكوسوفا وتركيا.
مقرر المؤتمر ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي أشار في كلمته إلى أن المؤتمر تصدى هذا العام لمناقشة موضوع مهم يتعلق بفقه النهوض والانبعاث - نهوض الشعوب العربية والإسلامية وانبعاثها الحضاري، لأن شعوبنا تستحق أن تنهض، ومن آليات النهضة: تجديد الفكر، أو تجديد فهمنا للدين، أو تجديد الدين في الجانب المتغير منه، وتجديد طريقتنا في التفكير، وتعديل منهجيتنا في الفهم والنظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين، وإلى الكون والحياة»، وأضاف: «التجديد يمثل بداية تغيير الإنسان من داخله لكي يغير بعد ذلك الواقع الخارجي. وإذا كانت النهضة بالإنسان ومن أجل الإنسان، فالسؤال إذاً: كيف نبني إنسان النهضة هذا؟ لأن نهضة الأمم لا تنبني على الغوغائية وبرامج (التوك شو) التلفزيونية ولكن تنبني على الفكر الصحيح الإيجابي الفاعل، لأن الفكر هو روح النهضة». وفي ما يتعلق بدور العلماء في النهضة، قال الشرقاوي: «إن قسم الفلسفة الإسلامية - بعلمائه وباحثيه - ليستشعر مسؤوليته نحو الإسهام القوي في تجديد الفكر الإسلامي، إيماناً منا بأن النهضة الحضارية لابد من أن تتأسس على نهضة فكرية»، بينما أكد الدكتور محمد توفيق صالح رئيس المؤتمر في كلمته حرص رواد النهضة الحديثة بدءاً برفاعة الطهطاوي ومحمد عبده على الكشف عن سر تقدم أوروبا وأسباب تأخر العرب المسلمين، وكان الفريق الأول يرى أن اختيار تقليد الغرب هو السبيل إلى النهضة المصرية الحديثة، ولا بأس من فصل الدين عن سياسة الدولة العامة فصلاً تاماً، إذ إن النهضة الغربية لم تقم إلا على تحطيم الدين، وهذا ما فعله أتاتورك، ولكنه لم يستطع أن يقتلع جذور الإسلام على رغم حذفه من التعليم والثقافة والإعلام، أما الفريق الثاني فقد انطلق من أن إصلاح المسلمين يأتي من طريق دينهم، وذلك أيسر وأصح من تقليد النموذج الأوروبي، وتزعم هذا الفريق الإمام محمد عبده الذي رأى أن إصلاح الدين هو السبيل إلى النهضة المنشودة في حين أن الأفغاني كان يرى أن النهضة هي التي ستؤدي إلى الإصلاح الديني.
وناقش المؤتمر بحثاً بعنوان «العلمانية بين الرفض والقبول في البلدان الإسلامية» للدكتور مستور حماد العوامي- ليبيا- قدم خلاله رؤية نقدية سوسيولوجية جاء فيها أن أغلب ما كُتب حول الفكر العلماني يصب بالأساس في نقد هذا المفهوم، وهذا ما جعله يتساءل: لماذا هذا المفهوم بالضبط أثار ويثير هذا الجدل الفكري الدائر في الساحة الفكرية والسياسية الإسلامية وبخاصة العربية؟ أم أن الأمر فقط يرتبط بمصالح معينة تخص بعض فئات هذه المجتمعات؟ وكيف تفهم النخبة من المثقفين هذا المفهوم الفكري؟ وبالمقابل هل يمكننا أن نتساءل حول رؤية إيجابية حول هذا الفكر وإمكان تبنيه؟ ولفت العوامي إلى أنه «إذا ما تتبعنا الأسباب والمقومات التي دعت إلى نشر الفكر العلماني لم تكن في واقع الأمر إلا رد فعل لما حدث في نهاية الستينات والسبعينات من الوقوف ضد حركات دينية من هنا وهناك في الكثير من البلدان الإسلامية. إذاً فمن ناحية يمكن أن نعزو السبب في انتشار هذا الفكر ليس حباً بحكام الستينات ومن أتى من بعدهم فيه أي في هذا الفكر، ولكن كرهاً بالأيديولوجيات والحركات الفكرية التي نشطت في تلك الفترة وأصبحت تهددهم في عروشهم. إذن انتشر هذا الفكر في بدايته بهذا الشكل ليس حباً بعلي ولكن كرهاً لمعاوية!». وقدمت الدكتورة دعاء حمدي محمود من جامعة حلوان رؤية تحليلية نقدية في بحثها «الانعكاسات التربوية والثقافية لحركة الاستشراق على مجتمعات الشرق العربي الإسلامي» بهدف بناء رؤية فكرية ونقدية من السعة والتنوع بحيث تؤدي إلى تجنب الصورة النمطية التي اعتاد عليها الخطاب العربي في علاقته بالغرب الإمبريالي، كما عرضت أهمية حركة الاستشراق وارتباطها بقضايا مطروحة بشدة على الساحة الثقافية والفكرية العربية والدولية، ليست بمنأى عن الفكر التربوي منها: علاقة الذات العربية بالآخر الغربي، ومحاولة طرح البدائل السلمية لتعايش الشعوب، فضلاً عن ارتباطها بقضايا النهضة والتقدم في المجتمعات العربية الإسلامية وغيرها.
ومن الأبحاث التي ناقشها المؤتمر «الثقافة الإسلامية بين الوحدة والتنوع» للدكتور سعيد محمد إسماعيل الصاوي - سلطنة بروناي، «تجديد الإمام ابن تيمية في مجال الفلسفة الإسلامية» للدكتور فتحي محمد الزغبي - الإمارات العربية المتحدة، «البحث عن نقطة القوة والنهضة للأمة: التأمل في رؤية عقائدية للجيل الأول»، للدكتور محمد راضي إبراهيم - ماليزيا، «تحديد علم الكلام» للدكتور عبد الحكيم بن يوسف الخليفي- جامعة قطر.

Al Hayat-فكران عربيان معاصران: من النظري إلى الدموي

Al Hayat-فكران عربيان معاصران: من النظري إلى الدموي

فكران عربيان معاصران: من النظري إلى الدموي
محمود حداد *
السبت ١١ مايو ٢٠١٣
تعتبر الكتلة الرئيسية من المثقفين العرب أنَّ نواة عصر النهضة العربية الحديثة أخذت شكلها الأول عندما اصطدمت الهوية الإسلامية والثقافة العربية بالقوة المادية الأوروبية والثقافة الغربية في نهاية القرن الثامن عشر إثر احتلال القوات الفرنسية بقيادة بونابرت، ساحل مصر الشمالي ثم تقدمت في احتلالها إلى الإسكندرية والقاهرة وغيرهما من المدن والنجوع المصرية بسهولة ويسر، وحكمت البلاد حتى 1801. عند نقطة بداية العصر الاستعماري الأوروبي هذه على الأرض العربية، وعى العرب حقيقة تخلفهم مقارنة بتقدم الغرب وبدأ التفاعل بين المثقفين العرب الذين كانوا يحملون ثقافة إسلامية.
مقابل هذا التصور الذي وصّف الثقافة العربية بالتخلف والثقافة الغربية بالتقدم، نشأ اتجاه آخر يرفض المعادلة السابقة المذكورة مشدداً على أن المجتمع والثقافة العربيتين لم يكونا جامدين في الزمن، بل أن تطوراً اقتصادياً و فكرياً عضوياً لافتاً كان جارياً على قدم وساق ولم يوقفه إلا التدخل العسكري الاستعماري الأوروبي ذاته.
ومهما يكن من أمر، فحتى الأخذ بالرأي الثاني الأخير لا يغير المعادلة الأولى إلا شيئاً يسيراً لأن عدم القول بالتقدم المطلق والتخلف المطلق يوصلنا إلى القول بالتقدم النسبي والتخلف النسبي. وبالتالي، فقد ظل على الجانب العربي الجواب عن ذلك السؤال الذي ما انفك يتردد، وهم يقارنون تفوقهم الحضاري السابق في القرون الوسطى بالتفوق الأوروبي الحديث واللاحق: «لماذا تأخرنا ولماذا تقدموا؟»
ولقد أُسيل حبر كثير، ودُبجت آلاف الصفحات، ونشرت مئات المقالات والكتب محاولة إيجاد جواب عن هذا السؤال الذي حيّر كثيرين... من قائل بأسباب روحية أو متحدث عن أسباب السياسية، إلى آخر قائل بأسباب تربوية، وكذا أسباب اجتماعية-اقتصادية، الخ.

اتجاهان متنابذان
ولست في وارد محاولة إضافة جواب إلى الأجوبة التي أُعطيت، إلا أنّ هدفي هنا هو المساهمة في تفسير سبب انشطار الفكر العربي الحديث والمعاصر إلى اتجاهين مختلفين متنابذين.
وفي تقديري أنّ اهتمام جزء وازن من المثقفين العرب انصبَّ على محاولة اللحاق بالغرب بتقليده والسير على خطاه، لأنّه رأى الهوة الواسعة التي فصلت بين «التقدم» الغربي النسبي الحديث و»التأخر» العربي والإسلامي النسبيّ الحديث، فكان أنّ أسقط هذا الفكر التاريخ الأوروبي على التاريخ العربي دون مراجعة نقدية، وأتبع النموذج الأوروبي، وبالأخص الفرنسي، في الدعوة إلى مجتمع عربي حديث ومعاصر وإنسان عربي جديد. وكانت النقاط الرئيسة في هذا الفكر تشدد، ولو بدرجات متفاوتة، على فصل الدين عن الدولة، والأخذ بأسباب وطرائق الفكر الغربي وتقنياته وتدعو إلى الحداثة المتحررة من سيطرة التراث والشريعة التي لعبت دوراً ناظماً للحياة الأهلية البعيدة عن الحياة السياسية وأحكامها. وقد أخطأ أصحاب الدعوة هذه عندما ركزوا همهم واهتمامهم على القول بضرورة فصل الدين عن الدولة لأنَّ هذا الهدف كان متحققاً فعلاً إلى حد واسع (وقد خلطوا بين ذلك والعلمانية العاملة في سبيل مواطنة حقه لجميع أفراد المجتمع) إذ لم يكن للحياة السياسية والإدارية في الدول الإسلامية المتعاقبة سوى ارتباط جزئي) بالشريعة الإسلامية. وكان الخطر الفعلي على الدين ومؤسساته من الدولة وليس على الدولة و مؤسساتها من الدين. لذلك، فإنَّ التنظيمات الحديثة والمعاصرة الناشطة والعاملة باسم الدين، بخاصة المتشددة منها، تكونت من خارج المؤسسة الدينية (كالأزهر وطلابه وخريجيه) منذ بداية نشوء تنظيمات إسلامية كتنظيم الإخوان المسلمين قي مصر، مثلاً، وما تلاه من تنظيمات نشطت لإعادة نشر التدين في المجتمع والدولة معاً.
أما المثقفون المتغربنون فكان هدفهم العملي، ربما دون وعي من أكثرهم، ليس فصل الدين عن الدولة، بل فصل الدين عن المجتمع الأهلي، وهو هدف لم يتحقق بسبب ارتباط هذا المجتمع الأهلي بتقاليد الإسلام الشعبي وتربيته ومصالحه وقيمه ومؤسساته المجتمعية. وقد نظرت نُخب المجتمع الأهلي إلى التاريخ الحديث فتبنت الرأي القائل إنَّ العرب و المسلمين قد تأخروا فعلاً بالمقارنة لا مع الغرب فحسب، بل مع العصر الإسلامي الأول الذي كان بدوره عصر تفوق أخلاقي تميز بروحيته الإسلامية، وبتنظيم الشريعة لأحكام أوضاعه، فقالت بالعودة إلى مبادئ التفوق الإسلامية الأولى لنحافظ على شخصيتنا الحضارية من ناحية، ونتمسك بديننا ومعتقداتنا وأخلاقياتها في الوقت نفسه. بل إن هذا الاتجاه ذهب أبعد من ذلك بالاعتقاد أن ردم الهوة مع الآخر الأجنبي تستلزم ردم الهوة مع الذات في الماضي الأصيل.
ولا شك في أنّ هذا التوجه الأصولي والتراثي لتبني»النموذج الإسلامي» قد لاقى قبولاً من الطبقات الشعبية بصورة خاصة إذ إنها لم تتعرض للمؤثرات الفكرية الغربية وإن كانت قد تعرضت لمؤثرات الغرب التكنولوجية، فرفضت الأخذ بالأُولى وأقبلت بحماسة على الأخذ بالثانية.

مجتمعان متوازيان
إلا أن التطورات الاجتماعية - الاقتصادية التي نتجت من زيادة التعامل مع الغرب أوجدت مجتمعاً آخر موازياً و هو المجتمع المدني المرتبط، بالمقابل، وإلى حد كبير، بتقاليد وقيم الغرب الحديثة. وقد نظرت فئة مثقفي المجتمع المدني- ومعها نخبة بيروقراطية الدول العربية والإسلامية الحديثة - إلى «النموذج الغربي» باعتباره النموذج الذي يجب اعتماده للتخلص من التخلف.
هكذا، دارت وتدور منذ أكثر من قرن من الزمن، ومنذ انهيار الدولة العثمانية، معركة فكرية وسياسية ضارية بين القائلين بالعودة إلى نموذج الماضي المتفوق مقابل القائلين بنموذج الآخر المتفوق كلٌ وفق ثقافته ومصلحته ونظرته. وقد أُضيفت اليوم إلى المعركة الفكرية معركة سياسية إذ حاولت تنظيمات إسلامية معروفة انتزاع السلطة من تحالف الدولة العسكرية والشريحة العليا من المجتمع المدني واستبدالها إما بالاستئثار الحصري بالسلطة، أو بتحالفها هي مع المؤسسة العسكرية وتنحية النخبة المدنية والبيروقراطية عن الساحة السياسية.
إن عنوان المعركة القائمة أصبح واضحاً الآن: المتحدثون باسم المجتمع المدني ذوو الثقافة الغربية يتهمون الإسلاميين بالتخلف الفكري، والجهل بالعصر؛ والمتحدثون باسم المجتمع الأهلي يتهمون المجتمع المدني بالتخلف الأخلاقي والجهل الديني.

إمكانية التزاوج؟
هكذا، انتهينا إلى نموذجَي أو منظومتَي فكر وقيم يتموضع أولهما في وعي الأمة التاريخي وثانيهما في ضرورة اللحاق بالعصر الحديث الذي هو، شئنا أم أبينا، غربي النشأة وخارجي التوجه.
والمعضلة هي أن نِصف الحل هنا، ونِصف الحل هناك. والحل هو في الصراع المستتر الذي يجب أن يزاوج بين الاتجاهين، وهو تزاوج لا يمكن أن يحصل بالإكراه كما أنه قد يستلزم وقتاً أطول مما نتصور. وقد ابتعدنا حتى عن النظرة المحافظة التي ترى أن المعادلة الأفضل هي معادلة الجمع، أو التوازن بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالماضي غائب عند التحديثيين، والحاضر والمستقبل غائبان عند التراثيين.
وقد يقول قائل: «لا جديد هنا فإن مسألة ومحاولة التزاوج بين القديم والجديد أو الأصالة والمعاصرة موضوع طرقه كثيرون دون جدوى. وهذا صحيح. إلا أن الجديد برأينا اليوم هو أن القوى الاجتماعية الحاملة لكل من المشروعين لم تعد مجرد قوى فكرية تتنابذ بالأقوال والخطابات والكتابات، بل أصبحت قوى سياسية تتصارع بل وتتقاتل -تقتل و تُقتل - على حلبات المجتمع والدولة.
وعلينا أن نفهم ونتفهم أننا دخلنا مرحلة أكثر جدية من مراحل معارك الأفكار السابقة. ولعل من المفيد التوقف عند ما ذكره أوليفيه روا، عالم الاجتماع الفرنسي المعروف من «أن تاريخ التطور السياسي والديني في الغرب يشير إلى أن التسامح لم يكن نتيجة الليبرالية والتنوير؛ بل كان نتاج الاتفاقيات المتوالية الناجمة عن الحروب الدينية المدمرة... فالسياسات لعبت أدواراً كبيرة أكثر من الفلسفة واللاهوت».

* أستاذ في جامعة البلمند - لبنان

شارك

Share |