الثلاثاء، 20 نوفمبر، 2012

المعرفة - كتب -تحولات الإسلاميين

المعرفة - كتب -تحولات الإسلاميين

تحولات الإسلاميين
عرض/ جلال الدين عز الدين علي
تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه يمثل أنموذجاً لرؤية التيار السلفي السعودي لتحولات الإسلاميين في السعودية خلال عقد خطير ما بين نقطتي تحول أثرتا بعمق في المنطقة العربية، وهما أحداث 11 سبتمبر 2001، والثورات العربية، وخاصة في تونس (ديسمبر/كانون الأول 2010) ومصر (يناير/كانون الثاني 2011).
ويبرز الكتاب موقف هذا التيار من التيارات الأخرى على الساحة السعودية، ومن المشاركة السياسية للإسلاميين في ظل عملية التحول الديمقراطي في البلدان العربية بعد الثورات، وتأثيرات ذلك على الساحة الإسلامية السعودية.
-الكتاب: تحولات الإسلاميين (من لهيب سبتمبر إلى ربيع الثورات)
-المؤلف: وليد بن عبد الله الهويريني
-سلسلة كتاب البيان، رقم 153
-الطبعة: الأولى 2012
يلحظ القارئ للكتاب من بدايته حالة أزمة يمر بها هذا التيار الذي اعتاد الحياة فيما قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 وفق شروط سهلت عليه الهيمنة على الساحة الفكرية السعودية، والتعامل مع الاتجاهات المخالفة باعتبارها مجرد شذوذ عن الاتجاه السائد المتغلغل في أسس تكوين الدولة السعودية.
ومن أبرز تلك الشروط التي أشار إليها المؤلف في الفصل الأول بعنوان أحداث وأسباب مهدت لتحولات الإسلاميين: انغلاق المجتمع السعودي، واعتماد منهج التلقين في التعليم، وسيطرة زمرة من الرموز الدينية التي كانت لها سطوتها العلمية والسلطوية الرادعة لأي اتجاه مخالف، ووفرت نوعاً من الوحدة المفترضة بين الإسلاميين، فلما انتفت هذه الشروط بفعل وفاة عدد من هؤلاء الرموز، أمثال المفتيين السابقين الشيخين ابن باز والعثيمين، وتسليط الأضواء على المجتمع السعودي بعد أحداث 11 سبتمبر، والهجمات الشرسة على التيار السلفي واتهامه بالإرهاب، وشيوع الإنترنت والفضائيات والثقافة المدنية، أصبح هذا التيار يعاني تحديات وجودية.
وبقدر ما يمثل هذا الكتاب ذلك التيار، يمكن القول إنه استجاب لتحدياته بشكل يبدو أنه وافق القليل من النجاح.
بدأ المؤلف بالتقييم، وهو ما يعكس غلبة التحيزات والأحكام المسبقة على منهجه في التأليف، إذ قسم تحولات الإسلاميين التي سيدرسها (في الفصول الثاني والثالث والرابع) إلى ثلاثة أنواع، بحسب مدى الالتزام بالمنهج السلفي، ثم انطلق يعرض أهم معالم تلك التحولات على النحو الآتي:
أولاً: التحولات السلبية
هي التغيرات الفكرية التي تأول فيها بعض أصحابها آراءً خالفت أصولاً شرعية مستقرة، وتبنى بعضهم الفكر الليبرالي، ووظف البعض حصيلتهم الشرعية ومركزهم الوظيفي لدعم الهجمة على المنهج السلفي. ومن أبرز معالمها:
1- محاولة قولبة السلفية بوصفها منتجاً ثقافياً إقليمياً ارتبط بالبيئة النجدية، ولا علاقة له بالكتاب والسنة إلا بوصفه فهماً شاذاً للنصوص الشرعية، ساهمت الظروف السياسية والوفرة المالية في انتشاره وترويجه في العالم الإسلامي.
2- الإمداد العلمي والفكري للتيار الليبرالي من خلال انتقادات الإسلاميين للتيار السلفي عبر القنوات الإعلامية المختلفة، وتحول بعض الشرعيين إلى منصات قصف إعلامي ضد المؤسسات الشرعية.
3- التطرف المسكوت عنه، ويقصد به الآراء الخطيرة التي نتجت عن انتفاش التيار الليبرالي في ظل الهجمة الإعلامية على التيار السلفي، إلى حد التعدي على الثوابت الشرعية والإساءة للشخصيات والرموز الإسلامية.
4- المجموعة التنويرية: يتفق أنصار هذه المجموعة على نقد المنهج السلفي، ويهتمون بقضايا عامة كالتجديد والحرية وذم التشدد وضرورة التعايش. وهم يعملون على تطويع أحكام الإسلام وتأويلها بما يلائم المفاهيم الغربية، وأهم أطروحاتهم هي: تقديم النموذج الديمقراطي بوصفه النموذج الإسلامي المنشود، والدعوة إلى حرية الرأي والفكر بما يوافق الحرية الغربية، وصياغة صورة نمطية سلبية للتيار السلفي.
والغريب أن المؤلف تعرض للمجموعة التنويرية في سياق التحولات السلبية، على الرغم من أنهم ليسوا تحولاً ولكنهم طرف أو تيار.
التحولات الملتبسة هي التغيرات التي تباينت آراء العلماء بشأنها، فعدها بعضهم فقهاً رشيداً للاستجابة لمستجدات العصر، وعدها بعضهم تردياً وتنازلاً عن معالم المنهج السلفي، وفئة ثالثة تعدها مزيجاً من هذا وذاك
ثانياً: التحولات الملتبسة
هي التغيرات التي تباينت آراء العلماء بشأنها، فعدها بعضهم فقهاً رشيداً للاستجابة لمستجدات العصر، وعدها بعضهم تردياً وتنازلاً عن معالم المنهج السلفي، وفئة ثالثة تعدها مزيجاً من هذا وذاك؛ ومن أبرز معالمها:
1- غلبة العمومية والضبابية في المواطن التي تتطلب وضوحاً، وخاصة ثلاثة مجالات هي: الصراع الفكري بين الإسلاميين والليبراليين، والصراع بين دعاة المقاومة ودعاة التسوية في فلسطين، والصراع بين دعاة تطبيق الشريعة في البلدان العربية والأنظمة العلمانية المستبدة.
والمؤلف يلوم على أصحاب هذه التحولات حيادهم، ويرى أنه كان أولى أن ينحازوا إلى الإسلاميين ضد الليبراليين، ودعاة المقاومة (من الإسلاميين) ضد دعاة التسوية، ودعاة تطبيق الشريعة ضد الأنظمة العلمانية، في ميل واضح للاختزال والتعميم وتقسيم العالم إلى فسطاطين للحق والباطل، وهي رؤية لا تراعي التعقيد والتركيب في الواقع، ولا تراعي كذلك أهمية الانحياز للمبدأ، وليس لطرف في مواجهة الآخر.
2- طغيان لغة التعايش مع الطوائف الأخرى، مع غياب المرتكزات والقواعد التي يقوم عليها التعايش، والاقتصار على لغة فضفاضة عن أهميته ونبذ الإقصاء والتهميش. وفي المقابل، ضعف لغة التعايش تجاه الداخل الشرعي.
3- الإفراط في جلد المجتمع والاختزال في تصوير الواقع بإجراء مقارنات غير موضوعية بين صور التقدم المادي في الغرب وصور التخلف لدينا بلغة سطحية وشعارية موغلة في جلد عموم الناس، مع الإحجام عن إدانة ضعف البنية الحقوقية والإدارية المنتجة لحالة التخلف والانحطاط، والنخب المتنفذة، بل ممارسة الثناء والمدح لهم.
4- الاضطراب في عرض موقف المسلم تجاه غير المسلمين، فالنصوص الواردة في معاملة الكافر غير المحارب بالبر والإحسان لا تعني رفع مقامه من الناحية العقدية، حيث يصف القرآن الكافرين بأنهم "كالأنعام"، و"شر الدواب"، وهو ما يخالف الخطاب الليبرالي الذي يقف على مسافة واحدة من الأديان. كما أن النصوص الواردة في التكريم الإلهي لجنس الإنسان لا ترفع من مقام الكافر، لأن لهذا التكريم تكليفاً عظيماً يتمثل بضرورة الإذعان لشريعة المكرِّم سبحانه.
وهنا يستدعي المؤلف للجدل السياسي المجتمعي بعداً ليس من صميمه، ينصرف إلى علاقة الإنسان بربه، بينما مجمل الجدل هو حول تنظيم الدولة والمجتمع، وعلاقة الإنسان بالإنسان، في الداخل والخارج.
ثالثاً: التحولات الإيجابية
هي التغيرات في وسائل الإسلاميين وآلياتهم انطلاقاً من مرجعيتهم السلفية؛ ومن أبرز معالمها:
1- الاهتمام بالقضايا الفكرية لدى الإسلاميين لمواجهة الأجواء الإعلامية والفكرية العدائية خلال العشرية السبتمبرية، فشهد الوسط الشرعي في السعودية إقبالاً جارفاً على الكتب التي تناولت موضوعات مثل: الانفتاح الفكري، وخطاب النهضة وإشكالاته، ونقد الليبرالية.
2- تحقيق العديد من المسائل الشرعية والنوازل الفقهية تأصيلاً وتفصيلاً، ومن ذلك مسائل كانت محل سجال ساخن بين الإسلاميين وخصومهم، مثل الاختلاط بين الجنسين، والمستجدات المدنية في الاقتصاد والإدارة والقانون والعلاقات الدولية، والتصدي للشبهات التي يسوقها الخصوم، والاستشكالات التي تسربت من أصحاب التحولات السلبية.
3- ازدياد مظاهر العمل المؤسسي في المجال العلمي والدعوي بإنشاء المؤسسات الدعوية والمراكز البحثية، وإيجاد أوعية إعلامية ودعوية توحد الجهود العلمية والفكرية لطلبة العلم والمفكرين الإسلاميين.
4- الفاعلية في المشاركة على الإنترنت، بإنشاء مواقع علمية ودعوية وتربوية واجتماعية، إضافة إلى المنتديات التي شهدت تجاذبات ومعارك بين تيارات مختلفة. ومخاطبة قطاعات جماهيرية عبر الفضائيات غير الإسلامية، من أجل الوصول إلى شرائح اجتماعية ليست من رواد المساجد، ولا تتابع الأنشطة الدعوية.
قد تكون هذه التحولات إيجابية بالفعل لمختلف الأطراف، إذ تستدعي قدراً من الحوار والتفاعل، حتى وإن شابها ميل إلى الهجوم والدفاع والطابع الصراعي بين أطراف الانقسامات المختلفة.
انقسم الإسلاميون في السعودية إزاء الثورات العربية إلى  شريحتين: إحداهما، عدتها الخطوة الأولى نحو استعادة الأمة إرادتها السليبة، بينما تبنت شريحة أخرى نظرية المؤامرة في اندلاع هذه الثورات
الإسلاميون والثورات العربية
استعرض المؤلف في الفصل الخامس موقف الإسلاميين في السعودية من الثورات العربية، حيث ميز بين شريحتين: إحداهما، وهي الأغلبية، استبشرت بالثورات، وعدتها الخطوة الأولى نحو استعادة الأمة إرادتها السليبة، والنافذة الأوسع للدعوة الإسلامية، بينما تبنت شريحة أخرى من الإسلاميين نظرية المؤامرة في اندلاع هذه الثورات، ونسبتها إلى محاولة الولايات المتحدة الأميركية إعادة تشكيل المنطقة العربية.
ومما يحسب للمؤلف ترجيحه أن للثورات العربية منطقها الذاتي، وتأكيده في الوقت نفسه أن القوى الكبرى لا تعدم وسائلها لتوجيه مسار التطورات في المنطقة العربية بما يخدم مصالحها.
وفي هذا السياق، وضح المؤلف اهتمام الإسلاميين في السعودية بدراسة المشاركة السياسية للسلفيين بعد الثورات ضمن الإطار الديمقراطي، حيث تحظى هذه المسألة بأهمية كبيرة من زاوية التأصيل الشرعي لتلك المشاركة، ومن زاوية أخرى وهي اتهام الليبراليين المستمر للتيار السلفي برفض الديمقراطية.
يؤكد المؤلف أن السلفيين يرفضون الشق الفلسفي للديمقراطية، بسبب إيمانهم بمبدأ حاكمية الشرع الذي لا يحتاج إلى موافقة الناس لتطبيقه، ولكن السلفيين يقبلون الشق الإجرائي من الديمقراطية المتعلق بتداول السلطة وتنظيم الانتخابات وتشكيل الأحزاب.
وعلى هذا الأساس يميز السلفيون بين حالتين لمشاركة الإسلاميين السياسية ضمن الأطر الديمقراطية: الحالة الأولى أن يتبنى الإسلاميون أنموذجاً سياسياً غربياً ولكنهم لا يزعمون أنه يمثل الإسلام، وإنما سلكوا هذا الخيار لأنه المتاح أمامهم من باب الموازنة بين مصالح المشاركة ومفاسد الانعزال.
والحالة الثانية أن يتبنى الإسلاميون أنموذجاً سياسياً غربياً ويعلنون أنهم يستقونه من الإسلام، ومن هنا يشرع هؤلاء من حيث لا يشعرون بتبديل وتحريف المفاهيم الشرعية لتتوافق والنموذج الديمقراطي الغربي.
ولعل هذا الموقف يستدعي بعض الملاحظات، فهو يبرز، ابتداءً، استجابة السلفيين للديمقراطية في سياق تطبيقي وليس نظرياً كما اعتاد السلفيون مناقشة الأمر، فالإسلاميون في دول الثورات العربية، لم يترددوا كثيراً في المشاركة السياسية، واستطاعوا تحقيق مكاسب سياسية لم يكونوا ليحققوها في ظل الأنظمة الاستبدادية، وهو ما فرض على سلفيي السعودية ترجيح فوائد المشاركة، على مفاسد الانعزال، مع الاستمرار في نقد الديمقراطية.
وبصرف النظر عن شبهة الانتهازية التي تسم هذا الموقف المتسربل بحجج فقهية، يبدو من الضروري التأمل في النموذج الذي يمكن أن ينتجه الفصل والانتقاء بين الشق الإجرائي والشق الفلسفي للديمقراطية، والمؤكد أنه نموذج غير ديمقراطي وغير إسلامي. وزيادة في التوضيح والتحديد، نتساءل عن أثر نزع الأساس الفلسفي للديمقراطية على عملية تطبيق إجراءاتها، كالانتخابات مثلاً.
يمكن استشراف مسارين مستقبليين لدى الإسلاميين بالسعودية: أولهما يجسده مستوردو النموذج الديمقراطي، والثاني يجسده الإسلاميون الذين يدعون للتمسك بأحكام الشريعة الإسلامية
هذا التساؤل ليس نظرياً، ولكنه في صلب تفاعل المجتمعات العربية بعد الثورات مع فوز الإسلاميين بالسلطة، حيث تتخوف قطاعات عريضة في البلدان التي سيطر الإسلاميون على الحكم فيها كمصر، من انفراد الإسلاميين، ومن أنه لن تُجرى انتخابات قادمة تحت حكمهم. ويؤكد الموقف الذي يعبر عنه مؤلفنا، أنه حتى لو أجريت انتخابات فإنها لن تتعدى الطابع الإجرائي، وستكون منزوعة الروح الديمقراطية، ومقيدة بما يفرغها من مضمونها الديمقراطي، بادعاءات فقهية، وبما يحفظ سيطرة الإسلاميين على الحكم.
مستقبل الإسلاميين في السعودية
مثل عموم البلاد العربية، بدأت تهب على المجتمع السعودي رياح التأثيرات الفكرية والسياسية للإصلاح، ويمكن استشراف مسارين مستقبليين آخذين في الظهور لدى الإسلاميين في السعودية: أولهما يجسده مستوردو النموذج الديمقراطي، وهذه الشريحة تتمتع بهامش من حرية الحديث والنقد لا يتوفر لغيرهم، ويستمدون هذا الزخم من ثلاث قنوات داعمة لحراكهم، وهي: المنظمات الحقوقية الدولية والسفارات الغربية، ورموز الطائفة الشيعية، والنظم العربية الداعمة لحراك الثورات.
والمسار الثاني يجسده الإسلاميون والمثقفون الذين يستهدفون تفعيل النظم والقوانين المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، وسير الخلفاء الراشدين، ويرحبون بالمنجزات الإنسانية المعاصرة، كالجوانب الإجرائية للديمقراطية، بما لا يخالف الثوابت الشرعية.
المصدر:الجزيرة

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |