الجمعة، 10 ديسمبر، 2010

صحراء ميديا :: نعم للقصاص ولا لإلغاء عقوبة الإعدام/ الأستاذ بونا ولد الحسن

نعم للقصاص ولا لإلغاء عقوبة الإعدام/ الأستاذ بونا ولد الحسن
نعم للقصاص ولا لإلغاء عقوبة الإعدام/ الأستاذ بونا ولد الحسن
الخميس, 09 ديسمبر 2010 11:24 .– محام لدى المحاكم الموريتانية.
العلماء وقول الحق:
حين فاجأتنا بعض المواقع الالكترونية بلائحة مجموعة من الأسماء المعروفة في عالم الفكر والثقافة ، تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام من القوانين الموريتانية، على غرار ما هو موجود في بعض الدول الآخذة بنظام لا يستمد جذوره من الديانة الإسلامية، توقعت ردودا منتظمة تصدر بشكل جماعي عن الجهات ذات المعرفة بخطورة هذه الدعوة ومثيلاتها، على عقول كثير ممن أغراهم حسيس الحضارة الغربية، ومعرفة أصحابها لبعضٍ من ظواهر الحياة الدنيا.
رأيت رداً من العالم الفاضل إسلمو ولد سيد المصطف لم يكن فيه تفصيل لمصطلحات يؤدي غموضها لانصراف الذهن لمعانٍ تعتبر مدخلا مباشرا للردة عن الإسلام.
ربما اعتبر بعض العلماء الرد فرض كفاية ، واكتفى بردود مقتضبة تولى العالم المذكور نشرها في نفس المواقع، وقد يكون عدم الانتباه لمخاطر الجذر الذي يعتبر منطلقا لهذه الدعوة هو الدافع وراء مؤامرة الصمت، وهي أكثر ضرراً حين لا تكون مقصودة.
فالعمد يختار صاحبه هدفا محسوبا سلفا ومدروس النتائج، في حين أن الخطأ أو الإهمال أو عدم الانتباه لا سيطرة على نتائجه.
إن عدم التفات العلماء لقضية خطيرة يجعل تذكيرهم وارداً لأن الذكرى نافعة لأمثالهم من المؤمنين.
الإعـدام:
إن استعمال كلمة الإعدام تسرب من ذوي الخلفيات العلمانية، ومن أراد بها غير معناها المجازي يعتبر مرتدا عن الإسلام.
حين يموت الإنسان أو يقتل يتحول إلى حياة أدْوم يلقى فيها المكان الذي اتخذ له سبيلا وقت كان ذاك متاحا.
قد يُقتلُ الإنسانُ قصاصًا وقد يقتل نتيجة ما يقوم به من أعمال حرابةٍ، وفي كلتا الحالتين لنا في ذلك حياة.
ليس هذا محل عرض الأحكام الشرعية ومعرفة شروطها؛ فالحدود بإختصار وبصفة أشمل تتطلب توافر مجموعة من الشروط تجعل تفادي الإدانة عند كل ذي عقل، مستحيلا.
في إحدى الدول الإسلامية تصادَفَ وجودي مع محاكمة ثلاثة إخوة ارتكبوا جريمة قتل محام وزوجته وسحقوا الجثتين بمواد كيميائية إطفاء لمعالم الجريمة، وذلك بحثا عن المال بدافع حب التملك، لا بدافع الجوع ولا الانتقام ، ولا دفاعا عن النفس، وفي مكان آخر روى لي شاهد عيان أنه رأى امرأة تتشحط في دمها ملقاة قرب سكة حديدية وعلى صدرها رضيعها، مقتولة من طرف شابين مفتولي العضلات مخمورين وبجنبها زوجها مشلول الإرادة عاجز عن الحركة أو الحديث لهول ما شاهد، أعتقد أن موقف هذا الرضيع وأطفال المحامي مختلف عن موقف الجماعات التي تنطلق من خلفية أبعد ما تكون عن النصوص القرآنية الصحيحة وهم في كل الأحوال ليسوا من أولياء الدم، أكرر أن الإعدام بالمعنى الحقيقي ليس بوسع أحد أن يقوم به لكن المتاح هو القتل وعندئذ ينتقل الإنسان إلى الحياة الباقية، وأي استعمال لهذا المصطلح بغير معناه المجازي يعتبر ردة عن الإسلام، ومن يجادل في ذلك مرتد عن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .
إن القيام بفعل محرم يعتبر معصية ولكن إنكار ما ثبت بآية قرآنية غير منسوخة، يعتبر ردة مباشرة عن الإسلام، وليست هذه فتوى وإنما هي تقرير حقيقة.
حين يتخذ الإنسان من الإسلام مرجعية يجب أن يقتنع سلفا أن ما ثبت بنص غير قابل للتأويل هو الأصلح للإنسان، لأنه صدر عن خبير عليم مدبر حكيم، والخروج عليه يعتبر سبيلا للإنحراف عن صراط المصالح الدنيوية والقطيعة مع المصالح الأخروية.
إني لا أقوم بدور الواعظ ولا أناقش من منطق (غربي) ولا أخاطب تلك العقلية، وإنما أوجه حديثي إلى مجموعة إسلامية أقدمت على موقف دون أن تتحرى فيه حكم الله، وتلك خطيئة قابلة للتفادي إذا تم الاطلاع على الحكم الصحيح الذي لا يختلف عليه إثنان و هو حكم معروف بالكتاب والسنة،وبناء على ذلك يجب أن يتوبوا قبل فوات الأوان وتلك نصيحة واجبة عليَّ.
ازدواجية القياس:
حين أخاطب العقلية الإسلامية احتاج تدقيق المرجعية والنص، وبعد ذلك يأتي المنطق.
وحين أخاطب الذهنية الغربية يكون المرجع أولا هو المنطق وما وصلت إليه الأبحاث العلمية ليتبينوا أن أي معطى ثبت علميا لا يخالف الشرع، لا يخالف الوحي و لا يخالف ما ثبت بحديث صحيح.
ولا ضير من التذكير أن أمريكا تعتبر إماما لكثير من الناس نتيجة ما حققت من ثروة وقوة مادية غير مسبوقين، حيث أبادت حضارة الهنود الحمر وسيطرت على كثير من منابع النفط والثروة في العالم، وغزت دولا وحاكمت بعض الرؤساء و اغتالت البعض الآخر بدم بارد!
تلك الأسباب مجتمعة وغيرها بهرتنا أو جرفتنا رياحها وأصبحنا أسرى دون إراقة دم أحيانا. وبقدر ما لم تعد لنا حرمات، لم تعد لدلالات الكلمات حرمات أيضا.
وحين ننجرُّ إلى حرب أهلية و تخلق لنا فوضى تسفك فيها الدماء، نكون أمام (فوضى خلاقة !). وحين يحاصر قطاع غزة المليوني وتباد قراه نكون أمام (مكافحة الإرهاب !). وحين نعدم جاسوسا يمهد لحرب أهلية نكون عرضنا حقوق الإنسان للهدر وتلك جريمة لا تغتفر؛ أما حين ينشر كاتب أفكارا من شأنها الحث على اعتناق الشيوعية في أمريكا والدعوة لانفصال إحدى الولايات الفرنسية أو الألمانية، فإننا نكون عندئذ أمام جريمة نكراء وخطر محدق يحتاج حصر مصادر نيرانه في مواقعها وعندئذ كل الوسائل مناسبة حتى لا يتضرر (المجتمع الدولي).
وإذا حاولت مجموعة من الضباط أو المدنيين أو الغوغائيين إشعال وقود نار حرب أهلية في أية دولة غربية موصوفة بأنها سابقة للتقدم وديمقراطية وعظمى، فإن المصير هو الإعدام بالمعنى المجازي للكلمة.
وحين يتغير الموقع الجغرافي أو الحضاري فإن القتل هنا يعتبر جريمة إبادة ضد الإنسانية، ودون استفاضة فإن تتبع هذا المصطلح اليوم يفيد أن كلمة الإنسانية مرادفة لكلمة الغرب بمعناه الاصطلاحي، وما سواه يعتبر حقلا للتجارب، لمختلف التجارب بما في ذلك تجربة المصطلحات، تجربة انتهاك حرمات الكلام.
لولا أن أمريكا على سبيل المثال ما زالت تأخذ بتلك العقوبة لصنفتها الأمم المتحدة جريمة ضد الإنسانية.
فساد القياس أو اختلاف الاعتبار:
نشرت المواقع مقالا لواحد من دعاة إلغاء عقوبة الإعدام حسب تعبيرهم، وكانت فيه بعض الآراء اللافتة للانتباه، وذلك حين ذكر قصة الامتناع عن قطع اليد في عام الرمادة مستشهدا على مطالبته الأخذ بنظام إلغاء العقوبة المذكورة، وهذا فساد في القياس لا يعادله فساد.
إن قطع يد السارق ليس على إطلاقه، وتحاشيا للاستفاضة في غير موقعها يمكن إيجاز القول في الموضوع على النحو التالي:
•لا يكون أخذ مال الغير خِلسة مستوجبا للقطع إذا كان الدافع هو الجوع.
• إن الأصل هو قطع يد السارق وهو حكم ذا مصلحة يدركها غير المسلم إذا شرح الأخير للأول الشروط المطلوبة التوافر دون لبس.
• إن الامتناع عن قطع اليد حين يكون الدافع للسرقة هو الضرورة، يعتبر هو الحكم الشرعي بعينه وليس تعطيلا له، فقليل من يجهل أن الضرورات تبيح المحظورات.
• و للقتل كذلك شروط لا بد أن تتوفر وفي غيابها تصبح عملية القتل اعتداء وليست قصاصا. و لذلك فإنه لا بد من القتل لكل من تشكل حياته خطرا و فسادا على أمن المجتمع و طمأنينته و سكينته ، و لا اعتقد أن هناك من يجادل في أن القاتل بفعله القتل لا يكون مساهما في العدوان على المجتمع و تعكير صفوه و استقراره .

• و ختاما ، فإن بعضا من حملة الأقلام والفكرعندنا يملكون من زخرف القول والمنطق ما يخولهم إضفاء صورة مغلفة بثوب الإنسانية تقدم تصورا مهلكا يصدر عن خلفية تتخذ من الحضارة الإنسانية بالمعنى الذي أوضحناه سندا. وما يقدمون في الواقع ليس إلا (كباقة ورد جمعت حول حية رقطاء) كما قال أحد الشعراء.
يتبع إذا لم يقم أهل المعرفة بدورهم بعد التذكير.


* بقلم - الأساذ/ بونا ولد الحسن – محام لدى المحاكم الموريتانية.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |