الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

سبق | صور من ممارسات اجتماعية خاطئة "1-2"

سبق | صور من ممارسات اجتماعية خاطئة "1-2"


23 جمادى الأولى 1433-2012-04-1509:44 PM

صور من ممارسات اجتماعية خاطئة "1-2"

التحولات والتغيرات الاجتماعية لا تحدث بين ليلة وضحاها. هذا على الأقل ما يبشر به علماء الاجتماع، لكن أجدادنا العرب علَّمونا أن لكل قاعدة شواذ. وشاذ هذه القاعدة الاجتماعية المجتمع السعودي، أو بالأحرى التحولات الاجتماعية السريعة التي شهدتها ساحة المجتمع السعودي، والتي لا تتناغم مع السنن الاجتماعية المتعارف عليها؛ وذلك يعود إلى أن التحوُّل السريع من المجتمع البدوي إلى الحضري تم في فترة وجيزة بحساب أعمال الأمم؛ ما أوجد حالة اجتماعية سعودية خاصة، أو لنقل أنماطاً سلوكية خاصة بالمجتمع السعودي.

وتشير التقديرات إلى أنه قبل ما يقارب الستين عاماً كان نصف المجتمع السعودي يعيش حياة بدوية؛ حيث يقطن السكان الخيام، ويرعون ماشيتهم وإبلهم، ويعيشون تحت وطأة الفقر والجهل. والتقديرات ذاتها تشير إلى أن من يعيشون في البادية الآن يقلون عن 10%، وهي نسبة تتناقص بشكل سريع؛ إذ إن الكثير ممن كانوا إلى وقت قريب يقطنون البادية تركوا خيامهم الصحراوية؛ ليهنؤوا بحياة يسودها الرخاء والرفاهية داخل مدن عصرية حضرية. وتزامن مع هذا التحول الحضري طفرة تعليمية، ونمو سكاني ملحوظ، وانفتاح على العالم بقدر جعل شعب السعودية يأتي على رأس الدول العربية في استخدام وسائل الاتصال الحديثة، وأكثرهم ترحالاً في شتى أصقاع العالم، وأكثر شعوب المنطقة مشاهدة لوسائل الإعلام المرئية بنسبة فاقت حتى من هم خارج حدود الوطن العربي الكبير؛ إذ يبلغ الوقت الذي يمضيه المواطن السعودي في مشاهدة التلفاز أكثر بـ 50% من الوقت الذي يمضيه الأمريكي أو الأوروبي، وبلغ عدد المحطات الفضائية ما يقارب الـ 300 محطة، ويوجد جهاز تلفاز لكل ثلاثة أشخاص في السعودية، وقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت ما يفوق الـ 11 مليون مستخدم بحلول 2011م، حسب تقرير لهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات.

وشهدت أرض السعودية - إضافة إلى ذلك - تطوراً وحركة مالية تفوق مثيلاتها العربية، وبجانب ذلك شهدت الساحة السعودية تحولات، وإصلاحات، وبروز مؤسسات مدنية، تمثلت في انبثاق مركز للحوار الوطني، وإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، وغيرها من الهيئات والمؤسسات المدنية، ومؤشرات أو انفراجات ديمقراطية تُرجمت بالانتخابات البلدية، وانتخابات الغرف التجارية، وانتخابات الجمعية الصحفية، وبروز تيار إصلاحي داخلي يطول كل مناحي الحياة، وترحيب بالاستثمارات الأجنبية، وتكريس نظام الخصخصة لبعض المشاريع الحكومية، وتمليك العقار لغير السعوديين، والانضمام إلى الأسواق العالمية الكبرى، وغير ذلك من المؤشرات والتوجهات.

وهذا التحول السريع من مجتمع تقليدي بسيط إلى مجتمع مدني متحضر منفتح على الثقافات العالمية، ومحاولة الاستفادة من معطيات التقدم العلمي والتقني في المجالات الحياتية كافة، تمخضا - ولا شك - عن إعادة صياغة النسيج الاجتماعي السعودي، وقادا في الوقت نفسه إلى نشوء ممارسات أو قيم اجتماعية إيجابية وسلبية ينفرد بها المجتمع السعودي دون غيره من المجتمعات الأخرى.

وسنحاول في هذه المقالة أن نعرج على بعض أبرز الممارسات الاجتماعية الخاطئة؛ في محاولة لتصحيح مسار تلك الأنماط السلوكية السعودية السلبية من خلال إبرازها، وتسليط الضوء عليها، وبيان خطئها، ومحاولة النأي بشخصية المجتمع السعودي برمته من براثن قيم وممارسات اجتماعية سلبية.

الشكوى والتذمر:
ويأتي على رأس تلك الممارسات الاجتماعية الشعور الطاغي لدى العديد من أفراد المجتمع السعودي بالشكوى والتذمر؛ فأنَّى اتجهت ببصرك يمنة أو يسرة، سواء كان ذلك في المؤسسات التعليمية، أو الحكومية، أو في مؤسسات القطاع الخاص، وحتى أثناء اللقاءات الاجتماعية العائلية والأسرية، فستجد أن الصوت الطاغي على كل الأصوات ألا شيء يسير بشكل جيد في هذا البلد. ويمكنك اختبار مصداقية هذا الحُكْم من عدمه من خلال القيام بطرح أي موضوع ذي مساس بمختلف نواحي حياتنا، وحينها ستجد ردًّا مباشراً مغلَّفاً بعبارات توحي بعدم الرضا عما تسير عليه الأمور. هذه الممارسة الاجتماعية السائدة على نطاق واسع وقفت حائلاً دون محاولتنا الجادة للعمل على تحسين الوضع القائم نظراً لشعورنا المغلَّف بقدر عالٍ من التذمر.

إلقاء اللوم على الطرف الآخر:
والممارسة الاجتماعية الأخرى تبدو من خلال سعي الكثيرين إلى إلقاء اللوم على الآخرين بدلاً من الاعتراف بالخطأ، وهي ظاهرة اجتماعية مستشرية على نطاق واسع بين أطياف المجتمع وطبقاته المختلفة. وقد بلغ مدى تغلغل هذه الظاهرة حدًّا جعل المرء يلمس ندرة في أن يجد مَنْ يتحلى بالشجاعة الأدبية، ويعلن تحمله المسؤولية عما جرى، وينسب الخطأ لنفسه، بل إن الكثير منا يستخدم هذه الاستراتيجية أو بالأحرى "ميكانيكية الدفاع عن النفس" في محاولة مستميتة لتبرير أخطائه وهفواته بتحميل الآخرين مسؤوليتها.

عدم استشعار أهمية الوقت:
وبينما نجد شعوب الأمم الأخرى تعطي قدراً لأهمية الوقت نجد الكثير منا ينظر له بنظرة أقل ما يمكن أن توصف به أنها نظرة غير مستشعرة قدره وأهميته، ويتساوى في ذلك الكثير منا صغاراً وكباراً، عامة ومسؤولين. والترجمة السلوكية لذلك تظهر من خلال بعض الممارسات مثل: المواعيد ليست نهائية، بل هي قابلة للتقديم والتأخير، والزيارات المتعددة والمفاجئة للأصدقاء والأقارب ليست مضيعة للوقت لكنها على العكس من ذلك استغلال حميد له، والويل لمن تقع العين عليه محدقاً النظر في ساعته أثناء مناسبة اجتماعية، وعدم الالتزام بموعد محدد مسبقاً، أو القدوم له متأخراً أمر غير جيد، لكنه لا يرقى بحال إلى مستوى يصنف فيه على أنه تصرف مشين يخجل المرء منه؛ لذا اعتدنا في مثل هذه المواقف سماع عبارة "خير يا طير، الدنيا ما هي طايرة".

وفي الجزء الثاني من المقالة سنسلِّط الضوء على مزيد من الممارسات الاجتماعية الخاطئة.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |