الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2011

جريدة الراية - حوارات - المفكر الاسلامي جمال البنا : نحتاج إلى ثورة في الفكر الإسلامي

جريدة الراية - أحدث الأخبار من قطر والخليج والعالم يوميا - حوارات
نحتاج إلى ثورة في الفكر الإسلامي
  • أطالب بفقه إسلامي يعود للقرآن رأساً دون التقيد بالمذهبيات أوكلام المفسرين
  • القرن الأخير هو قرن الصحوة لكن الجمود يعود إلى القرن الخامس الهجري
  • حسن البنا لم يكن يريد تأسيس دولة إسلامية وهدفه دخول الإسلام في النظم
  • الفقهاء القدامى كانوا عباقرة لكنهم ليسوا ملائكة وما يثار حول الردة لا أصل له


القاهرة - الراية - أحمد عبد الله :


تجديد الفكر الاسلامي دعوة تترد على الساحة من وقت الى آخر لكنها ما ان تظهر ويعلو صوتها حتى تختفي مرة آخرى بعد شد وجذب بين المؤيدين والمعارضين لها وبعد ان يشعر الجميع ان النقاش والجدال خرج عن اهدافه ولا يؤدي الى نتيجة يلوذون بالصمت وتنتهي القضية عند هذا الحد . وهذا يؤكد عدم الجدية في طرح قضية التجديد إن العالم الاسلامي لم يعد في حاجة ماسة إليها حتى يخرج من كبوته وحتى يتمكن من تحقيق التقدم وامتلاك القوة التي تجعل له مكانا على خريطة العالم . المفكر الاسلامي جمال البنا ومن خلال حوار مع الراية يناقش هذه القضية .... فإلى نص الحوار ...


> الدعوة الى تجديد الفكر الاسلامي هل المجتمعات الاسلامية في حاجة حقيقية إليها أم هي مجرد رفاهية في غير وقتها ؟


- نحن بالفعل نعيش في حالة تحجر وتقوقع ولابد ان نواجه هذا ورغم ان علماءنا يقولون ان الإسلام يتميز بالمرونة أيضا لكن لا أحد يحقق شيئا من هذا ونعاني من ظاهرة غريبة ومرضية فكأننا عندما نقول إن الإسلام يجدد ويقبل وان الشافعي غير مذهبه في مصر وان ابن القيم فعل كذا انتهينا من المشكلة في حين أننا لم نحل المشكلة.


> ما أهم المجالات التي تحتاج الى التجديد من وجهة نظرك ؟


- هناك مجالات كثيرة على سبيل المثال لابد ان يكون رأينا في المرأة الآن يختلف عن رأي الفقهاء القدامى وقد ألفت كتابا عن الحجاب أثبت فيه ان النساء والرجال كانوا يتوضؤون في عهد رسول الله من حوض واحد في وقت واحد واستمر هذا كما ورد في البخاري في خلافة أبي بكر وعمر ويعلق البخاري قائلا وكان هذا قبل نزول آية الحجاب رغم استمرار هذا في خلافة أبي بكر وعمر ولكن للأسف ركز الناس على ما رواه البخاري وتناسوا بعض الحقائق التاريخية وهذا يجعلنا في حاجة إلى اعادة نظر أيضا بالنسبة لقضية حرية الإعتقاد حيث بح صوتنا في التأكيد على ان كل الكلام الذي يثار حول الردة لا أصل له سواء في القرآن أو السنة ولدينا آيات القرآن موجودة وكذلك ممارسات الرسول وكانت هناك حالات عديدة لأفراد في حياة الرسول ولم يقم عليهم الحد ولكن البعض يستند إلى بعض الأحاديث ويتجاهل آيات القرآن الكريم إذن فلابد من التجديد في هذا المجال أيضا بالنسبة للديمقراطية للأسف لا توجد شورى حقيقية في أي بلد اسلامي وانما مجرد شكليات وتسود الديكتاتورية والاستبداد والاستئثار بالحكم أما بالنسبة للجهاد فإن الفكرة التي طرحها المرحوم سيد قطب مختلفة كل الإختلاف عن الجهاد في الإسلام لأنه لا يقول ان الجهاد دفاعي ويصف الدفاعيين بأنهم انهزاميون رغم ان الجهاد هو من أجل تخليص البشرية من عبادة الناس واعادتهم إلى عبادة الله وهذه مهمتنا كمجاهدين وهذا أمر لم يكلف به الله الرسول نفسه وخاطبه : " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " أيضا : " ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة " وللأسف هذا المفهوم الخاطئ للجهاد ترسخ في أذهان بعض الجماعات رغم انه يخالف آيات القرآن فكل آية عن القتال في القرآن تنتهي بقوله تعالى : " كي لا تكون فتنة " أو " قاتلوهم كما يقاتلوكم " فالجهاد إما للرد على قتال وإما للحيلولة دون وقوع قتال فهو في سبيل حرية العقيدة وليس في سبيل فرض العقيدة وبالنسبة للحدود الإسلام وصل إلى درجة لم يصل إليها أي تشريع مطلق خاصة في الإجراءات الجنائية وإثبات ارتكاب الجرائم فقد وصل الحد إلى ان القاضي يلقن المتهم الإنكار لكي ينجو من العقاب ولا توجد محكمة في العالم اليوم قاضيها يلقن المتهم الإنكار هناك حالات كثيرة وقعت في صدر الإسلام في عهد أبي بكر وعمر تؤكد ذلك.


> ما هو المطلوب إذن للتجديد في تلك المجالات التي تحدثتم عنها ؟


- لابد ان نقوم بما يشبه الثورة في الفكر الإسلامي وفي الفقه الإسلامي على أساس العودة إلى القرآن رأسا دون التقيد بالمذهبيات ولا بكلام المفسرين ولا بما وصل إليه رجال الحديث من أحكام لأن هؤلاء وان كانوا عباقرة ومخلصين وأفنوا حياتهم في خدمة الإسلام إلا أنهم ليسوا ملائكة وليسوا معصومين وفوق ذلك هم أبناء عصرهم خاصة ان الخلافة الإسلامية تحولت إلى استبداد منذ ان تحولت إلى ملك عضود على يد معاوية بن أبي سفيان وهذا الجو الإستبدادي هو الذي أوجد هؤلاء الفقهاء وهم على كل حال كانوا في وقتهم عباقرة وسبقوا غيرهم لكن اليوم اجتهاداتهم لم تعد مناسبة للعصر فهل كان يتصور هؤلاء الفقهاء القدامى الذين كان الواحد يسافر مثلا من المدينة إلى الفسطاط بحثا عن حديث ان تظهر اسطوانة أو قرص كمبيوتر يشتمل على كل الأحاديث وابن تيمية قال ما من أحد ألم بحديث رسول الله والخلاف بين المذاهب يعود إلى ان إماما ألم بحديث لم يلم به آخر أما الآن فالأحاديث كلها موجودة والله سبحانه وتعالى يأمرنا بالتفكير والتدبر : " واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا " نحن في حاجة إلى تجديد جذري وشامل وليس ترقيعا ولا تنقية وإلا فلن يتقدم المسلمون والقضية هي قضية المسلمين وليس الإسلام .


> يوصف القرن الذي نعيش فيه بأنه قرن الصحوة الإسلامية فكيف يتواءم ذلك مع ما تقولونه عن الجمود وضرورة التجديد ؟


- نعم القرن الأخير هو قرن الصحوة لكن الجمود يعود إلى القرن الخامس الهجري عندما أغلق باب الإجتهاد ولم تنشأ منذ ذلك الوقت مذاهب جديدة والبعض يرى انه من الكبائر ان نتحرر من هذه المذاهب وان نجتهد ونعود إلى القرآن الكريم والسنة باعتبار ان الأسلاف كانوا أدرى وأكثر فهما للدين منا وعلينا ان نسير وان ننفذ ما قالوه ومنذ القرن الخامس الهجري إلى القرن الخامس عشر أي ألف سنة وباب الإجتهاد مغلق وهذا معناه أن أمة محمد صلي الله عليه وسلم أعطت عقلها إجازة لمدة ألف عام ونحمد الله على اننا على تلك الحال الآن وقد بدأت الصحوة في القرن الآخير على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده الذي بدأ يدخل العقلانية في الفقه الإسلامي لكن دعوته لم تثمر بسبب شيوع روح الحفاظ في الأزهر أيضا الشيخ محمود شلتوت حاول ان يجدد والمشكلة ليست في التفكير وانما في العمل فعلى سبيل المثال الشيخ حسن البنا رحمه الله كان صورة مثلى فالداعية يذهب ويحاور ويداور ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة إلى ان يؤمن الناس وقد استطاع البنا خلال عشرين عاما تكوين هيئة عظيمة جدا وأعطى فهما للإسلام باعتباره منهج حياة هذا في الأربعينيات فقد حاول ان يجدد في الفكر السلفي ويمط أطره إلى درجة يمكن أن يتعايش معها عالم الأربعينيات لكن المسائل اختلفت الآن فهناك أحداث خطيرة جدا انقلابات عسكرية وثورة النفط والخوميني وأمريكا هذا كله دون أي صدى لقد أعددت كتابا من ثلاثة أجزاء بعنوان : نحو فقه جديد جزء منها عن السنة فيه فصل بعنوان من التشدد إلى الترخص لكن للأسف لم يلق ذلك أي صدى بسبب الحفاظ على ما نحن عليه وعدم الرغبة في التجديد لوجود نخبة مثقفة ثقافة أوروبية بعيدة كل البعد عن عالم الإسلام وهم أكاديميون مثل الفقهاء فالمؤسسة الدينية غير راغبة في التجديد لأن الوضع الحالي أفضل بالنسبة لها فهي تعلمت وتعلم بنفس الطريقة التي تعلمت بها ولا أعتقد ان هؤلاء يريدون التجديد ومن ناحية آخرى المثقفون بعيدون عن الإسلام وليس من الممكن ان يدخلوا هذا المعترك الشائك وعندهم الفن والرواية والشعر يستطيعون ان يصولوا ويجولوا فيها كما يريدون والمؤسسة الدينية ليست هي الوحيدة المختصة بتجديد الفكر والفقه أو بالاجتهاد علينا أن ننظر إلى ما يقوله الناس لأن المختصين أبعد الناس عن التجديد .


> هل الشيخ حسن البنا رحمه الله كان يقبل بالديمقراطية ام كان يتمسك بالدولة الدينية ؟


- الأستاذ حسن البنا – رحمه الله – عندما وضع صيغة الإسلام دين ودولة نحكم عليه بكلامه في كتابه: مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي فكلامه ديمقراطي حيث كان يتقبل دستور 1923 تماما ويتقبل النظام البرلماني لكنه يدعو إلى اصلاح هذا النظام كان أيضا له وجهة نظر في الأحزاب سليمة فكان يرى ان الأحزاب في عصره أحزاب مصالح تستهدف الوصول إلى الحكم ولا تقوم على فروق موضوعية وعندما قال البنا الإسلام دين ودولة كان يدفع بالقضية الإسلامية إلى الصدارة ولم يكن يريد أن يؤسس دولة اسلامية وإنما كان يريد ان يدخل الإسلام في النظم لذلك قمت بإعداد كتاب بعنوان : الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة .


> إذا كان المطلوب ان يكون الإسلام دينا وأمة كيف نتخلص من الاتهامات التي تصم المجتمعات الاسلامية بأنها معادية للديمقراطية وللعلم ؟


- هذه مهمة صعبة جدا لأن قلعة الفقه تجمدت ألف سنة وكل علماء العالم الإسلامي اشتركوا في وضع قلعة الفقه فأصبحت قلعة قوية أما الآن فإن هذه القلعة بعد ان كانت حصنا للإسلام أصبحت عقبة في طريق تقدم المسلمين وتغيير وتجديد هذه القلعة مسألة عسيرة جدا لأن ألف سنة من الحفاظ وعدم الاجتهاد أوجدت صدأ في العقل المسلم الناس لا يريدون التغيير والتجديد وهناك تشكك في كل شيء وتقديس الأسلاف وهذه أصبحت مسلمات وثوابت باستثناء ذات الله تعالى وطبيعته والغيب فليس هناك شيء يستعصي على العقل ويجب ان يعالجه العقل هذا في الإسلام نحن كما قلت نحتاج إلى ثورة في الفكر الإسلامي بعيدا عن التنقية أو الترقيع بالرجوع إلى الأصول مباشرة .


>ما أهم معالم هذه الثورة من وجهة نظركم ؟


- فيما يتعلق بالفقه الإسلامي هو يغطي كل مجالات الحياة ففيه القانون الجنائي وسياسة واقتصاد وفيه المرأة والزواج والطلاق واذا كانت أحكام هذا الفقه رشيدة فسينهض المجتمع باقتصاده وسياسته وكل مجالاته أما إذا كانت أحكام هذا الفقه سقيمة متخلفة فستجعل المجتمع يتخلف وتحول بينه وبين الانطلاق وهذا هو الواقع للأسف لأن المؤسسة الدينية تتمسك بفقه سقيم وغير رشيد ولا تريد مطلقا التدخل فيه لذلك ندعو إلى أن نبدأ التجديد ولو من نقطة الصفر كما بدأ أسلافنا وأمامنا القرآن وبالتالي فلا تثريب علينا ان اجتهدنا وأبوحنيفة قال منذ ألف عام : هم رجال ونحن رجال والآن لدينا من وسائل العلم والتثقيف والمعرفة وأدواتها ما لم يكن يحلم به الأوائل أما بالنسبة لعلاج حركة المجتمع فهذا هو ما نسعى إليه على سبيل المثال قضايا النقابات والمرأة والجهاد والهيئات الإسلامية قدمنا بعض الكتب عن هذه القضايا لكننا نعيش بين أموات وأعداء للتقدم والناس مشغولون بلقمة العيش ولا نجد أي تجاوب لما نطرحه من أفكار.


>هل نستطيع بهذا إيجاد علمانية إسلامية أو تتفق مع المجتمع الإسلامي ؟


- الإسلام يكاد يكون علمانيا في كثير من الحالات فالعلمانية نشأت لنشأة الكنيسة وليس لنشأة المسيحية لأن المسيحية مسلم بها في المجتمع الأوروبي ولكن الكنيسة عندما أرادت ان تحتكر الحكم والعلم ثار عليها المجتمع الأوروبي وعزلها وهذا غير موجود في الإسلام فليس فيه بعض الطقوس التي في المسيحية فالمسجد في الإسلام غير الكنيسة وغير المعبد اليهودي فالصلاة تجوز في أي مكان حتى الزواج يكاد يكون عقدا مدنيا فالإسلام بسيط جدا لأنه نشأ في الصحراء طليقا حرا وليس في بيئة مليئة برواسب حضارية معقدة والفرق بين الإسلام والعلمانية ان الإسلام يؤمن بالله واليوم الآخر أما العلمانية فدنيوية تحصر وجودها في الدنيا ولا تشغل نفسها في الله وما وراء الموت .


> طرحت الولايات المتحدة في بداية القرن الحالي أجندة للتجديد الاسلامي ما هي أجندتنا لمواجهة الأجندة الأمريكية ؟ وما الأولويات التي يجب التركيز عليها في عملية التجديد ؟


- الأجندة الأمريكية لا تعنينا في شيء لكنها أثارت قضايا كانت مثارة بالفعل فدفعتها إلى الضوء ويجب ان تكون الدعوة للتجديد في الصورة الطبيعية للدعوات سواء كان هذا الفكر يمثل انتهاضا أم تجديدا أم حرية ومساواة فينهض المجتمع بهذا, هذه هي ثورة الإسلام فقد بعث الرسول ومعه القرآن والقرآن يقضي على كل العالم الطبقي وهذا ما نريد ان نفعله الآن وبدون هذا لن يحدث ذلك فلا الأكاديميون ستكون لديهم القدرة على فعل شيء ولا المؤسسة الدينية فلابد من دعوة للإحياء الإسلامي واعادة الإسلام إلى أصوله فالقرآن أصلا ثورة وبفضله تحول العرب من قبائل متفرقة متصارعة إلى دولة وأمة وامبراطورية نحن الآن في حاجة إلى ثورة شاملة جديدة فيها القيم وتتنازل عن كل سقط المتاع الموجود ونبدأ من جديد وليس لدينا وقت نضيعه في البحث عن عرق من الذهب في جبال الفقه المتراكمة وهناك دعوة اسلامية تجديدية تعالج باعتبارها ثورة احياء وتعني بالإنسان والتعددية والحرية وبالعدالة وكل هذه القيم التي تعيدها إلى القرآن الكريم ولو أعدناها إلى كلام الفقهاء فلن تنهض الأمة لأن كلام الفقهاء في حرية الفكر شيء وكلام القرآن في نفس القضية شيء آخر وكلام القرآن عن المرأة شيء وكلام الفقهاء شيء آخر ولذلك ندعو الآن إلى التجديد الشامل والنظر إلى الإسلام كدعوة انتهاضية تنهض بالمجتمع على أساس القيم فيها أفضل ما في الرأسمالية وأفضل ما في الإشتراكية بالإضافة إلى الأديان التي تمثل المعنويات .


ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |