السبت، 11 مايو 2013

Al Hayat-المؤتمر الدولي للفلسفة الإسلامية والإفادة من التجارب النهوضية

Al Hayat-المؤتمر الدولي للفلسفة الإسلامية والإفادة من التجارب النهوضية
المؤتمر الدولي للفلسفة الإسلامية والإفادة من التجارب النهوضية
القاهرة - محمد عويس
السبت ٤ مايو ٢٠١٣
دعا المُشاركون في المؤتمر الدولي الـ17 للفلسفة الإسلامية (أُسس النهضة واتجاهاتها في الفكر الإسلامي) إلى استنهاض الهمم، واستلهام الفهم الصحيح للإسلام في نقائه الأول بعيداً من النظرات المذهبية الضيقة والخلافات التي تفت في عضد الأمة، والاقتداء بأعلام النهضة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي قديماً وحديثاً، والإفادة من التجارب النهوضية الناجحة في العالم الإسلامي، كما هي الحال في النموذجين الماليزي والتركي، وإنشاء رابطة علمية تهتم بالخروج بأمتنا من أزمتها، والوقوف من الحضارة الغربية موقف الناقد، وإصدار مجلة للرابطة متخصصة في دراسة فكر النهضة. وأوصى المؤتمر بإنشاء موقع إلكتروني باسم «النهضة الإسلامية»، وإقامة مراكز بحثية لدراسة مشروعات النهضة التي قدمت خلال قرنين من الزمان في العالم الإسلامي. فعاليات المؤتمر نظمها قسم الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة، وألقى الدكتور حسن الشافعي الأستاذ في القسم ورئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، المحاضرة الافتتاحية وتناولت المادة اللغوية للنهضة. واقترح الشافعي تعريفاً اصطلاحياً للنهضة بأنها «الوثبة التاريخية الجماعية من الأمم لافتتاح دور حضاري جديد»، وناقش المؤتمر أكثر من أربعين بحثاً، لباحثين من قطر، والسعودية، وليبيا، والجزائر، والإمارات، وماليزيا، وبروناي، وأذربيجان، وكوسوفا وتركيا.
مقرر المؤتمر ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي أشار في كلمته إلى أن المؤتمر تصدى هذا العام لمناقشة موضوع مهم يتعلق بفقه النهوض والانبعاث - نهوض الشعوب العربية والإسلامية وانبعاثها الحضاري، لأن شعوبنا تستحق أن تنهض، ومن آليات النهضة: تجديد الفكر، أو تجديد فهمنا للدين، أو تجديد الدين في الجانب المتغير منه، وتجديد طريقتنا في التفكير، وتعديل منهجيتنا في الفهم والنظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين، وإلى الكون والحياة»، وأضاف: «التجديد يمثل بداية تغيير الإنسان من داخله لكي يغير بعد ذلك الواقع الخارجي. وإذا كانت النهضة بالإنسان ومن أجل الإنسان، فالسؤال إذاً: كيف نبني إنسان النهضة هذا؟ لأن نهضة الأمم لا تنبني على الغوغائية وبرامج (التوك شو) التلفزيونية ولكن تنبني على الفكر الصحيح الإيجابي الفاعل، لأن الفكر هو روح النهضة». وفي ما يتعلق بدور العلماء في النهضة، قال الشرقاوي: «إن قسم الفلسفة الإسلامية - بعلمائه وباحثيه - ليستشعر مسؤوليته نحو الإسهام القوي في تجديد الفكر الإسلامي، إيماناً منا بأن النهضة الحضارية لابد من أن تتأسس على نهضة فكرية»، بينما أكد الدكتور محمد توفيق صالح رئيس المؤتمر في كلمته حرص رواد النهضة الحديثة بدءاً برفاعة الطهطاوي ومحمد عبده على الكشف عن سر تقدم أوروبا وأسباب تأخر العرب المسلمين، وكان الفريق الأول يرى أن اختيار تقليد الغرب هو السبيل إلى النهضة المصرية الحديثة، ولا بأس من فصل الدين عن سياسة الدولة العامة فصلاً تاماً، إذ إن النهضة الغربية لم تقم إلا على تحطيم الدين، وهذا ما فعله أتاتورك، ولكنه لم يستطع أن يقتلع جذور الإسلام على رغم حذفه من التعليم والثقافة والإعلام، أما الفريق الثاني فقد انطلق من أن إصلاح المسلمين يأتي من طريق دينهم، وذلك أيسر وأصح من تقليد النموذج الأوروبي، وتزعم هذا الفريق الإمام محمد عبده الذي رأى أن إصلاح الدين هو السبيل إلى النهضة المنشودة في حين أن الأفغاني كان يرى أن النهضة هي التي ستؤدي إلى الإصلاح الديني.
وناقش المؤتمر بحثاً بعنوان «العلمانية بين الرفض والقبول في البلدان الإسلامية» للدكتور مستور حماد العوامي- ليبيا- قدم خلاله رؤية نقدية سوسيولوجية جاء فيها أن أغلب ما كُتب حول الفكر العلماني يصب بالأساس في نقد هذا المفهوم، وهذا ما جعله يتساءل: لماذا هذا المفهوم بالضبط أثار ويثير هذا الجدل الفكري الدائر في الساحة الفكرية والسياسية الإسلامية وبخاصة العربية؟ أم أن الأمر فقط يرتبط بمصالح معينة تخص بعض فئات هذه المجتمعات؟ وكيف تفهم النخبة من المثقفين هذا المفهوم الفكري؟ وبالمقابل هل يمكننا أن نتساءل حول رؤية إيجابية حول هذا الفكر وإمكان تبنيه؟ ولفت العوامي إلى أنه «إذا ما تتبعنا الأسباب والمقومات التي دعت إلى نشر الفكر العلماني لم تكن في واقع الأمر إلا رد فعل لما حدث في نهاية الستينات والسبعينات من الوقوف ضد حركات دينية من هنا وهناك في الكثير من البلدان الإسلامية. إذاً فمن ناحية يمكن أن نعزو السبب في انتشار هذا الفكر ليس حباً بحكام الستينات ومن أتى من بعدهم فيه أي في هذا الفكر، ولكن كرهاً بالأيديولوجيات والحركات الفكرية التي نشطت في تلك الفترة وأصبحت تهددهم في عروشهم. إذن انتشر هذا الفكر في بدايته بهذا الشكل ليس حباً بعلي ولكن كرهاً لمعاوية!». وقدمت الدكتورة دعاء حمدي محمود من جامعة حلوان رؤية تحليلية نقدية في بحثها «الانعكاسات التربوية والثقافية لحركة الاستشراق على مجتمعات الشرق العربي الإسلامي» بهدف بناء رؤية فكرية ونقدية من السعة والتنوع بحيث تؤدي إلى تجنب الصورة النمطية التي اعتاد عليها الخطاب العربي في علاقته بالغرب الإمبريالي، كما عرضت أهمية حركة الاستشراق وارتباطها بقضايا مطروحة بشدة على الساحة الثقافية والفكرية العربية والدولية، ليست بمنأى عن الفكر التربوي منها: علاقة الذات العربية بالآخر الغربي، ومحاولة طرح البدائل السلمية لتعايش الشعوب، فضلاً عن ارتباطها بقضايا النهضة والتقدم في المجتمعات العربية الإسلامية وغيرها.
ومن الأبحاث التي ناقشها المؤتمر «الثقافة الإسلامية بين الوحدة والتنوع» للدكتور سعيد محمد إسماعيل الصاوي - سلطنة بروناي، «تجديد الإمام ابن تيمية في مجال الفلسفة الإسلامية» للدكتور فتحي محمد الزغبي - الإمارات العربية المتحدة، «البحث عن نقطة القوة والنهضة للأمة: التأمل في رؤية عقائدية للجيل الأول»، للدكتور محمد راضي إبراهيم - ماليزيا، «تحديد علم الكلام» للدكتور عبد الحكيم بن يوسف الخليفي- جامعة قطر.

Al Hayat-فكران عربيان معاصران: من النظري إلى الدموي

Al Hayat-فكران عربيان معاصران: من النظري إلى الدموي

فكران عربيان معاصران: من النظري إلى الدموي
محمود حداد *
السبت ١١ مايو ٢٠١٣
تعتبر الكتلة الرئيسية من المثقفين العرب أنَّ نواة عصر النهضة العربية الحديثة أخذت شكلها الأول عندما اصطدمت الهوية الإسلامية والثقافة العربية بالقوة المادية الأوروبية والثقافة الغربية في نهاية القرن الثامن عشر إثر احتلال القوات الفرنسية بقيادة بونابرت، ساحل مصر الشمالي ثم تقدمت في احتلالها إلى الإسكندرية والقاهرة وغيرهما من المدن والنجوع المصرية بسهولة ويسر، وحكمت البلاد حتى 1801. عند نقطة بداية العصر الاستعماري الأوروبي هذه على الأرض العربية، وعى العرب حقيقة تخلفهم مقارنة بتقدم الغرب وبدأ التفاعل بين المثقفين العرب الذين كانوا يحملون ثقافة إسلامية.
مقابل هذا التصور الذي وصّف الثقافة العربية بالتخلف والثقافة الغربية بالتقدم، نشأ اتجاه آخر يرفض المعادلة السابقة المذكورة مشدداً على أن المجتمع والثقافة العربيتين لم يكونا جامدين في الزمن، بل أن تطوراً اقتصادياً و فكرياً عضوياً لافتاً كان جارياً على قدم وساق ولم يوقفه إلا التدخل العسكري الاستعماري الأوروبي ذاته.
ومهما يكن من أمر، فحتى الأخذ بالرأي الثاني الأخير لا يغير المعادلة الأولى إلا شيئاً يسيراً لأن عدم القول بالتقدم المطلق والتخلف المطلق يوصلنا إلى القول بالتقدم النسبي والتخلف النسبي. وبالتالي، فقد ظل على الجانب العربي الجواب عن ذلك السؤال الذي ما انفك يتردد، وهم يقارنون تفوقهم الحضاري السابق في القرون الوسطى بالتفوق الأوروبي الحديث واللاحق: «لماذا تأخرنا ولماذا تقدموا؟»
ولقد أُسيل حبر كثير، ودُبجت آلاف الصفحات، ونشرت مئات المقالات والكتب محاولة إيجاد جواب عن هذا السؤال الذي حيّر كثيرين... من قائل بأسباب روحية أو متحدث عن أسباب السياسية، إلى آخر قائل بأسباب تربوية، وكذا أسباب اجتماعية-اقتصادية، الخ.

اتجاهان متنابذان
ولست في وارد محاولة إضافة جواب إلى الأجوبة التي أُعطيت، إلا أنّ هدفي هنا هو المساهمة في تفسير سبب انشطار الفكر العربي الحديث والمعاصر إلى اتجاهين مختلفين متنابذين.
وفي تقديري أنّ اهتمام جزء وازن من المثقفين العرب انصبَّ على محاولة اللحاق بالغرب بتقليده والسير على خطاه، لأنّه رأى الهوة الواسعة التي فصلت بين «التقدم» الغربي النسبي الحديث و»التأخر» العربي والإسلامي النسبيّ الحديث، فكان أنّ أسقط هذا الفكر التاريخ الأوروبي على التاريخ العربي دون مراجعة نقدية، وأتبع النموذج الأوروبي، وبالأخص الفرنسي، في الدعوة إلى مجتمع عربي حديث ومعاصر وإنسان عربي جديد. وكانت النقاط الرئيسة في هذا الفكر تشدد، ولو بدرجات متفاوتة، على فصل الدين عن الدولة، والأخذ بأسباب وطرائق الفكر الغربي وتقنياته وتدعو إلى الحداثة المتحررة من سيطرة التراث والشريعة التي لعبت دوراً ناظماً للحياة الأهلية البعيدة عن الحياة السياسية وأحكامها. وقد أخطأ أصحاب الدعوة هذه عندما ركزوا همهم واهتمامهم على القول بضرورة فصل الدين عن الدولة لأنَّ هذا الهدف كان متحققاً فعلاً إلى حد واسع (وقد خلطوا بين ذلك والعلمانية العاملة في سبيل مواطنة حقه لجميع أفراد المجتمع) إذ لم يكن للحياة السياسية والإدارية في الدول الإسلامية المتعاقبة سوى ارتباط جزئي) بالشريعة الإسلامية. وكان الخطر الفعلي على الدين ومؤسساته من الدولة وليس على الدولة و مؤسساتها من الدين. لذلك، فإنَّ التنظيمات الحديثة والمعاصرة الناشطة والعاملة باسم الدين، بخاصة المتشددة منها، تكونت من خارج المؤسسة الدينية (كالأزهر وطلابه وخريجيه) منذ بداية نشوء تنظيمات إسلامية كتنظيم الإخوان المسلمين قي مصر، مثلاً، وما تلاه من تنظيمات نشطت لإعادة نشر التدين في المجتمع والدولة معاً.
أما المثقفون المتغربنون فكان هدفهم العملي، ربما دون وعي من أكثرهم، ليس فصل الدين عن الدولة، بل فصل الدين عن المجتمع الأهلي، وهو هدف لم يتحقق بسبب ارتباط هذا المجتمع الأهلي بتقاليد الإسلام الشعبي وتربيته ومصالحه وقيمه ومؤسساته المجتمعية. وقد نظرت نُخب المجتمع الأهلي إلى التاريخ الحديث فتبنت الرأي القائل إنَّ العرب و المسلمين قد تأخروا فعلاً بالمقارنة لا مع الغرب فحسب، بل مع العصر الإسلامي الأول الذي كان بدوره عصر تفوق أخلاقي تميز بروحيته الإسلامية، وبتنظيم الشريعة لأحكام أوضاعه، فقالت بالعودة إلى مبادئ التفوق الإسلامية الأولى لنحافظ على شخصيتنا الحضارية من ناحية، ونتمسك بديننا ومعتقداتنا وأخلاقياتها في الوقت نفسه. بل إن هذا الاتجاه ذهب أبعد من ذلك بالاعتقاد أن ردم الهوة مع الآخر الأجنبي تستلزم ردم الهوة مع الذات في الماضي الأصيل.
ولا شك في أنّ هذا التوجه الأصولي والتراثي لتبني»النموذج الإسلامي» قد لاقى قبولاً من الطبقات الشعبية بصورة خاصة إذ إنها لم تتعرض للمؤثرات الفكرية الغربية وإن كانت قد تعرضت لمؤثرات الغرب التكنولوجية، فرفضت الأخذ بالأُولى وأقبلت بحماسة على الأخذ بالثانية.

مجتمعان متوازيان
إلا أن التطورات الاجتماعية - الاقتصادية التي نتجت من زيادة التعامل مع الغرب أوجدت مجتمعاً آخر موازياً و هو المجتمع المدني المرتبط، بالمقابل، وإلى حد كبير، بتقاليد وقيم الغرب الحديثة. وقد نظرت فئة مثقفي المجتمع المدني- ومعها نخبة بيروقراطية الدول العربية والإسلامية الحديثة - إلى «النموذج الغربي» باعتباره النموذج الذي يجب اعتماده للتخلص من التخلف.
هكذا، دارت وتدور منذ أكثر من قرن من الزمن، ومنذ انهيار الدولة العثمانية، معركة فكرية وسياسية ضارية بين القائلين بالعودة إلى نموذج الماضي المتفوق مقابل القائلين بنموذج الآخر المتفوق كلٌ وفق ثقافته ومصلحته ونظرته. وقد أُضيفت اليوم إلى المعركة الفكرية معركة سياسية إذ حاولت تنظيمات إسلامية معروفة انتزاع السلطة من تحالف الدولة العسكرية والشريحة العليا من المجتمع المدني واستبدالها إما بالاستئثار الحصري بالسلطة، أو بتحالفها هي مع المؤسسة العسكرية وتنحية النخبة المدنية والبيروقراطية عن الساحة السياسية.
إن عنوان المعركة القائمة أصبح واضحاً الآن: المتحدثون باسم المجتمع المدني ذوو الثقافة الغربية يتهمون الإسلاميين بالتخلف الفكري، والجهل بالعصر؛ والمتحدثون باسم المجتمع الأهلي يتهمون المجتمع المدني بالتخلف الأخلاقي والجهل الديني.

إمكانية التزاوج؟
هكذا، انتهينا إلى نموذجَي أو منظومتَي فكر وقيم يتموضع أولهما في وعي الأمة التاريخي وثانيهما في ضرورة اللحاق بالعصر الحديث الذي هو، شئنا أم أبينا، غربي النشأة وخارجي التوجه.
والمعضلة هي أن نِصف الحل هنا، ونِصف الحل هناك. والحل هو في الصراع المستتر الذي يجب أن يزاوج بين الاتجاهين، وهو تزاوج لا يمكن أن يحصل بالإكراه كما أنه قد يستلزم وقتاً أطول مما نتصور. وقد ابتعدنا حتى عن النظرة المحافظة التي ترى أن المعادلة الأفضل هي معادلة الجمع، أو التوازن بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالماضي غائب عند التحديثيين، والحاضر والمستقبل غائبان عند التراثيين.
وقد يقول قائل: «لا جديد هنا فإن مسألة ومحاولة التزاوج بين القديم والجديد أو الأصالة والمعاصرة موضوع طرقه كثيرون دون جدوى. وهذا صحيح. إلا أن الجديد برأينا اليوم هو أن القوى الاجتماعية الحاملة لكل من المشروعين لم تعد مجرد قوى فكرية تتنابذ بالأقوال والخطابات والكتابات، بل أصبحت قوى سياسية تتصارع بل وتتقاتل -تقتل و تُقتل - على حلبات المجتمع والدولة.
وعلينا أن نفهم ونتفهم أننا دخلنا مرحلة أكثر جدية من مراحل معارك الأفكار السابقة. ولعل من المفيد التوقف عند ما ذكره أوليفيه روا، عالم الاجتماع الفرنسي المعروف من «أن تاريخ التطور السياسي والديني في الغرب يشير إلى أن التسامح لم يكن نتيجة الليبرالية والتنوير؛ بل كان نتاج الاتفاقيات المتوالية الناجمة عن الحروب الدينية المدمرة... فالسياسات لعبت أدواراً كبيرة أكثر من الفلسفة واللاهوت».

* أستاذ في جامعة البلمند - لبنان

الخميس، 18 أبريل 2013

هسبريس - فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة

فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة

فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة

فتوى لقتْل المرتدّين بالمغرب.. تأييد سلفيّ ومعارضة حقوقيّة
بعد صمْت طويل، عاد المجلس العلمي الأعلى ليثير الجدل على الساحة، إثر إصداره لفتوى مثيرة، تُحرّم على المواطنين المغاربة المسلمين حُريّة العقيدة، وتضع رقبة كل من بدّل دينه على مقصلة الإعدام، تنفيذا لحدّ الردّة.
الفتوى المثيرة للجدل أثارت ردود فعل متباينة، ففي الوقت الذي أيّدها السلفيون، فإنها في المقابل لقيت معارضة من طرف الحقوقيين، ينضاف إليهم الداعية المثير للجدل، عبد الباري الزمزمي، الذي أبدى عدم اتفاقه مع فتوى قتل المرتدّ. في الأسطر الآتية رأي الطرف المؤيد، ورأي الطرف المعارض.
"فتوى مُثلجة للصدر"
بانشراح كبير، استقبل الشيخ محمد الفيزازي فتوى المجلس العلمي الأعلى، وعبّر عن ذلك في تصريح لهسبريس بقوله "لقد اطلعت على الفتوى، ولا أخفي أنها أثلجت صدري كثيرا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأنها أعظمُ وأجلّ فتوى، أصدرها المجلس العلمي المغربي بكل وضوح وبكل شفافية".
ويضيف "أنا أتفق تماما مع هذه الفتوى، القائمة على االدليل الشرعي الصحيح والصريح، وهي الفتوى التي كنا نقول بها دائما وأبدا في محاضراتنا مع العلمانيين وغيرهم، وكنا نُتهم بأننا ضد حقوق الانسان، ونحرّض على القتل".
أما الشيخ عمر الحدوشي، الذي لم يطلع بعد على الفتوى لحظة اتصالنا به، فقد عبّر عن اندهاشه لصدور هذا النوع من الفتاوى من طرف المجلس العلمي الأعلى قائلا "عجيب أن تصدر هذه الفتوى من مؤسسة تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لأنّ المعروف عن الوزارة أنها لا تصدر الفتاوى إلا بإيعاز من جهات معروفة"، مستدركا أنه يؤيد الفتوى، "لأن هذه الفتوى أجمع عليها المسلمون أجمعين".
"فتوى خطِرة جدا"
في مقابل رأيَيْ محمد الفزازي، وعمر الحدوشي، المؤيّدين لفتوى تطبيق حدّ الردة، فإنّ الحقوقيين لهم موقف مناهض للفتوى، "لكونها انتهاكا لحقوق الإنسان، ومن ضمنها حرية العقيدة".
بهذا الخصوص تقول رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خديجة الرياضي، إنّ الفتوى الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى "تعتبر موقفا خطيرا جدا، وانتهاكا لأبسط الحقوق والحريات المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان".
وأضافت الرياضي، في تصريح لهسبريس قائلة "تلقينا الفتوى باندهاش، لأننا لم نكن نعتقد أنه ما يزال هناك من هو قادر، في العصر الحالي، على قول مثل هذا الكلام، في بلد نتكلم فيه عن الحقوق والحريات".
في غضون ذلك، قال رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، عبد العالي حامي الدين، إنّ الفتوى "تتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا نتفق معها"، وأضاف القيادي في حزب العدالة والتنمية قائلا "نحن بحاجة إلى قراءة شرعية مقاصدية، تراعي الأصل الأكبر وهو "لا إكراه في الدين"؛ مضيفا "موقفنا من هذه القضية واضح، نحن مع حرية المعتقد، والتي تشمل حرية الناس الراشدين في تغيير معتقداتهم الدينية، شريطة عدم توفر عنصر الإكراه، انطلاقا من القاعدة القرآنية "لا إكراه في الدين".
من جانبه وصف الحقوقي أحمد عصيد فتوى المجلس العلمي الأعلى بـ"الفتوى المنبعثة من العصور الغابرة"، وأضاف عصيد "نحن عارضنا هذه الفتوى من منطلق تناقضها أولا من منطلق اختيارات الدولة المغربية ومسار الدمقرطة والتحديث الذي اختاره المغاربة، ومن جهة أخرى فهي تتعارض مع الفقه المُجدّ والاجتهادي الذي عبرت عنه نخبة متنورة من الفقهاء المغاربة وغيرهم خلال القرن العشرين في موضوع حرية المعتقد، وثالثا لأنها تتعارض مع الثقافة المغربية الأصيلة، المتمثلة في الثقافة الأمازيغية التي تخلو من حكم الإعدام، حيث لا يوجد حكم بالإعدام أو القتل في الأعراف الأمازيغية العريقة".
"يجب محاكمة معارضي الفتوى"
الشيخ محمد الفزازي لم يكتف فقط بتأييد فتوى المجلس العلمي الأعلى، بل ذهب إلى حدّ القول إن الذين اعترضوا على الفتوى لا يجوز لهم ذلك، لأن الفتوى صادرة عن مؤسسة تابعة للدولة، ويرأسها الملك، "لذلك ما علينا إلا السمع والطاعة في المجال التعبدي الديني المقنن والمنضبط والمرتبط بالشرع، لا سيما إذا ورد من المجلس العلمي الأعلى".
أكثر من ذلك ذهب الشيخ الفزازي إلى حدّ المطالبة بمتابعة معارضي الفتوى قانونيا، "لأنهم اعترضوا على السياسة الرسمية للبلاد، والتي تحدّد الانتماء والارتباط العقدي ضمن النسق المجتمعي المغربي العام، الذي لا يخالفه صراحة إلا من يريد شقّ الروح الدينية والعقدية للمغاربة".
كلام الفزازي ردّ عليه أحمد عصيد بالقول "إننا نعارض الفتوى من منطلق دفاعنا عن حقوق الإنسان بمفهومها الكوني، وليس ضروريا أن نكون رجال دين لنعرف ما إن كانت الفتوى في الصالح العام أم لا".
تفسيرات مختلفة لنصوص واحدة
النصوص الشرعية التي يستند إليها مؤيدو عقوبة حدّ الردّة، هما الحديثان الشريفان الواردان في صحيح البخاري "من بدّل دينه فاقلوه" و "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
الشيخ عمر الحدوشي يشرح حديث "من بدل دينه فاقتلوه" بقوله "إنّ الفاءَ عند علماء الأصول في قوله صلى الله عليه وسلم، "من بدّل دينه فاقتلوه"، تدخل على الحكم، ويعني القتل، ولكنّ المرتدّ لا يُقتل إلا بعد الاستتابة 3 أيام، فإذا تاب، فعفى الله عما سلف، وإذا لم يتب، آنذاك يصدر القضاء الإسلامي في حقه حكم القتل".
في نفس السياق، وردّا على الرأي القائل إن حديث "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، بكون الردّة الموجبة للقتل مشروطة بمفارقة الجماعة، قال محمد الفيزازي، "إنّ الحديث واضح ولا يحتاج إلى شرح، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يقل بإحدى أربع، النفس بالنفس والثيب الزاني حالتان، وبقيت حالة واحدة، وهي المرتد عن الدين المفارق للجماعة، وإلا، يقول الفيزازي، لقال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحلّ دم امرئ إلا بأربع وليس بثلاث"، معتبرا أنّ نصّ الحديث واضح، وهو أنّ المرتدّ عن الدين هو بالضرورة مفارق للجماعة.
تفسير الفيزازي والحدوشي للحديثين ردّ عليه أحمد عصيد بالقول إنّ النصوص الدينية هي نصوص لغوية، وما دامت كذلك فهي قابلة لقراءة متعددة، والقراءة التي يقدمها مؤيدو فتوى تطبيق حدّ الردة هي قراءة فقهية متشددة، تنطلق من الاشتغال بمنطق الخلافة الدينية القديمة.
وأضاف عصيد أن هذه القراءة تربط الإيمان بالدين وبين وحدة الجماعة، وتعتبر أن من غيّر دينه قد خان الجماعة، لأن هذه الجماعة قائمة على أساس الرابطة الدينية، وهذه الاعتبارات لم تعد قائمة اليوم، "لأننا لم نعد جماعة دينية كما كان عليه الأمر من قبل، بل نعيش الاختلاف والتنوع في كل شيء، والرابطة الموجودة بين المغاربة في العصر الحالي ليست رابطة مذهب ديني أو عقيدة معينة، بل هي رابطة انتماء إلى الدولة، وإلى الأرض، وبالتالي فأن يغير الإنسان دينه لا يعني أنه انقطع ولاؤه للدولة، لأنّ الولاء للدولة لا يعني الولاء للدين، وما يجعل الفقهاء يخلطون بين الإيمان والولاء للجماعة هو أنهم يعيشون الماضي ولا يعيشون معنا في العصر الحالي".
"فقهاء في حالة شرود"
في نفس السياق، يقول عبد العالي حامي الدين، إن حُكم بعض الفقهاء القدامى في موضوع قتل المرتدّ لم يكن يراعي سياق الحديث الذي ربط بين الدين والخروج عن الجماعة، وحمْل السلاح ضد الدولة.
ويشرح حامي الدين كلامه قائلا "عندما يكون الاكتفاء بتغيير المعتقد، دون الخروج عن الجماعة وحمل السلاح ضد الدولة، فهذا حكمه الحرية، ما لم يتحوّل تغيير الدين إلى هدف يسعى من خلاله المرتد إلى تحقيق مطالب سياسية، أو انفصالية، ويتوسل بذلك بطرق عنيفة.
أما تغيير الدين على المستوى الفردي، الذي يظل في حدود المعتقد، فهذا لا يستدعي قتله، حتى ولو جهر بذلك، مع استثناء الأطفال، الذين لا يجب أن يتعرضوا للإكراه لاعتناق دين معيّن، ما داموا قاصرين غير قادرين على التمييز والاختيار عن قناعة.
حامي الدين ذهب أبعد من ذلك وقال إن تغيير المعتقد الديني ليس حقّا فحسب، بل يجب على المؤسسات أن تحميه، وتحمي حق الأفراد في تغيير معتقداتهم، لكن بشروط، وهي ألا يتم استهداف النظام العام للدولة، إذ إن الآية القرآنية "لا إكراه في الدين" تعني الحق في تغيير المعتقد، ولكن بالنسبة للبالغ العاقل الذي لم يخضع لأي ضغط ولا إكراه".
عمر الحدوشي له رأي مختلف حول مفهوم الآية، إذ قال إن مسألة لا إكراه في الدين صحيحة ولا جدال فيها، لكنّ العلماء بيّنوا أنّ معنى الآية هو عدم إكراه غير المسلمين على اعتناق الدين الإسلامي، فالقرآن، يقول الحدوشي، بيّن لمعتنقي الديانات الأخرى، طريق الرشد، وهو دين محمد صلى الله عليه وسلم، وطريق الغيّ، وهو دين المشركين، ولا ينبغي الاستدلال بهذه الآية للارتداد عن الدين الإسلامي بالنسبة للمسلمين.
أما أحمد عصيد فيقول إنّ فتوى المجلس العلمي الأعلى "صادرة عن مجموعة من الفقهاء المعزولين الذين لم يسايروا لا تطور بلدهم، ولا تطور العصر الحديث ولا تتطور الفكر الفقهي المتجدد، وبالتالي يمكن اعتبارهم فقهاء في حالة شرود".
داعيا الدولة "أن تسعى، إن كانت تريد بحق الدمقرطة والتحديث، إلى تهيئة نخبة نيّرة من العلماء، تستطيع الإفتاء بما يتناسب مع العصر والواقع".
"فتوى تتناقض مع مواثيق حقوق الإنسان"
في علاقة الفتوى التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، تقول خديجة الرياضي، إن الفتوى تتناقض كليا مع التزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان، "ونحن نعتبرها دعوة إلى العنف والقتل والتحريض عليه"، داعية إلى التراجع عنها "لأنه من غير المقبول أن تصدر مثل هذه الآراء عن مؤسسة دستورية". الرياضي قالت إن مكتب الجمعية سيجتمع اليوم (الأربعاء) للردّ على فتوى المجلس العلمي الأعلى.
من جانبه قال عبد العالي حامي الدين، إن المجلس العلمي الأعلى كان عليه أن يجتهد أكثر، ويفصّل في الحالات، ويبيّن أن هناك حالات تُعتبر فيها حرية المعتقد مضمونة، وحالات أخرى تصبح فيها تلك الحرية مؤدّية إلى المس بأمن وسلامة الدولة، واستقرارها، وهنا يمكن للمشرع أن يتدخل، ولكن ليس بالضرورة عن طريق أحكام بالقتل، ففي لشريعة الإسلامية متّسع كبير للاجتهاد".
وفي سياق علاقة الفتوى مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان قال رئيس منتدى الكرامة، عبد العالي حامي الدين، "إن مجال إصدار الفتاوى مجال لا يكفي فيه العلم الشرعي لوحده، بل لا بد من الإلمام بالواقع، وخاصة ما يتعلق بمنظومة حقوق الإنسان المعاصرة".
وردّا على كلام الرياضي وحامي الدين، يقول الحدوشي إن القول بأنّ الديمقراطية، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان تجيز للفرد أن يفعل في حياته ما يشاء، وأنّ باقي الديانات متسامحة مع من يغيّر دينه، فهذا غير صحيح، "ففي مصر، يقول الحدوشي، يقوم الأقباط باختطاف كل من يغيّر دينه، كثير من الأخوات تمّ اختطافهنّ وقتلهنّ في مصر، بعد ارتدادهنّ عن المسيحية واعتناق الإسلام". وتساءل الحدوشي "لماذا أمريكا التي ترفع شعار حقوق الإنسان، وتحارب قتل المرتدّ، تنفّذ عقوبة الإعدام بالسموم في حق أصحاب الجرائم؟"
الزمزمي: أنا ضدّ حدّ الردّة
إذا كان السلفيون يؤيّدون فتوى عقوبة حدّ الردّة، التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى، فإنّ الداعية عبد الباري الزمزمي، جاء موقفه متماهيا مع موقف الحقوقيين الذين يعارضون الفتوى.
يقول الزمزمي في تصريح لهسبريس، إن العلماء متفقون على أن الفتوى تتغير بتغيّر أحوال الأمة، والأوضاع العالمية، مشيرا إلى أنّ سبب نزول حديث "من بدّل دينه فاقتلوه"، هو وجود دسائس من طرف اليهود على المسلمين في ذلك الوقت، لتشتيت شملهم، إذ يعتنقون الإسلام، ثم بعد فترة يرتدّون عنه، من أجل التشويش على المسلمين، مستدلا بالآية القرآنية "وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون"، ومن ثمّ، يقول الزمزمي، جاء الحديث الشريف "من بدّل دينه فاقلوه".
ويضيف الزمزمي أنّ الحديثين "من بدّل دينه فاقتلوه" وحديث "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..."، حديثان صحيحان، ولا خلاف في ذلك، لكنّ الخلاف بين العلماء كان حول متى يتمّ تنفيذ حدّ الردّة، إذ هناك من يقول إن المرتدّ يُستتاب ثلاثة أيام، وهناك من يقول إنّ الاستتابة تدوم مدى العمر، لأن مقصد الإسلام وغايته ليس هو القتل، وإنما السعي إلى هداية الناس.
وبصريح العبارة قال الزمزمي "أنا غير متفق مع فتوى المجلس العلمي الأعلى، لأنني أنظر إلى القصد، وإلى الغاية من الإسلام، الذي جاء ليهدي الناس ولم يأتِ لقتلهم، ولذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم "لا إكراه في الدين"، وإذا أتينا لتطبيق الفتوى، فإننا سنقتل الآف الناس، لأنّ كثيرا من المغاربة مرتدّون عن الإسلام، ومنهم من يوجد في مناصب كبرى في الدولة، وهؤلاء لن يستطيع أحد تنفيذ عقوبة حد الردة في حقهم، ومن ثمّ لن يكون الحكم عادلا".
وعن رأيه في المجاهرة بالردّة عن الإسلام، أوضح الزمزمي أنّ الإنسان من حقه أن يختار ما يشاء، لكن لا بد من سدّ الذريعة، ومقاومة أفكار المرتدّين، حتى لا تتفشى وسط الناس، عن طريق الحوار والموعظة، أما القتل فليس حلا، لأنه يتعارض مع مبادئ الإسلام ومقصده".

شارك

Share |