الأربعاء، 7 يوليو، 2010

الوطن أون لاين ::: محمد السحيمي ::: فما توجيهكم حفظكم الله؟



فما توجيهكم حفظكم الله؟

ينطلق دعاة ما نسميه بـ"تيار الصحوة" ـ الـ"نحن" الأولى ـ علناً من أيديولوجيا الإقصاء، وتوحيد "الأمة" على رأي واحدٍ؛ اتقاءً لفتنةٍ وفرقةٍ قد تشغل "الصحوة" عن الهدف الأسمى، ألا وهو: إقامة الدولة الإسلامية الكبرى، بدءاً من الجهاد الأفغاني!
وهذا المنطلق الإقصائي، الذي لا يسمح لأي صوتٍ مخالف بأية "نحنحة"، هو ما يفسر "كتمهم" كثيراً من المختلف فيه فقهياً، كالغناء والموسيقى! وربما بدا لبعض المتابعين هامشية هذه المسألة بالنسبة للسياق الثقافي اليوم، عبَّر عنها رسام الوطن الجميل/ "خالد أحمد" في كاريكاتيره أمس؛ فرمز بشخصين يلعبان الطائرة بـ"الموسيقى"، فوق مستوى سطح "الفقر" الذي أغرق الناس! ولكن من تأمل الوضع، منذ ثلاثين عاماً، يدرك شراسة طرح "تيار الصحوة"، وعدم تفريقه بين مسائل هامشية وأخرى جوهرية؛ فليس في الدين "قشور"، ومن استمع للموسيقى فهو "كافرٌ" وإن صلى وإن صام! وإذا كان "الخوارج" يكفِّرون مرتكب الكبائر فقط، فعندهم: "لا صغيرة مع الإصرار"!
ومن هنا خرجت الفتوى عن مسارها الطبيعي، فلم تعد اجتهاداً فقهياً علمياً خالصاً يستند على الدليل، ويهدف إلى معرفة الحق، بل أصبحت سلاحاً مهماً في تكريس "الأيديولوجيا"، وسحق المخالف، الذي هو ثاني الـ"نحن" آآت المزيونات وأضعفها! يتضح ذلك في عبارة "فما توجيهكم حفظكم الله؟" التي تنتهي بها معظم الأسئلة الموجهة للمفتي، استماتةً في دعم الفكرة بصوته، ولا جدال في أهميته رسمياً وشعبياً! ويؤكد ذلك ما رواه "جمال خاشقجي" ـ وكان من المنتسبين لتيار الصحوة ـ عن حكمة الفقيه الجليل/ "عبدالعزيز بن باز" وذكائه، عندما سأله عما إذا كانت ولاية السيدة / "بي نظير بوتو" شرعية؟ وحاول "جمال ما غيره" استصدار فتوى منه بجواز خلع "بوتو" من منصبها أثناء تسلمها رئاسة وزراء "باكستان" مطلع تسعينات القرن الماضي!
وقد تحدثنا عن خطورة هذا العبث بالفتوى في مقالتين بعنوان: "الفتوى في الفتوى"، و"ثقافة التحريم والتجريم"، وضحنا فيهما كيف انقلبت القاعدة الفقهية الأصولية من: "أن الأصل في الأمور الإباحة" إلى: "أن الأصل فيها التحريم"! في تفسير عملي للتدجين، الذي يلهب حماسة شاب لم يجاوز العشرين إلا قليلاً؛ فيوقن تمام اليقين بأنه أصبح على بعد "ضغطة زر" من "الحور العين": ذلك أنه يجد نفسه محاصرةً بالحرام الذي لا هوادة فيه من كل جهة، ولطبيعة سنه؛ لا بد أن يقع في شيء من هذا الحرام! فما الذي ينقذه من جحيم "الندم"؟ إنه العمل الذي يدخله الجنة من غير حساب، ولا شيء غير "الشهادة"!
ورغم شراسة "نحنُ" الصحوة، واكتساحها الساحة ثلاثين عاماً، إلا أنها لم تكن الأخطر؛ لأنها كانت تمارس خطابها علناً وفي كل مجال! هناك "نحنُ" ثالثة هي الأخطر!!
محمد السحيمي

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |