الخميس، 1 يوليو، 2010

الحاضر الإسلامي واضطراب المؤسسات والمفاهيم, د. رضوان السيد - جريدة الشرق الأوسط




الحاضر الإسلامي واضطراب المؤسسات والمفاهيم

رضوان السيد
ما كانت وثيقة السينودس التي أعلنها البابا من قبرص بشأن مصائر «المسيحية المشرقية» أول ولا آخر دلائل ومظاهر الاضطراب في علاقات المسلمين بالعالم. فقد ذكرت الوثيقة التي سيناقشها المؤتمر في شهر أكتوبر القادم أن الإسلام الأصولي والسياسي يشكل خطرا على حاضر المسيحيين العرب (الذين يسميهم مشرقيين) ومستقبلهم. وهذا «الانطباع» الذي تردده الوثيقة، صار من ثوابت الوعي الأوروبي والغربي إن لم يكن العالمي. وهو لا يتناول المسائل المتعلقة بالإسلام الجهادي وحسب، بل يتناول أيضا طرائق الحياة الإسلامية ورمزياتها في المجتمعات الأوروبية، المنفتحة على كل التعدديات إلا التعددية المتعلقة بالمسلمين العائشين فيها منذ أجيال! بيد أن ما أعالجه في هذه الكلمة، ليس هذا النوع من الاضطراب، بل ذاك الاضطراب المستشري في الدواخل المرجعية الإسلامية. وهو يتصل بثلاثة أمور: الجهة أو الجهات التي يؤول إليها تحديد المفاهيم الأساسية في العقيدة والفقه، وعلائق المؤسسات الدينية والتعليمية الإسلامية بالدول وبالمجتمعات ومتغيراتها، وأخيرا الجهات التي تحدد التوجهات والتحركات بشأن علاقة المسلمين بالأديان والثقافات الأخرى.

فيما يتعلق بالأمر الأول (مرجعيات العقيدة والفقه). من الناحية التاريخية، ليس لدى أهل السنة، أهل الأكثرية الإسلامية (الجماعة)، غير ثوابت ثلاثة وحسب: الوحدانية، والنبوات والكتب، والمعاد. وفيما عدا ذلك، هناك اختلافات كبيرة في التفاصيل والمتفرعات على هذه العقائد. وعبر التاريخ تطور لدى أهل السنة تقليدان عقديان هما التقليد الحنبلي/السلفي، والتقليد الأشعري، والاختلافات ضئيلة بينهما. وفي الجانب الفقهي سادت المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة، على غلبة للحنفية والشافعية في المشارق، وللمالكية في المغارب وأفريقيا الإسلامية. بيد أن هذين الأمرين اضطربا في الأزمنة الحديثة بسبب الصراع بين السلفيين والأشاعرة في التفاصيل العقدية، وفي الجانب الفقهي بسبب الحملات من سائر الجهات على المذهبيات. وفي حين نالت الصراعات العقدية من قوة الأشعرية التاريخية التي لم تتجدد؛ فإن الفقه الإسلامي تجاوز مسائل المذهبية، وتجددت أطروحاته في سائر الشؤون. لكن المشكلات تفاقمت في مسائل الفتوى، لجهات النوعية والمرجعية والاهتمامات والوعي بالعالم المعاصر ومشكلاته. هناك بالطبع جهات مرجعية وشبه رسمية للفتوى في كل جولة، إنما الفتاوى ليست - من الناحية الشرعية - ملزمة إلا للجهات التي أصدرتها، وإدارات الدول إن رأت الأخذ بها. وقد اتسعت - مع ظهور حركات الصحوة - مساحات الفتوى والمفتين خارج كل مرجعية، وسيطر مفتو الفضائيات مؤخرا على تطلعات الجمهور واهتماماته. وفتاوى هؤلاء لا تحل المشكلات بالطبع. ثم إنها تولد مشكلات جديدة، وتنشر انطباعات غير ملائمة ولا مطمئنة عن المسلمين واهتماماتهم وأفهامهم للحياة في مجتمعاتهم وفي العوالم التي انتشروا فيها خارج «دار الإسلام» التاريخية. وعلى سبيل المثال: من الذي يحدد اليوم وفي هذه المرحلة مسائل مثل اللباس «الشرعي» للمرأة المسلمة، ومثل «الجهاد» وشروطه، ومثل المعاملات المالية المتنوعة والمتكاثرة؟ فالواضح أن هناك هما غلابا لدى جمهور واسع من المسلمين للعيش على السمت الشرعي أو المستقيم في سائر الشؤون، مهما بلغ من تفصيلاتها. لذا شك أن مفتي الفضائيات والحركات إنما يسدون حاجات اجتماعية، ويملأون فراغا يحتاج إلى من يعالجه. إنما المشكلة في الرؤية والنوعية. وقد فكرت طويلا في مسائل مرجعية الفتوى، ويبدو لي أنه لا حل لها في المدى المنظور، وإنما يشبه مجالنا الديني اليوم المجال البروتستانتي والإنجيلي في غياب المرجعيات الكبرى. لكن لا مصلحة لنا في استمرار الاندفاع في الاتجاهات نفسها، لأنه في المجال الإنجيلي (الجديد) عند كل اختلاف تظهر فرقة أو كنيسة جديدة! أما في المسألة الثانية، أي علائق المؤسسات الدينية بالدول، فالأمر أصعب وأكثر تعقيدا. في المرحلة الماضية كانت الدول تميل إلى التغول على المؤسسات بحجة رجعيتها أو عجزها أو حيلولتها دون تحديث المجتمع والدولة. وتغير الأمر عندما ظهرت الحركات الإسلامية وقويت في المجال العام، ثم اتجه بعضها إلى معارضة الأنظمة السائدة مع استتباب الإسلام السياسي الذي يريد إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة. اتجهت الدول إذن إلى تقوية المؤسسات الدينية للوقوف في وجه حركات الإسلام السياسي. وقد أعطى ذلك تلك المؤسسات سطوة في مجالي التعليم الديني والفتوى. لكنه ما زاد من مشروعيتها ولا من نفوذها، لظهور تحالفها أو «تبعيتها» للأنظمة. ثم - وكما سبق القول - إن الحركات الإسلامية ظهر لها مفتوها، وظهرت لها مؤسساتها التعليمية الخاصة. وهكذا خرج الإسلام السني من ناحية المرجعية من قبضة الدولة والمؤسسات الدينية معا. وهذا معنى السؤال الأول عن من يحدد اليوم المفاهيم والقضايا الكبرى، أو من الذي يملك المرجعية في ذلك. فالدعوى المرجعية بالنسبة إلى الأزهر والقرويين والزيتونة ولكناو لا تزال قائمة. لكن الجمهور ما عاد ملتزما بها؛ فضلا عن اختراقات حصلت عندها من جانب حركات الصحوة في مسائل العقيدة والفقه أيضا. وقبل التساؤل عن جدوى أو إمكانية أن تحصل المؤسسات الدينية على استقلالية، فتعمل على تجديد نفسها لاستعادة مرجعيتها؛ ينبغي السؤال عن «وظيفة» أو «وظائف» الدولة العربية والإسلامية الحديثة تجاه الدين أو إزاءه. الماوردي وفقهاء السنة الآخرون أعطوها وظيفة أو مهمة «حراسة الدين». والتعبير الحديث عن ذلك هو: حفظ الحقوق الأساسية للمواطنين، ومنها الحركات الدينية. وقد قامت الدولة العربية الحديثة بما هو أكثر من ذلك بغض النظر عن الطرائق. لقد قامت - ولا تزال - بالإنفاق على المساجد والتنظيمات الأخرى، بعد أن لم تعد موارد الأوقاف تكفي. ثم إنها حفظت من طريق أجهزتها الأعراف الدينية العامة، كجزء من واجبها في الحفاظ على الاستقرار. وما اعترض أحد على ذلك إلا بعد ما حصل الانقسام في زمن الصحوة الإسلامية ولجهتين: لجهة ازدياد مطالب الجمهور من الدولة في المجال الديني، ولجهة ظهور إسلام سياسي ينافس الدولة أو يصارعها على المشروعية باسم الدين. وقد قامت قبل ثلاثين عاما دولة دينية في إيران، وهناك شبه قوي بين مشروعها ومشروع بعض حركات الإسلام السياسي في العالم العربي وباكستان. ولهذا فإن مطالبة الدولة الوطنية بعدم التدخل في الشأن الديني في ظل التحديات التي تواجهها، مطالبة غير واقعية. وإن كان لا بد من القول إن طرائق التعامل مع المؤسسات الدينية من جانب الدول ما عادت مفيدة لها ولا لتلك المؤسسات.

أما المسألة الثالثة التي حدث ويحدث فيها خلل كبير، فتتمثل في علائق الإسلام والمسلمين بالعالم المعاصر، بما في ذلك الدول والأديان والثقافات. ولهذه المسألة فرعان: الفرع المتصل بالمسلمين الذين يقيمون في مجتمعات ودول ليست الأكثرية فيها للإسلام. والفرع المتعلق بإنتاج الرؤى التي توجه علاقات المسلمين بالعالم المعاصر ودياناته وتنظيماته. في الفرع الأول، يمكن القول إن الإسلام مثل البروتستانتية أو إنها مثله. بمعنى إمكان نشوء محليات إسلامية للتعليم والفتوى تتلاءم مع الأنظمة القائمة في تلك الدول والمجتمعات. وما حصل ذلك حتى الآن، لكن المأمول حصوله، أو تتفاقم المشكلات التي برزت مع تعملق الخصوصيات والثقافات الأخرى في وجه الجاليات الإسلامية. أما الفرع المتعلق بصنع الرؤى أو إنتاجها تجاه حضارة العصر والعالم، فهذا واجب العلماء والدارسين المسلمين حيثما كانوا. وفي هذا المجال أو المجالات ظهرت رؤى وأفكار ومشروعات على مدى أكثر من قرن. وكانت هناك مبادرات من جانب رجالات الفكر ورجالات الدولة أو الدول في السنوات الأخيرة. لكن وثيقة قبرص الفاتيكانية التي بدأنا بها هذا المقال، تدل على أن رؤية الإسلام والمسلمين في العالم ليست على ما يرام. ولا يرجع ذلك إلى أعمال «القاعدة»، أو خلاف النظام الإسلامي في إيران مع الغرب؛ بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى حيرة عالمية لا تزال تتزايد تجاه الإسلام والمسلمين، الذين يوشك عددهم أن يصل إلى خمس سكان العالم.

بالأمس، عدت من جديد، لقراءة فصول من كتاب تزفان تودوروف بعنوان «الخوف من البرابرة»، الصادر عام 2008، والذي يتصدى بالنقد لأطروحة صراع الحضارات، وتجلياتها في المجتمعات الأوروبية. ورغم شجاعة المراجعة ووضوحها؛ فإن التشاؤم سيطر علي بشأن مستقبل علاقتنا بالغرب والعالم!

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |