الجمعة، 4 مايو، 2012

As-Safir Newspaper - الفضل شلق : الحكم على عادل إمام: القانون الوضعي فوق الشريعة

As-Safir Newspaper - الفضل شلق : الحكم على عادل إمام: القانون الوضعي فوق الشريعة
الحكم على عادل إمام: القانون الوضعي فوق الشريعة

حكم على عادل إمام في محكمة تستخدم القانون الوضعي (من وضع البشر) في مسائل اعتبرها المدعون، من فرق الإسلام السياسي، تتعلق بالشريعة. قيل إن الدعوى كانت على أساس الاحتساب ضد ما اعتبر تهكماً من عادل إمام على رموز دينية هي اللباس (الجلابية) واللحية الطويلة.
العقوبات التي اتخذت ضد عادل إمام ليست من الشريعة. الجريمة التي ارتكبها (هكذا ادعوا) عادل إمام تتعلق بأزياء وممارسات تغيرت مع العصور، ولم يكن في تغيرها ضير على المجتمع الإسلامي. كتب المقريزي عن «مشاكلة الناس لأيام زمانهم» حول تحول الموضة. الأهم هو أن الإسلاميين أصحاب الدعوى اشتكوا، واستجاب القضاة. استعانوا بالقانون الوضعي لتطبيق ما اعتبروه الشريعة. استعانوا بالقانون الوضعي (الذي طالما لم يعترفوا به) على الشريعة التي لا يريدون غيرها قانوناً؛ فكأن الشريعة أنزلت كي تكون قانوناً بشرياً، لا لتبقى إطار الإيمان، مع الحق بالاختلاف، لكل المسلمين. وقد اختلف الفقهاء على مر العصور في اجتهاداتهم، أي في تفسيراتهم للوحي الذي ترك لهم المجال واسعاً للاجتهاد بفضل كثرة الآيات المتشابهات.
اليقين في أغلب الأحيان هو غلبة الظن وليس غلبة التأكد.
يبدو ظاهرياً أن المدعين الإسلاميين لا يستطيعون التكيف مع العصر، أو لا يستطيعون العيش في العصر، أو يريدون إلغاء العصر والعصر الذي سبق، والعصر الذي سبق ما سبق، وهكذا دواليك، وصولاً إلى مرحلة يعتبرونها المثل الأعلى الذي يجب أن يحتذى في كل العصور، وأن يبقى ثابتاً. يتحدون القوانين الطبيعية للتاريخ، بتصورات حول نهاية التاريخ؛ لكن محاولاتهم لا تتعدى أن تكون هادفة إلى القبض على الحاضر السياسي بالاستيلاء على الماضي، من أجل وضع المجتمع خارج التاريخ. ما يبدو صراعاً حول الحقائق الدينية هو في باطنه صراع حول السلطة الدينية وصولاً إلى السلطة السياسية.
هل هم أو غيرهم يعرفون الأزياء في ذلك العصر الذي يحبون الانتماء إليه؟ لا ندري ولا يدرون. تتطلب معرفةُ ذلك الكثير من البحث التاريخي؛ لا التاريخ السياسي وحسب، بل والتاريخ الاجتماعي والاقتصادي. لا ندري أيضاً إذا كان من عاشوا في الفترة، التي يتمنون تجميد التاريخ عندها، كانوا يكترثون إذا كان من سيأتي بعدهم يجب أن يقلدوهم في اللباس والمظهر. ولا ندري أيضاً إذا كان الأوائل يعتبرون اللباس والمظهر من أصول الدين أو مما تتأسس عليه العقائد؛ أو أن للأمر أية علاقة بالدين والعقائد.
سحْبُ الحاضر على الماضي لا يتعلق بالأوهام حول الماضي وحسب، بل هو مسألة سياسية تتعلق بالصراع على السلطة. هو محاولة أصحاب الأوهام فرض سلطتهم على المجتمع، وإعادة تشكيله وهندسته، كما تفعل عادة الأنظمة التوتاليتارية؛ ولدينا منها الكثير في العالم العربي أو العالم الإسلامي. لهم الحق في أي زي يريدون، لكن، هل لهم الحق في فرض أزيائهم على الآخرين؟ خاصة بعد الثورة التي تحرر المجتمع من كل سلطة، سواء كانت سلطة سياسية أو دينية أو عسكرية أو اقتصادية. هل المراد إعادة المجتمع للخضوع لسلطة غير السلطة التي سقطت، وذلك عن طريق إغلاق المجتمع مرة أخرى وفرض أنواع أخرى من الاستبداد عليه؟
قال إيمانويل كانت في مقالة التنوير، إن الأمر يتعلق بتحرر الإنسان من الخضوع الذاتي، من العبودية التي يفترضها لنفسه؛ العبودية التي يفرضها على نفسه نتيجة عبودية تفرضها السلطة السياسية عليه. قبله بألف عام، وضع أبو حنيفة النعمان بين الحلال والحرام مروحة واسعة من المستحب والمكروه والمباح. في المجتمعات البدائية تقتصر الخيارات على الحرام والحلال، في الحضارات المتطورة يتوسع مجال المباح، وتكثر الخيارات. مع كثرة الخيارات، تتوسع السياسة؛ يصير للسياسة معنى يتعدى كونها فرضيات قسرية، أو أوامر توجه من فوق. رأى أبو حنيفة في فهمه للشريعة توسعة للخيارات، وهؤلاء لا يريدون إلا تضييق الخيارات، أي تضييق مجال الحرية وإخضاع كل شيء لاعتبارات الحلال والحرام، لاعتبارات المقدس والمدنس. لكن رؤية أبي حنيفة، وجمهور الفقهاء، هي التي ألهمت التاريخ الإسلامي، فكانت التوسعة هي المبدأ، لا التضييق.
الحكم على عادل إمام أُخِذَ بأثر رجعي، أي أنه حوكم على مسرحيات وأفلام صُوّرت منذ عقود من السنين. إذا استمر الأمر كذلك، يخشى أن يأتي يوم يمنعون فيه كتاب «ألف ليلة وليلة» لما يرويه مما يعتبرونه «فواحش»، وربما وصل بهم الأمر إلى منع تاريخ الطبري، ناهيك عن كتب متخصصة شرحت الأمور الاجتماعية والعلاقات البشرية بتفصيل مثير. مثير حقاً كم كان المجتمع العربي والإسلامي، عموماً، مفتوحاً رحباً متسامحاً. ويُراد له الآن، لدى البعض، أن يصير ضيقاً، ضيق الخيارات بين الحلال والحرام. أنظمة الاستبداد وحدها تسعى إلى تضييق الخيارات.
قُدمت الدعوى على عادل إمام على أساس الاحتساب. الاحتساب مسألة فردية بين الفرد والله. الحسبة في التاريخ الإسلامي وُضعت للأوزان والمكاييل وللانتظام في المجال العام، وجُعلت شأناً مدنياً لا دينياً. ومعظم الشكاوى والعقوبات ألحقت بديوان المظالم، لا بالقضاء الشرعي. ذلك كان التطور التاريخي لهذا المجتمع. وديوان المظالم شأن الدولة؛ والعقوبات التي كانت تنتج عنه ليس أي منها وارداً في النص المؤسس. تطور التاريخ وتغيرت المؤسسات عبره. لكن أعيد تعريف الحسبة في دولة إسلامية واحدة، في هذا العصر، ووضع الأمر لدى هيئة كان شغلها الدائم ترويع الناس وتخويفهم. ألا يعتبر ذلك بدعة، في المنظور التاريخي؟
في زمن الثورة يقتضي الأمر لا إسقاط الأنظمة وحسب، بل تدمير المؤسسات القائمة، مؤسسات الاستبداد. وذلك يستدعي الانتقال إلى مؤسسات جديدة لا العودة إلى مؤسسات كانت قائمة، واندرست لأن المجتمع لم يعد بحاجة إليها. تخلى عنها المجتمع وبقي إسلامياً. التطور أو التغير سنة الحياة.
العودة إلى الوراء سياسة مدروسة، بدليل صدور حكم ضد أعمال قديمة لفنان عربي كبير هو عادل إمام الذي كان نوراً مضيئاً في زمن عتمة الاستبداد. التعقب في الزمان، هو كالتعقب في المكان. عندما أراد عمر بن الخطاب تطبيق عقوبة على من كانوا يرتكبون معصية، قيل له ما معناه «تعقبت»، فامتنع. حتى الأصول يخالفها هذا الحكم على عادل إمام.
النهر يجري في مجراه. تصعب إعادة الماء إلى حيث كانت.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |