الأربعاء، 2 مايو، 2012

التعليم الديني العتيق في المغرب يعود إلى ازدهاره وينتشر في جميع أنحاء البلاد,- الشرق الأوسط

التعليم الديني العتيق في المغرب يعود إلى ازدهاره وينتشر في جميع أنحاء البلاد,
التعليم الديني العتيق في المغرب يعود إلى ازدهاره وينتشر في جميع أنحاء البلاد
لعب دورا مهما في الدفاع عن العقيدة الإسلامية والحفاظ على الهوية المغربية
طلاب مدرسة للتعليم الديني العتيق في المغرب (تصوير: أحمد العلوي المراني)
الرباط: الحسين إدريسي
يقصد بـ«التعليم العتيق» في المغرب «التعليم الديني» الذي كانت تعقد حلقاته في الكتاتيب القرآنية والمساجد والزوايا في السابق، لكن أوضاعه تغيرت جذريا الآن، بعد أن تقرر تحديثه تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. لعب هذا النوع من التعليم دورا مقدرا في الدفاع عن العقيدة الإسلامية ونشر تعاليم الإسلام في المغرب من خلال حفظ وتحفيظ القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة واللغة العربية وعلوم الشريعة والفقه على مذهب الإمام مالك.
ويعتبر «التعليم العتيق» أقدم أنواع التعليم التي عرفها المغاربة منذ نحو 13 قرنا من الزمن، وأكثرها انتشارا في البوادي، على الرغم من وجود بعض مدارسه في المدن والحواضر. اهتمت الدولة المغربية منذ الاستقلال بهذا التعليم اهتماما يماثل الاهتمام بالمدرسة العصرية، حيث تولت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الإشراف على «التعليم العتيق» ودعم وتطوير مدارسه.
انطلق المغاربة منذ تشبعهم بالإسلام في بناء المدارس والمراكز العلمية إلى جانب ما أقاموه من بيوت العبادة والذكر، وأنفقوا بسخاء في هذا الجانب وشيدوا الداخليات والدور لإيواء الطلبة، حتى أصبح إنشاء المدارس العتيقة وجذب طلاب العلم لها ووقف الأموال عليها مجال تنافس بين الخيرين. ولعل من حسنات هذا التعليم أنه جعل المغرب أحد بلدان العالم الإسلامي التي يجيد فيها المتعلمون وحفظة القرآن، حفظ كتاب الله بمختلف الروايات، وإن كانت الرواية أو القراءة المعتمدة في المغرب هي «رواية ورش عن نافع».
الفترة الوحيدة التي عرف فيها «التعليم العتيق» تراجعا كانت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إذ «دب الفتور إلى هذه المدارس من جراء عدة عوامل من بينها الاحتلال الأجنبي، فتضاءل عددها وضعفت الهمم» كما جاء في إحدى الدراسات.
وظل «التعليم العتيق» خلال قرون يمول من طرف المحسنين والقبائل، حيث تبني كل قبيلة مدرستها وتمولها كليا، وكان هذا النمط التعليمي عانى مضايقة وشنت عليه حرب خفية في عهد الاستعمار لولا صمود العلماء بدعم من الملك الراحل محمد الخامس.
كان المستعمر سواء الفرنسي أو الإسباني، يرى أن استمرار مدارس «التعليم العتيق» يشكل أكبر تهديد له، وكانت هذه المدارس هي التي تؤجج المشاعر ضد المستعمر انطلاقا من اعتبارات دينية. وعقب استقلال المغرب عام 1956 أدمجت بعض مدارس «التعليم العتيق» ومعاهده في إطار التعليم الحكومي العام، تحت اسم «التعليم الأصيل» وأشرفت عليه وزارة التربية والتعليم، ومن نماذج هذه المدارس التي احتضنت التعليم الأصيل «المعهد الإسلامي» في تارودانت جنوب المغرب، الذي كان يعد من أهم المعاهد الإسلامية في جنوب البلاد، وكان قد وضع تحت إشراف وزارة التعليم عام 1965.
وفي أواخر الثمانينات بدأت مرحلة أخرى من العناية بمدارس «التعليم العتيق» تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هذه المرة، عندما وجه الملك الراحل الحسن الثاني بإعادة الدور التقليدي لجامع القرويين وإعادة فتح الدراسة به طبقا للنظام القديم المألوف، ثم أنشئت بعد ذلك المدرسة الملحقة بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وتجددت العناية بهذا النمط من التعليم بغرض تطويره، خاصة أن الحاجة لتخريج كوادر متفقهة في علوم الدين أصبحت في تزايد.
وكان وجهة نظر الغيورين على هذا النمط من التعليم، أنه إذا كان بالإمكان الاستعانة بخبراء أجانب في بعض العلوم التقنية والعصرية مثل الهندسة والطب والفيزياء وغيرها، فإنه لا يمكن استيراد الفقهاء والأئمة والخطباء والمدربين (أي محفظو القرآن).
وأمام الحاجة إلى خريجي «التعليم العتيق»، أعيد فتح مدارس خاصة لـ«التعليم العتيق» لكن تم إغلاقها بمبرر أنها لا تعتمد المذهب الرسمي للدولة.
وفي أبريل (نيسان) 2004 ألقى العاهل المغربي الملك محمد السادس خطابا تطرق فيه إلى «التعليم الأصيل»، وقال في هذا الصدد «حرصنا على تأهيل المدارس العتيقة، وصيانة تحفيظ القرآن الكريم، من كل استغلال أو انحراف يمس بالهوية المغربية مع توفير مسالك وبرامج التكوين، تدمج طلبتها في المنظومة التربوية الوطنية، وتجنب تخريج الفكر المنغلق، وتشجع الانفتاح على الثقافات».
يقول الدكتور عبد الواحد بن داود مدير مديرية «التعليم العتيق» في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إنه من خلال هذا التوجه أدرك العاهل المغربي الخطر المحدق، بترك هذا التعليم من دون تأطير ولا تحديث. وقال بن داود في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن العاهل المغربي أراد أن يصبح هذا التعليم نظاميا بشهاداته وامتحاناته ومراقبته، وفي هذا السياق أنشئت مديرية التعليم العتيق في ديسمبر (كانون الأول) 2003.
وأشار إلى أنه بعد ذلك تحددت السن القانونية لدخول مدارس «التعليم العتيق» في ست سنوات مثل ما هو معمول به في التعليم العام.
يواصل بن داود تقديم إيضاحات حول واقع «التعليم الأصلي» فيقول «في مايو (أيار) 2006 اكتمل وضع القوانين الخاصة بتأهيل التعليم العتيق بصدور القرارات التطبيقية، وتم تحديد مواصفات المدرسة العتيقة النموذجية وأهدافها وتقرر أن تقام أول مدرسة نموذجية» في شتوكة أيت باها بمنطقة سوس جنوب المغرب بعد أن تبرع محسنون بقطعة الأرض. ولا تتعدى المدارس التي تنفق عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خمس مدارس من أصل 499 مدرسة عتيقة، وتقدم الوزارة منحا ومكافآت لطلبة وأساتذة 156 مدرسة، وتأتي بقية حاجاتها المادية من المحسنين والقبائل، بينما ينفق المحسنون على 338 مدرسة. وتتوزع المدارس العتيقة على جميع أنحاء المغرب، لكن يلاحظ أن القرى والبوادي تحتضن 68.47 في المائة من هذه المدارس، حسب إحصاءات رسمية أصدرتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للموسم الدراسي 2010 - 2011.
كما أن جهة واحدة من بين الجهات الـ16 التي ينقسم إليها المغرب، وهي جهة «سوس ماسة درعة»، تأتي في المقدمة حيث توجد بها 51.19 من هذه المراكز التربوية الدينية، في حين تتفوق منطقة الشمال من حيث عدد الطلبة المسجلين في قطاع «التعليم العتيق».
وفي الأقاليم الصحراوية في الجنوب المغربي، فقد كان وجود «التعليم العتيق» بهذه الربوع يقتصر على الزوايا، حيث كانت مدينة السمارة تشكل المنارة العلمية والروحية للمنطقة، لكن بعد أن بدأت عملية تحديث «التعليم العتيق» طالب سكان الأقاليم الصحراوية في ثلاث مدن، هي العيون والداخلة والسمارة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية بناء مدارس عصرية لـ«التعليم العتيق»، وهو ما تمت الاستجابة له وشارفت أشغال البناء على الانتهاء في مدرسة العيون.
وتشير إحصاءات الوزارة إلى أن نحو 67 في المائة من هذه البنايات ملحقة بالمساجد، مما يؤكد ارتباط هذا التعليم بالمسجد، وإذا كانت مدارس «التعليم العتيق» ترتبط بشبكة الكهرباء والمياه العذبة وشبكة التطهير، فإن عددا من الفصول الدراسية لا ترقى في الغالب إلى المستوى المطلوب نظرا لضيقها. كما أن أقل من 20 في المائة من مدارس «التعليم العتيق» غير متصلة بشبكة الهاتف، في حين تتوفر 13 في المائة على خدمات الإنترنت. ويبلغ عدد الطلاب الذين يدرسون في «التعليم العتيق» نحو 30000 طالب وطالبة، وإن كانت نسبة الفتيات لا تتجاوز 13 في المائة.
وتبرز الغاية من مشروعية إحياء هذه المراكز من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في تحفيظ القرآن الكريم، وفي تنشئة طلبة العلم وتفقيههم في أمور دينهم وتبصيرهم بالأحكام الشرعية والفقهية من جهة، ومن جهة أخرى تسعى الوزارة إلى أن يحيط كل طالب من طلبة «التعليم العتيق» بعلوم ومعارف عصره في مختلف أبواب العبادات والمعاملات، من أجل «رفد البلاد بأجيال تتوفر على حسن الفهم لمبادئ الدين وتوظيفها في بناء الوطن وازدهار وحماية الهوية الإسلامية من التيارات المعادية»، إلى جانب تلبية حاجات البلاد «في ميدان القيمين الدينيين والوعاظ والمرشدين والخطباء والمدرسين».
ومن أجل تحقيق هذه الغايات، أعدت الوزارة مناهج وبرامج تحت إشراف مديرية «التعليم العتيق» التي تتولى كل أموره، وتصرف مكافآت لفائدة المدرسين، وهم عموما أساتذة في جميع أسلاك التعليم الحكومي الرسمي، ويزاولون في إطار الساعات الإضافية التدريس لطلبة مدارس ومراكز «التعليم العتيق».
وفتحت السياسة الجديدة في هذا المجال آفاقا أوسع أمام طلبة «التعليم العتيق» بشكل غير مسبوق. إذ كانت الفرص المتاحة أمام خريجي «التعليم العتيق» في السابق محدودة للغاية، لا تتجاوز في أفضل الحالات أن يصبح الخريج الحامل لكتاب الله إماما بمسجد في إحدى القرى أو المداشر وفق قاعدة «الشرط»، وتعني أن يؤم الفقيه الخريج الناس للصلاة مقابل تعويض سنوي غالبا ما يكون عبارة عن نصيب معين من المحاصيل الزراعية وقليل من المال.
وبات اليوم بإمكان خريج «التعليم العتيق» بالمغرب أن يمارس مهام جديدة مثل الإرشاد الديني والتوجيه وأن يعمل قيما دينيا وخطيبا أو إماما مقابل تعويضات حكومية شهرية منتظمة، إلى جانب أن بإمكان الخريج الذي يحصل على شهادة البكالوريا العتيقة (الثانوية العامة) أن يتابع في الجامعات المغربية للحصول على الليسانس أو الماجستير، كما يمكن للحاصل على «العالمية»، وهي أعلى درجة في «التعليم العتيق» بالمغرب وتعادل دبلوم الإجازة، أن يسجل نفسه في أي شعبة يريدها في الجامعات، وغالبا ما يختار هؤلاء الخريجون شعبا أقرب إلى مجال تكوينهم مثل شعبة اللغة العربية وآدابها، أو شعبة الفكر الإسلامي والفلسفة، أو التاريخ والجغرافيا، أو الدراسات الإسلامية، أو يتقدم بها إلى مباريات التوظيف، الخاصة بالمدرسة العليا للأساتذة (تخصص دراسات إسلامية)، كما تتيح الشهادة العالمية إمكانية دخول «مركز محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدات».
وهكذا باتت شهادات «التعليم العتيق» تخول نفس الحقوق التي تخولها شهادات وزارة التعليم المغربية.
وأصبح المغاربة يعرفون المسار التكويني والدراسي لمن يصلون خلفهم ويلقون فيهم خطب صلاة الجمعة ودروس التوعية والتوجيه الديني، لأن الوزارة تتشدد في وجوب استيفاء شروط ممارسة المهمة الدينية، وعلى رأس هذه الشروط حفظ القرآن بشكل جيد، والإلمام بقضايا فقهية وشرعية في إطار المذهب المالكي على خلاف المرونة التي كانت في السابق، حيث كان النقص والحاجة يضطران الناس إلى القبول بشخص لم يكمل حفظ كتاب الله أو لم يضف إلى حفظه ما يلزم من المتون.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |