السبت، 5 مايو، 2012

As-Safir Newspaper - حلمي موسى: مفارقات إسرائيل والصهيونية تثير نقاشات حول الموعد المناسب لتقاعد الحركات والدول

As-Safir Newspaper - حلمي موسى: مفارقات إسرائيل والصهيونية تثير نقاشات حول الموعد المناسب لتقاعد الحركات والدول
مفارقات إسرائيل والصهيونية تثير نقاشات حول الموعد المناسب لتقاعد الحركات والدول

قبل أيام قليلة احتفلت إسرائيل، وفق التقويم العبري، بالذكرى الرابعة والستين لإنشائها. وشكلت الذكرى مناسبة لإجراء جردة حساب شاملة لدى الكثيرين في إسرائيل حيث تبارى قادتها في الثناء على إنجازاتها في المجالات كافة. ولخص عدد منهم هذه الإنجازات بأن الدولة العبرية هي اليوم أقوى من أي وقت مضى، مقارنة بأعدائها، بالمعنيين النسبي والمطلق. وهي من دون ريب تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وعلمية وإدارية تتباهى بها على الدول العربية المحيطة.
غير أن هذه المباهاة لم تدفع الكثير من المفكرين وكتاب الأعمدة لملاحظة أن تنامي قوة إسرائيل، خلافاً لما هو معهود في العالم، لا تزيد لا القيادة الإسرائيلية ولا حتى الجمهور الإسرائيلي ثقة بمستقبله. فمن ناحية، كلما ازدادت إسرائيل قوة عسكرية شعرت أن المخاطر التي تحيط بها تتعاظم. ولم تفلح إنجازات إسرائيل السياسية والعلمية في منح الدولة العبرية مكانة مميزة في العالم. ويكفي أنه قبل أيام أشار سفير إسرائيلي سابق في أسبانيا إلى واقع المشكلات التي يواجهها ممثلو هذه الدولة في الخارج بقوله: نحن لسنا أعضاء في أي مجموعة إقليمية دولية، وعملياً نحن معزولون. وإسرائيل القوية هذه ليست في آسيا ولا هي في أوروبا، وهي خلافاً للولايات المتحدة ليست دولة كلية القدرة.
فقد خرج شاي غولدن من «معاريف» من حديث له مع وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، بعد أن اطلع على مقدار ثقته بنفسه، بانطباع هو أن «اسرائيل دولة مركبة ـ لا يوجد سبيل لوصفها اليوم بالسهولة ذاتها التي كانت ذات مرة في الماضي». وينقل غولدن عن باراك قوله: «ذات مرة كانت لدينا ايديولوجية واحدة سائدة ـ هي الصهيونية». أما اليوم، فقد «تفككنا الى ايديولوجيات فرعية. الفكرة المؤسسة لهذه الدولة تقادمت بل ربما أصبحت ثانوية ـ وتحتها تجري ايديولوجيات مستقلة. هؤلاء في مدارسهم الدينية، هؤلاء في مستوطناتهم، هؤلاء في رأسماليتهم وهؤلاء في فئويتهم». ويخلص غولدن إلى أنه «على نحو مفعم بالمفارقة ـ إسرائيل قوية من ناحية عسكرية، هي إسرائيل تقرب نهايتها من ناحية اجتماعية، وذلك لأن مواطنيها منشغلون بتحقيق أنفسهم. محظور العودة الى طقوس القلق الوجودي التي كنا مستعبدين لها، ولكن لا يمكن أيضاً مواصلة هذا الاتجاه، من التفكك الى 7,2 مليون كيان خاص. ملزمون أن نجد السبيل الى ضمان مستقبل هذا الجمهور، في هذا الزمن. ملزمون أيضاً بأن نعبر عن احتياجات وتطلّعات كل قطاع وكل فرد في اسرائيل».
ومن المؤكد أن هذه ليست فقط نظرة غولدن وانطباعاته. ويكتب درورون روزنبلوم في «هآرتس» عن نظرة إسرائيل لذاتها ونظرة الآخرين لها. ويقول إن الإسرائيلي يود التمسك بالنظرة الأولى إلى نفسه: «طفل بريء بقبعة تمبل، نواياه طيبة ويداه نظيفتان»، ولكن بالروح التي تهب على الحكومة فإن «قبعة التمبل كانت ستستبدل بكاسكيت، والقميص الكاكي بشارة صدر صفراء». ويوضح أنه في «نظر المراقبين الاجانب، أو ذوي النظرة النقدية الاشد، اسرائيل باتت منذ الآن تتخذ صورة اخرى: ربما على شكل رجل عسكري ـ احتلالي يعتمر قبعة دينية، يمسك ببندقية، هستيري وقصير النفس، مشكوك أن يكون مهدداً للآخرين أو خائفاً من تهديد الآخرين، مستعد لأن يوجه «ضربة» في وجه كل غريب أو يساري يصادفه، وان يرى نفسه كضحية لاعتداء جماعي أهوج». ويشدد روزنبلوم على أن في إسرائيل في عامها الرابع والستين «تضارب غريب. من جهة، تسليم مزعوم بخلود النزاع ومع فكر بأن ليس له حل؛ ومن جهة اخرى فقدان المؤهلات والاحساس بالحصانة اللازمين للصمود امام متطلبات هذا الاستنتاج».
ويخلص روزنبلوم إلى أن إسرائيل تبدو «كأنها مغلفة بفقاعة وجودية غريبة: من جهة ـ في القشرة الخارجية ـ يوجد هدوء أمني نسبي، يستمر بشكل نادر ومبارك منذ ثلاث سنوات. أما في الداخل، في مكان الاحساس بالمناعة والهدوء، تعتمل المخاوف، وتتفاقم حالة ثوران الأعصاب والعنف».
ثمة أهمية كبيرة لمثل هذا الكلام الآن بعد أن صارت الاستهانة بقرارات المحكمة العليا أمراً اعتيادياً في الحكومة الإسرائيلية وبعد أن غدا الوزراء (حتى داخل الليكود) يحاربون بعضهم علناً في سبيل كسب ودّ المستوطنين لأغراض انتخابية. وهذا دفع «هآرتس» إلى المطالبة في مقالة افتتاحية بإنشاء «نصب تذكاري لسلطة القانون».
كما أن نظام الأولويات ينطوي على مفارقة هائلة. هاكم ما كتبه المعلق العسكري في صحيفة «يديعوت» أليكس فيشمان قبل أيام: «أُنشئت (مستوطنة) ميغرون بوعي على أرض فلسطينية خاصة لتكون بؤرة استيطانية ترمي الى حماية هوائي هواتف محمولة. وأصبحت اليوم مستوطنة فيها 50 مبنى ونحو من 250 ساكناً. وقد خصصت الحكومة الحالية لمداولات إخلائها من الساعات أكثر مما خصصت لميزانية الأمن لمواجهة التهديد الايراني».
وفي الأيام الأخيرة أثار رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين عاصفة سياسية لم تهدأ بعد بإعلانه انعدام ثقته بقدرة الرجلين الأولين في القيادة الإسرائيلية، نتنياهو وباراك، على اتخاذ القرار الصحيح في شأن الهجوم على المنشآت الذرية في ايران، وانه لا يثق بقدرتهما على قيادة الجيش الاسرائيلي واسرائيل لحرب على طهران. ويكتب عوفر شيلح في معاريف «وعليه بقينا مع قيادة سياسية ـ امنية كل كبار المسؤولين الذين كانوا مرؤوسين لها يعربون عن عدم الثقة بها». ويشدّد على أن «ما يقوله لنا ديسكين هو أن عدم العقلانية هذه مقلقة، ليس أقل من دوران أجهزة الطرد المركزي في نتناز».
أما إيتان هابر في «يديعوت» وبعد أن يستعرض العديد من مظاهر المفارقة في إسرائيل يكتب أن «العصبية عند صناع القرار في اسرائيل تزداد كثيراً لأنهم يدركون أن الوقت ينفد ليس فقط في سياق الذرة الايرانية وإنما أيضا في قضية المناطق ايضا. ويتوقع ان يُنتخب في اميركا رئيس لولاية ثانية، رئيس ليس مديناً بشيء لأحد، وقد يكون هو الذي يقرر إنهاء اللعب». وينهي مقالته على النحو التالي: «لكن اليهود هنا على ثقة بأن ما فعلوه في الـ 45 سنة الماضية سيفعلونه في الـ 45 سنة الآتية ايضاً».
«ذكّرني من فضلك»، طلب إلي صديق اردني في زيارة لعمان قبل شهر: «كم سنة حكم الصليبيون الأرض المقدسة؟».
فأجبته: «200 سنة تقريباً».
قال الاردني: «ما يزال لدينا بعض الوقت للانتظار إذاً». وأقول في الختام إن هذا الكلام لا يعبر عما أريده، لكن عما سيحدث».

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |