الجمعة، 1 أكتوبر، 2010

وجهات نظر | "دعم" متأخر للتصوف | Al Ittihad Newspaper - جريدة الاتحاد




أحمد أميري

"دعم" متأخر للتصوف
تاريخ النشر: الخميس 30 سبتمبر 2010

في تقرير لـ"العربية. نت" يؤكد محللون وخبراء أن المؤسسة الدينية الرسمية في المغرب تدعم التيار الصوفي من خلال الهبات وتنظيم المهرجانات والندوات والبرامج الإعلامية، بهدف "محاربة التيارات السلفية المتشددة، وسحب البساط من تحت أرجل حركات الإسلام السياسي"، ذلك أن التربية التي يتلقاها المريدون "تفضي إلى نوع من السلبية السياسية، وإلى عدم التعارض بين معتقداتهم الدينية وولائهم للدولة وسياستها وقوانينها"، وأن دولاً إسلامية أخرى تتبع الاستراتيجية نفسها والتي تنسجم مع الاستراتيجية الأميركية لمواجهة تنظيم "القاعدة".

وفي التقرير جملة نقاط ينبغي التوقف عندها. الأولى أن الدول التي بدأت الآن في دعم الصوفية قد تأخرت كثيراً إلى الحد الذي أصبحت فيه كلمة "صوفي" تعطي انطباعاً سيئاً أو على الأقل غريباً، وهذا طبيعي بعد عقود من تسيّد المتشددين والأصوليين الساحة الدينية في معظم بلدان العالم الإسلامي، وبدعم من الأنظمة السياسية بهدف الاستفادة من هؤلاء في ضرب التيارات السياسية الأخرى، أو لضرب بعضهم ببعض.

وقد "اشتغل" المتشددون والأصوليون على كل ما ومَن يخالف توجهاتهم، وكانت الصوفية ضحية من ضحاياهم، سواء من خلال شنّ حملات مسعورة ضدها، أو في أحسن الأحوال بالسيطرة على المنابر الدينية في المساجد والإعلام بحيث لم يعد أحد يسمع بشيء اسمه "تصوف".

النقطة الثانية أن القول بأن دعم الطرق الصوفية يمكن أن يسحب البساط من تحت أقدام الإسلام السياسي قول مبالغ فيه وسابق لأوانه، وأعتقد أن مجرد تهيئة أقدام الطرق الصوفية للوقوف على ذلك البساط يحتاج إلى عقود، وهو مثل صفين في مدرسة واحدة، الأول وقفت إدارة المدرسة خلفه سنة كاملة ليحقق النجاح، والصف الثاني تُرك من غير قرطاسية ولا كتب ولا معلمين، ثم في اللحظة الأخيرة قيل لهم: عليكم أن تنجحوا وتتفوقوا على الصف الأول لأننا اكتشفنا أنهم يسعون إلى الاستيلاء على المدرسة.

النقطة الثالثة هي قضية التربية الصوفية التي تفضي إلى السلبية السياسية، وأعتقد أن هذا غير دقيق، فالتصوف طريقة إلى الله وهي ليست معنية باهتمامات المريد السياسية أو العلمية أو الاجتماعية أو غيرها، هي لا تأمره أن يكون ناشطاً سياسياً، كما لا تأمره أن يكون خاملاً، هي تدعوه إلى أن ينشط ضد أهوائه، ويدخل في صراع مع نفسه. وحتى لو كانت الصوفية تفضي إلى ذلك، فماذا كانت ثمرة الإيجابية السياسية غير الثورات التي ثبت في الكثير من الدول أنها زادت الأوضاع سوءاً وجعلت الناس تعضّ أصابعها ندماً.

والنقطة الرابعة تتعلق أيضاً بتربية الصوفيين لأتباعهم تربية تجعل معتقداتهم غير متعارضة مع ولائهم لدولهم، وهي نقطة تتشابه مع النقطة السابقة في أن الصوفية لا تأمر ولا تنهى إلا بما يقوّي علاقة المرء بربه ويضعف علاقته بهوى نفسه، فأنا مشغول بإصلاح نفسي قبل الانشغال بإصلاح الكون، والذي إن صلح فلن يصلح بإشعال الاضطرابات والفوضى بالوقود الديني والادعاء بجاهلية الدول والمجتمعات.

أما النقطة الخامسة والأخيرة والتي يستغلها الأصوليون لتشويه سمعة الصوفية فهي الربط بين توجه بعض الدول الإسلامية لدعم التصوف والاستراتيجية الأميركية في هذا الصدد، فأين المشكلة حين تتفق الخطة الاستراتيجية لدولتين على نقطة واحدة، وألم يكن هناك توافق بين بعض الأنظمة والسياسة الأميركية بشأن درء الخطر الشيوعي استفادت منه الأصولية لعقود؟

لقد آن الأوان ليمد الصوفية أرجلهم ويعود إليهم ثقلهم ودورهم التاريخي الذي بدأ قبل أن يُبتلى العالم الإسلامي بالتيارات السلفية والإسلام السياسي.


اقرأ المزيد : وجهات نظر | "دعم" متأخر للتصوف | Al Ittihad Newspaper - جريدة الاتحاد http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=55058#ixzz115DNnDMo

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |