الاثنين، 11 أكتوبر، 2010

الظاهرة الشيعية

الظاهرة الشيعية

الظاهرة الشيعية


حيـدر سعيـد ربما لم تواجه الدولةُ العربية الحديثة ظاهرةَ التشيع بوصفها تحدياً استراتيجياً كبيراً مثلما حدث بعد سنة 2003.
وعلى الرغم من أن الهاجس الطائفي لم يغادر الدولَ العربية عبر تأريخها، يوحي الكمُّ المطرد من التوترات الطائفية التي حدثت في المنطقة منذ تلك السنة بأن هذه الدول كأنها تواجه المسألة الشيعية للمرة الأولى، . . كأنها تتعرف عليها للمرة الأولى.
ولعل من الأمور ذات الدلالة، هنا، كثرة ما كُتِب ونُشِر عن الشيعة والتشيع خلال هذه السنوات. أنا أعيش، وأتجول كثيراً، في عواصم المشرق العربي. كان من أكثر الأشياء التي تلفت الانتباه في هذه الحواضن الكلاسيكية للحلم القومي العربي هي كثرة الكتب عن الشيعة التي تملأ الأكشاك، إلى جانب كتب الجنس، والطبخ، وروايات الحب. لقد أصبحت الحاجة إلى معرفة الشيعة أمراً شعبياً. بدا لي كأن الناس يريدون أن يتعرفوا على الشيعة للمرة الأولى، كأنهم للمرة الأولى يسمعون بالشيعة، . . كأن القومية العربية تتعرف على الشيعة للمرة الأولى.

تدخل في هذا المواقف التي عبّرت عنها شخصيات عدة من قادة وسياسي المنطقة. وقد كان الأبرز في ذلك تحذير الملك عبد الله الثاني، عاهل الأردن، من خطورة ما سمّاه (مشروع هلال شيعي).

في كانون الأول من سنة 2004، حين أطلق الملك عبد الله تحذيره هذا، كنتُ أعمل في جريدة (المدى) في بغداد رئيساً لقسم الدراسات. حينذاك، اقترحتُ على الزملاء في قسم الأخبار الذين كانوا يحررون الخبر أن يصدّروه بعنوان فرعي صغير، هو "على ذمة عبد الله الثاني . .". أدرك أن هذه الإضافة قد لا تكون مهنية، فهي تتضمن موقفاً، ولكنها ـ خارج معايير المهنية الإعلامية ـ تتضمن تشكيكاً بإمكانية أن ينخرط شيعة المنطقة، بتنوعاتهم واختلافاتهم وتناقضاتهم، الإثنية والثقافية والإيديولوجية، في مشروع سياسي واحد.

لقد ظل العربُ بعيدين عن مثل هذا التمييز، على الرغم من أن الدوائر الأكاديمية والسياسية الغربية قدّمت تصورات ونتاجات مهمة في هذا المجال، بدءاً بكتاب إسحق نقاش (شيعة العراق)، الصادر سنة 1985، والذي حرص على أن يوضح اختلاف شيعة العراق عن إيران، وليس انتهاء بكتاب رند الرحيم وغراهام فولر (الشيعة العرب)، الصادر سنة 1999، والذي حاول أن يفكك فكرة أن الشيعة كتلة متجانسة، ودافع عن أن هناك تنوعات كثيرة داخل الكتلة الشيعية وتواريخ متباينة، تتيح اعتماد مقاربات وسياسات مختلفة مع الشيعة في كل بلد. وإذا كان هذا الكتاب ذا غايات سياسية على ما يبدو، نظراً للتأريخ ذي الحساسية العالية الذي صدر فيه، فإنه شخّص، بشكل منهجي، أن الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 هي التي رسمت للغرب صورة نمطية للشيعة في سائر أنحاء العالم بأنهم جماعة متجانسة، ذات حماس ديني، ونزعة مضادة للولايات المتحدة.

وفي العموم، كانت المواقف السياسية، التي على غرار موقف الملك عبد الله الثاني، تعبّر عن عدم معرفة بالشيعة، ولكنها ـ قبل ذلك ـ كانت تعبّر عن خوف عميق من الظاهرة الشيعية الصاعدة بعد 2003، خوف يشبه خوفَ الغرب بعد الثورة الإيرانية من الشيعة.

غير أن الظاهرة الشيعية، بالنسبة للبلدان العربية ولحواضن الحلم القومي العربي تحديداً، لم تبدأ مع الثورة الإيرانية، التي فُهمت بأنها لحظة من لحظات صعود الإسلام السياسي، وبأنها تتضمن نزعة قومية إيرانية. وفي هذا السياق، فُهمت الحربُ العراقية الإيرانية في الثمانينيات بأنها حرب إيرانية عربية، ولم تُفهَم بأنها حرب سنّية شيعية.

الظاهرة الشيعية تشكّلت ما بعد 2003، وشكّلتها ثلاثة عناصر رئيسة. الأول هو الطموح الإمبراطوري الإيراني للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى، ولا سيما بعد ما أثاره الملف النووي الإيراني، وانكسار المشروع الإصلاحي في إيران، واستعادة­ صيغة قاسية للخمينية. هذا الطموح لم يُثِر فقط مخاوفَ الدول العربية من صعود إيران، بشكل غير مسبوق، بوصفها قوة نووية، بل جعل من إيران خصماً كفئاً وندّاً للولايات المتحدة.

والعنصر الثاني هو (ظاهرة حزب الله)، أو بالأحرى، (ظاهرة حسن نصر الله)، أي الكارزما التي حازها وبناها زعيمُ حزب الله، بدءاً من تحرير جنوب لبنان سنة 2000، وصولاً إلى حرب تموز 2006، التي وصلت كارزما نصر الله فيها إلى الذروة، بشكل جعله في مصاف الكارزمات أشباه الآلهة التي تقدّسها المجتمعات العربية، وعلى غرار جمال عبد الناصر، وصدّام حسين. ظاهرة نصر الله، رئيس الحزب ورجل الدين الشيعي الذي سرق القدسية من رئيسي دولة عسكريين سنّيين، جعلت بعض المعلقين العرب يتحدثون عن إمكانية أن تشهد المنطقة (تشييعاً سياسياً)، وليس عقائدياً.

غير أن العنصر الأساسي والحاسم في تشكل الظاهرة الشيعية ما بعد 2003 هو التغيير السياسي الذي حصل في العراق، والذي أفضى إلى سيطرة النخبة السياسية الشيعية على مقاليد الحكم، لأول مرة، في واحدة من أهم وأكبر عواصم المشرق العربي.

وبالفعل، كان ما حدث في العراق انكساراً موجعاً لسيطرة السنّة على حكم العالم العربي. ومن جهة ثانية، أعطى تصدر الشيعة لحكم العراق دفقة قوية للشعور الشيعي في سائر أنحاء العالم، ولا سيما في المنطقة.

وبكلمة، لقد أصبح العراق، منذ 2003، النموذج السياسي الملهِم لشيعة المنطقة.

ولعل من الدلائل الرمزية العميقة على هذا التحول هو تحول شيعة المنطقة من تقليد مراجع قم إلى مراجع النجف. هذا التحول لا يكشف، فقط، إلى أية درجة أصبح العراقُ نموذجاً سياسياً ملهِماً، ولكنه يكشف ـ أيضاً ـ إلى أية درجة يمكن أن ينخرط شيعةُ المنطقة في تيار سياسي شيعي عروبي تقوده النخبةُ العراقية، وكيف يمكن لتجربة الحكم الشيعي في العراق أن تعيد رسم خريطة الأفكار السياسية الشيعية، من التحول من تقليد مراجع الولاية العامة للفقيه، إلى مراجع الولاية الخاصة، أو من مراجع ولاية الفقيه إلى مراجع ولاية الأمة، ويكشف ـ أيضاً ـ عن الديناميكيات التي يمكن أن تطلقها تجربةُ حكم مناقضة ومعارضة للتجربة الإيرانية.


* أكاديمي عراقي مقيم عمان

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |