الاثنين، 14 يناير، 2013

مغامرة الإسلاميين الخطرة - فهمي هويدي - بوابة الشروق

مغامرة الإسلاميين الخطرة - فهمي هويدي - بوابة الشروق
 

مغامرة الإسلاميين الخطرة

أنشر فى : الأحد 13 يناير 2013 - 9:00 ص
آخر تحديث : الأحد 13 يناير 2013 - 9:00 ص
انخراط الجماعات الإسلامية فى العمل السياسى يمثل مغامرة لا يدرك كثيرون عواقبها. ليس فقط لقلة خبرتها فى ذلك المجال، الأمر الذى قد يعرض المصالح العليا للخطر. وليس فقط لأن من شأن ذلك أن يشق الصف الوطنى ويحوله إلى معسكرين متنافسين أو متقاتلين أحدهما دينى والآخر مدنى. وإنما لأن ذلك يؤدى إلى انسحابهم من ساحة الدعوة ومن ثم إحداث فراغ مجتمعى يستدعى آخرين لملئه، الأمر الذى يفتح الأبواب لشرور لا أول لها ولا آخر.

الحاصل فى السودان يمثل تجربة مهمة تستحق النظر فى هذا السياق، خصوصا أنها تعد أول وأقدم حالة تولى فيها الإسلاميون السلطة فى العالم العربى، فى أعقاب الانقلاب الذى شهدته الخرطوم فى شهر يونيو من عام 1989. منذ ذلك التاريخ برزت الحركة الإسلامية التى وقفت وراء الانقلاب، ثم ظهر حزب المؤتمر المنبثق من الحركة والذى يعد واجهة سياسية لها مفتوحة لعضوية الجميع بمن فيهم أشخاص ليسوا من أعضاء الحركة. وفهم أن الحركة تمارس الدعوة، وأن حزب المؤتمر هو الذى سيخوض غمار السياسة. ثم كان هناك كيان ثالث هو الحكومة، التى يفترض أن تشكل من ممثلى الأحزاب الفائزة فى الانتخابات.

من الناحية النظرية يفترض أن يكون كل كيان منفصلا عن الآخر. لكن ذلك لم يحدث فى الواقع، لأن قياديى الحركة أصبحوا قياديين فى الحزب ومكتبه السياسى ومجلش شوراه، كما أنهم أصبحوا مسئولين فى الحكومة، وأيا كانت ملاحظاتنا على هذه التركيبة، فما يهمنا فى الأمر أن الجميع انخرطوا فى اللعبة السياسية وفتنوا بها، واختفوا بصورة تدريجية من ساحة الدعوة، وتصادف أن تزامن ذلك الغياب الذى استمر نحو ربع قرن أن برزت اتجاهات جديدة فى الساحة وطرأت متغيرات كثيرة فى الأفكار والمعتقدات والمرجعيات فضلا عن ثورة الاتصال بطبيعة الحال.

فى شهر نوفمبر الماضى عقد حزب المؤتمر اجتماعه السنوى الذى وُوجِه بحقيقة التغيرات التى ظهرت على الأرض، وكان أبرزها تمدد الحركة السلفية وانتشارها، حتى أصبحت مسيطرة على 600 مسجد فى الخرطوم وحدها. ثم ظهور ما سمى بالسلفية الجهادية التى تعتمد العنف سبيلا إلى التغيير، وينطلق إطارها الفكرى من تكفير المجتمع ووجوب مقاتلة مؤسساته، وتبين أن عناصر السلفية الجهادية لهم علاقة بتنظيم القاعدة، كما أن لهم علاقاتهم مع حلقات السلفية الجهادية فى الخارج، الأمر الذى دفع بعضهم إلى المشاركة فى القتال بالصومال والسفر إلى جمهورية مالى للانضمام إلى مجموعات القاعدة التى قامت بتدمير الأضرحة ومحاولة تأسيس إمارة إسلامية فى شمال البلاد.

الأخطر من ذلك أنهم اكتشفوا مجموعة من الشبان (31 شخصا) فى منطقة الدندر بولاية النيل الأزرق يخزنون السلاح ويتدربون عليه تمهيدا لإقامة إمارة إسلامية لهم هناك. وتبين أن بينهم أبناء لبعض قيادات الحركة الإسلامية الذين انغمسوا فى العمل السياسى ولم يلتفتوا إلى أبنائهم، الذين جذبتهم الأفكار المتطرفة فذهبوا بعيدا إلى الحد الذى أوصلهم إلى مشارف تنظيم القاعدة. اشتبكت الشرطة مع أولئك الشبان، وقتل منهم واحد، وتم الاستيلاء على الأسلحة التى قاموا بتخزينها. وهم ينتظرون المحاكمة الآن فى الخرطوم.

فى حدود علمى فإن المملكة المغربية هى البلد الوحيد فى العالم العربى الذى نجحت  فيه إلى حد كبير نجحت فيه عملية الفصل بين الحركة الإسلامية الأم (التوحيد والإصلاح) وبين حزب العدالة والتنمية الذى فاز فى الانتخابات ورأس الحكومة أمينه العام عبدالله بنكيران. (للعلم الحزب المغربى أقدم من حزب العدالة والتنمية التركى وقد تم استئذانهم فى الرباط لاستعارة الاسم قبل إطلاق الحزب التركى). لست واثقا من نجاح هذه التجربة فى علاقة إخوان مصر بحزب الحرية والعدالة. لكن التجربة لم تنجح فى علاقة إخوان الأردن مع حزب جبهة العمل الإسلامى. ولا تزال هناك علامات استفهام حول موقف حركة النهضة فى تونس من السلفين وكذلك موقف حزب الإصلاح فى اليمن من القاعدة. أما فى الجزائر التى تتولى الأجهزة الأمنية فيها رسم خرائط السياسة فإن الحركة الإسلامية تشرذمت وتفتت حتى أصبحت الجماعة المسلحة هى اللاعب الأهم فى الساحة.

إن مجتمعاتنا أحوج ما تكون فى الوقت الراهن بوجه أخص إلى جهود الراشدين والمعتدلين فى الساحة الإسلامية، ومن المفارقات أن أولئك المعتدلين يغادرون الساحة ويهرولون الآن إلى ملعب السياسة. فيتركون موقعا تميزوا فيه ولم ينافسهم عليه أحد، إلى جبهة تنافس عليها آخرون ممن تفوقوا عليهم وسبقوهم. وكان ذلك سحبا من رصيد الرشد المفترض فيهم. ليس فقط لأنهم فقدوا تميزهم، ولكن أيضا لأنهم أحدثوا فراغا تمدد فيه غيرهم. فلا هم خدموا الدين ولا هم فازوا بالدنيا.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |