الجمعة، 25 يونيو، 2010

ثقافة العلماء في العالم العربي: بين الاستمرارية والإصلاح, آفــاق إسـلامـيـة - د.رضوان السيد - جريدة الشرق الأوسط

ثقافة العلماء في العالم العربي: بين الاستمرارية والإصلاح, آفــاق إسـلامـيـة
ثقافة العلماء في العالم العربي: بين الاستمرارية والإصلاح

رضوان السيد


الإصلاح ومفاهيمه: عندما نتحدث عن «الإصلاح» في مؤسسات التعليم الديني وثقافة العالم المسلم وتدريبه، يكون علينا أن نقسم الأمر أو المفهوم باعتباره قد مر في القرن العشرين بثلاثة أزمنة أو حقب. في المرحلة الأولى، أي في عصر الشيخ محمد عبده ومدرسته، كان المعني بالإصلاح تجاوز التقليد الفقهي ضمن المذاهب السنية الأربعة، واعتناق مبدأ الاجتهاد، وتطوير إدارات التعليم وبرامجه. أما في المرحلة الثانية، فيما بعد الأربعينات من القرن العشرين، فقد صار معنى الإصلاح «التلاؤم» سواء مع مؤسسات الدولة وسياساتها، كما مع العصر وأطروحاته، والتطوير الثقافي الجذري لثلاثة أغراض: الدخول في منافسة مع القوانين الحديثة؛ وبخاصة في مجال فقه الأحوال الشخصية، والتأهل لمواجهة متجددات الأحوال من طريق الفتاوى والدراسات في المشكلات، وتجديد المعارف بالديانات والثقافات الأخرى من أجل مواجهة تحدياتها. أما في أواخر القرن العشرين وحتى اليوم؛ فقد صار معنى الإصلاح لدى المختصين والمهتمين، اعتناق الوسطية والاعتدال، ورفض التطرف والتشدد. وهكذا فإن مطلب الإصلاح ظل مطروحا طوال القرن العشرين، وما عنى تغير مفاهيمه أن مرحلة ما أنجزت، فاختلفت المهام في المرحلة اللاحقة لتغير التحديات؛ بل الذي حصل هو أمر بين هذا وذاك، فأوضاع العالم المسلم ما بقيت جامدة بالطبع، لكن التغيير المنشود لم يحصل على الوجه الملائم؛ بحيث حملت المرحلة اللاحقة على ظهرها الكثير من تراكمات المرحلة السابقة. ولنضرب مثلا على ذلك بدعوة الشيخ محمد عبده وتلامذته، التي تركزت في أمرين، الاجتهاد، أي التجديد في فهم النصوص واستنباط الأحكام، والنظر إلى الموروث الفقهي بعيون جديدة - وتطوير العمل في المؤسسات التعليمية وإدارات الأوقاف، بما يؤدي إلى تغيير العلاقة بين الشيخ والطالب، والعلائق بين المؤسسة والدولة. وبعد جولات كر وفر لأكثر من ثلاثين عاما انتصرت دعوة الاجتهاد، بمعنى أنه ما بقي أحد في الأزهر أو القرويين بفاس أو الزيتونة بتونس، فضلا عن السلفيين الصاعدين، لا يقول به. بيد أن الإصلاح الإداري والمؤسساتي لم يحصل، مما أدى إلى انتشار الاضطراب بين الطلبة، ودفع الدولة بمصر لإنشاء مدرسة القضاء الشرعي، لتخريج قضاة للمحاكم الشرعية. وقد عنى ذلك خروج القضاء الشرعي من يد الأزهريين بالتدريج، بعد أن ظل في أيدي خريجي الأزهر والمعاهد والمدارس المشابهة لنحو الأربعمائة عام. وطبيعي أن لا يكون خروج القضاء الشرعي من يد المؤسسة الدينية عائدا إلى القصور في ثقافة الخريجين وحسب. فقد ألغي القضاء الشرعي بالقوة في تركيا الكمالية في العشرينات، ثم ألغي في مصر عام 1955 بقرار إداري، وأعطيت صلاحياته للقضاء المدني العادي. وهكذا فإنه في نحو منتصف القرن العشرين، برز لدى المؤسسات الدينية بوضوح تحدي الدولة الوطنية، والتي كانت مؤسساتها قد اكتملت، ودعواها السيادية قد قويت، كما أن الحرب الباردة بين الجبارين، تحولت حروبا ثقافية أيضا ولسائر الأديان علائق تحد واستجابة بها. ولذلك قلت إن شعار المرحلة أو مفهوم الإصلاح صار التلاؤم والتأهل، أو الاستجابة الملائمة للتحديات الجديدة. وصار على المؤسسة الدينية في الجانبين، جانب التعليم وجانب الفتوى، أن تراعي هذين الأمرين: جانب الدولة الجديدة والقوية ذات النزعة التدخلية، وجانب المشكلات والتحديات الجديدة على المستويين: العربي الإسلامي، والعالمي. وعندما قلت في البداية إن الإصلاح يعني منذ ثلاثين عاما وأكثر الوسطية والاعتدال في تعليم المؤسسة الدينية، وفي ثقافة العالم المسلم؛ فلأن المشهد تغير تغيرا راديكاليا منذ السبعينات من القرن العشرين وما عادت المؤسسة الدينية هي التي تنفرد بصنع ثقافة رجل الدين، وإن بقيت سلطات التعليم والفتوق في يد المؤسسة عرفيا ورسميا.
فمنذ أكثر من خمسة عقود، ظهرت دعوات «الصحوة الإسلامية»، والتي انبثقت عنها حركات جماهيرية وأحزاب فيما صار يعرف بالإسلام السياسي. ولهذه الحركات دعاتها وأئمتها ومنظروها، بل ونظريتها أو رؤيتها للعلاقة بين الدين والدولة. وأكثرية دعاة هذه الحركات ليسوا من خريجي مؤسسات التعليم الديني الرسمية. وقد دخلوا بدعواتهم الثورية في صراع عنيف مع السلطات القائمة في سائر أنحاء العالم العربي، واخترقوا في أحيان كثيرة المؤسسات الرسمية، إما لجاذبية تلك الدعوات المستندة إلى الكتاب والسنة في تأويل جديد، أو للإمكانيات الجماهيرية والإعلامية التي بلغوها.

المؤسسة الدينية ورجل الدين والدولة: في التاريخ والتجربة، لا تملك المؤسسة الدينية السنية قداسة معينة ولا صلاحيات حصرية لا يستطيع القيام بها غيرها. وإنما تملك وظائف واختصاصات مهمة تتمثل في قيادة الشعائر الدينية، والتعليم الديني، والقضاء، والفتوى. ومن الواضح أنه فيما عدا ممارسة الفتوى، وربما المشيخة الصوفية؛ فإن القيام بهذه الوظائف رهن بالتنسيق مع الدولة أو التكليف أو الإذن منها. وكانت العلاقة بين الطرفين مقبولة أو ودودة في معظم العصور، لكنها ما عادت كذلك اليوم لعدة أسباب. فالدولة الوطنية العربية تملك بالإضافة إلى الدعوى السيادية القوية، دعوى تحديثية وتنموية. وقد رأت أنظمة عديدة أن المؤسسة الدينية ورجالاتها لا ينخرطون على النحو المرغوب في الآيديولوجيا الوطنية التحديثية، ولذلك ضغطت كثيرا على المؤسسة الدينية وسلبتها أكثر صلاحياتها. أما الدول العربية الكبرى التي لم تلغ أو تضطهد المؤسسة؛ فإنها استتبعتها، واستخدمتها في دعم شرعية سلطتها، مما أدى إلى إضعاف حجيتها لدى الجمهور، وقوّى الحركات الثورية الإسلامية عليها. وقد لاحظت أن الحركات الأصولية هي الأكثر قوة في الدول العربية ذات النزوع الإلغائي، ثم ذات النزوع الاستتباعي. ولا شك أن العلاقة المضطربة بالدولة أثرت في وعي رجل الدين إما لجهة دفعه للامتثالية أو للتمرد. وفي الحالتين، لا تبدو أموره على ما يرام، لجهة قدرته على القيام بالمهام الباقية له، أي القيام بالشعائر وإدارة الحياة بالمسجد، والفتوى، والتعليم.

أما المسألة الأخرى التي أثرت وتؤثر بقوة في وعي رجل الدين وثقافته؛ فهو الانقلاب الفكري الذي أحدثته حركات الإسلام السياسي في فهم علاقة الدين بالدولة. فبحسب هؤلاء فإن الدين الإسلامي يقتضي إقامة الدولة التي تطبق الشريعة. فالإسلام بحسب حسن البنا هو: دين ودولة ومصحف وسيف. ويبلغ من قوة هذه الفكرة في العقود الأخيرة، أن أحدا من رجالات المؤسسة الدينية ما عاد يستطيع التصريح بمخالفتها، حتى لو لم يكن مقتنعا بها، وحتى لو خالفت مصالحه، بسبب وظيفته في الدولة القائمة.

وهناك أمر ثالث شديد الأهمية في وعي رجل الدين المسلم، وليس السني وحسب، في عالم اليوم. وهو يتصل بالجانب الثقافي أو رؤية العالم. فهناك منذ عقود منظومة آيديولوجية كاملة حول التغريب والتبشير والاستعمار والاستشراق والغزو الثقافي. وهذه المسائل المتباينة ربطها الإسلام الإحيائي معا في ذهن ذوي الثقافة الدينية. ويؤثر ذلك الوعي أو تلك الثقافة على رجل الدين المسلم بثلاثة أشكال؛ أولها ضعف الرغبة في اكتساب اللغات والعلوم المعاصرة. وثانيها عدم الميل للتحاور مع الآخر وفهم كيف يفكر وماذا يريد. وثالثها غلبة الطابع السلبي والساخط على خطاب ودروس الأوساط منهم والشبان في المساجد والمنتديات.

ولا شك أن ظهور «الدعاة الجدد» في الفضائيات، غيّر من المشهد. لكن وعي رجل الدين أو الدعوة ما داخَلَه تغير كبير، وإن لم تعد مسألة انتمائه إلى المؤسسة الدينية أو عدم انتمائه مهمة؛ وذلك بسبب الانتشار والتناثر الواسع في الرموز والمرجعيات.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |