السبت، 15 يناير، 2011

مقاول باطن اقليمى

مقاول باطن اقليمى
مصر مقاول باطن اقليمى

محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com


كانت مصر حتى حرب 1973 ، هى اللاعب الرئيسى فى الوطن العربى .
أو بلغة المهندسين ، كانت هى المقاول العمومى فى المنطقة ، فهى تتحرك و تعمل لحسابها ووفقا لأجندتها المستقلة .
أما الآن ومنذ أكثر من ثلاثة عقود ، فلقد تحولت الى دور المقاول الصغير ، الذى يعمل لصالح ومن باطن الولايات المتحدة الأمريكية التى أصبحت هى المقاول العمومى الجديد والوحيد فى المنطقة .
فكل ادوار مصر وسياستها الخارجية تتحدد طبقا للأجندة الأمريكية:
افعلى هذا ، لا تفعلى ذاك
تدخلى هنا ، ليس لك شأن هناك
وهكذا .
* * *

ورغم ذلك لم تحظ مصر بالدور الرئيسى فى مقاولات الباطن الأمريكية فى المنطقة.
لأن اسرائيل هى التى تحتل هذه المكانة .
فهى التى تقوم بأعمال الهدم والبناء الأساسية .
و الأعمال التى تعجز عنها ، يقوم الأمريكان بتنفيذها بأنفسهم ، كما حدث فى العراق .
اما مصر وأخواتها ، فتسند لهم بعض مهام "التفنيش" مثل الترميمات والصنفرة والدهانات .
فهى مجرد مقاول باطن صغير لأعمال التشطيب التى يرغب فيها الأمريكان لتمرير وتجميل وشرعنة مشروعاتهم العدوانية فى المنطقة .
* * *

أقول هذا بمناسبة اجتماع القمة الأخير بين قادة مصر وليبيا وموريتانيا مع الرئيس السودانى فى أواخر ديسمبر 2010، لإقناعه بتمرير انفصال الجنوب الذى يسمونه استفتاء .
فعلى الأغلب ، ان هذه الزيارة وهذا الدور الصغير المحدود جاءا بتكليف امريكى صريح .
اما الطبخة الكبرى فلقد تولاها الأمريكان والأوروبيون والصهاينة بأنفسهم .
فمنذ منتصف التسعينات وهم يعدون لهذا الانفصال من خلال سلسة من الخطوات المتتالية:
بدأت بفرض سلسلة عقوبات على السودان
وبضرب مصنع الشفاء للأدوية .
وباشعال الحرب الاهلية مع الجنوب
ثم بدعمه بالسلاح الامريكى والصهيونى
وكذلك دعم دول الجوار السودانى : اثيوبيا واوغندا واريتريا وكينيا للتحرش بالسودان عسكريا وسياسيا .
وتكليف منظمة الإيجاد بالجانب السياسى والاخراج القانونى .
واستبعاد قاطع وصريح لأى دور مصرى او ليبيى او عربى فى هذا الملف .
والضغط بشدة لتوقيع برتوكول ماشكوس 2002 و نيفاشا 2005 .
وتوظيف البعثات والقوات الدولية فى السودان و التى شاركت فيها مصر ، للدفع فى هذا الاتجاه .
وتوظيف المحكمة الجنائية الدولية لابتزاز القادة السودانيين والضغط عليهم .
ووضع ملف السودان تحت الباب السابع من ميثاق الامم المتحدة الذى يبيح استخدام القوة .
الى ان استوت المسائل وجهزت الساحة .
ليتم الانفصال الاستفتائى تحت سيف الإكراه الامريكى فى 9 يناير 2011.
وهنا تُكَلف مصر بمهمة صغيرة ولكنها ضرورية بإيصال رسالة تهديد للسودانيين أن " يمرروا الانفصال والا ستكون العواقب وخيمة "
فتفعل .
* * *

و لم تكن هذه هى المرة الاولى
فسياسة مصر الإقليمية فى العقود الثلاث الماضية ليست سوى أعمال تنفيذية لتكليفات من هذا النوع .
وللتذكرة :
من 1982 حتى 1993 تشارك مصر فى الضغط على منظمة التحرير الفلسطينية للاعتراف باسرائيل والتنازل عن فلسطين التاريخية ، وتنجح فى مهمتها .
وفى الفترة من 1982 الى 2010 تقود مصر كل الأنظمة العربية فى اتجاه انهاء الصراع العربى الصهيونى ، والقضاء على أى إمكانية للمواجهة المسلحة ، وتسييد منهج التفاوض هو الخيار الوحيد ، مع الاكتفاء بحدود 1967.
وفى 1991 تشارك مصر وأخواتها بقوات رمزية مع قوات التحالف الغربى بقيادة الأمريكان لإضفاء شرعية على الاحتلال الأمريكى للخليج والتدمير الأول للعراق فيما عرف باسم حرب تحرير الكويت .
وفى الفترة من 2003ـ 2010 تسمح مصر بعبور البوارج والطائرات الحربية الأمريكية فى قناة السويس والمجال الجوى المصري وتشارك فى تدريب الشرطة العراقية ، وتعترف بنظام الاحتلال هناك بإرسالها ببعثة دبلوماسية مصرية .
وفى الفترة من 2005 ـ 2010 تشارك مصر فى الحصار المفروض على غزة ونزع سلاح المقاومة ، وفقا لمتطلبات الأمن الاسرائيلى فتوقع اتفاقية فيلادلفيا عام 2005 ، وتغلق معبر رفح ، وتبنى الجدار الفولاذى لتدمير الأنفاق 2009.
وفى الفترة من 1974 حتى 2010 ، تعمل الادارة المصرية على تصفية وملاحقة كل القوى الوطنية المصرية المعادية للكيان الصهيونى وللهيمنة الأمريكية .
والقائمة طويلة .
* * *

أما المقابل الذى يمنحه الأمريكان لنظامهم و مقاولهم الصغير فى مصر ، فهو حمايته واطاله عمره وتغطيته دوليا فى كل ما يفعله فى أهل مصر وشعبها .
* * * * *

القاهرة فى 30 ديسمبر 2010

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |