الأحد، 9 يناير، 2011

كهنوت المحاربين - ريتشارد كوين - مقالات وأعمدة - جريدة الشروق

كهنوت المحاربين - ريتشارد كوين - مقالات وأعمدة - جريدة الشروق
كهنوت المحاربين أقدم لكم هنا مفارقة. فالجيش الأمريكى الذى حارب فى فيتنام جرى توبيخه ولم يُبصق عليه (فتلك أسطورة حضرية) إلا أنه لم يحظ بقدر كبير من الإعجاب كذلك. فى المقابل، تم احتضان وامتداح كل من جيش العراق وأفغانستان. على الرغم من أن الأول كان جيشا من الشعب والمجندين وما شابه، والثانى جيشا من المتطوعين الغرباء عن معظمنا. فما الذى يجرى؟ الإجابة التى يهيأ لى أنها قول مبتذل هى: الألفة تولد الاحتقار.

كلمة «يهيأ لى» التى ذكرتها فى الفقرة السابقة ليست عبارة عن وقفة مصطنعة وإنما شعور حقيقى. فقد حدث أن كنت فى جيش فيتنام. وكنت أقوم بخدمة فاعلة كجندى احتياطيا، ليس لفترة طويلة، بل لفترة تكفى لكشف كل غموض الجيش. وقد وجدت أن الجيش ليس أفضل من المؤسسات الكبرى الأخرى ولا أسوأ منها. فبعض قادته حمقى وبعض جنوده لصوص وكان الجميع يبذرون المال وكأنه ليس هناك غد. وهذه حقيقة كان الجميع يعرفونها.

لم يعد الأمر كذلك. فى بعض الأحيان أظن أنى الشخص الوحيد الذى كان فى الجيش. وهذا لأن معظم الناس الذى أعرفهم مهنيون حاصلون على شهادات جامعية، وكثيرون منهم كُتَّاب. لكن إذا ما اختلطت بالساسة وحتى موظفى البيت الأبيض لا يتغير شىء حينذاك. كثيرون يعرفون التعبير lock `n load وضع خزنة الذخيرة ثم سحب أجزاء البندقية استعدادا لإطلاق النار (لكن قليلين جدّا يعرفون كيف يقومون به).

لقد جرى إبعاد الجيش هذه الأيام عن المجتمع بصورة عامة. فهو إلى حد كبير أبيض، وطبقا لما تقوله دراسة مؤسسة هيرتدج فهو جنوبى على نحو غير متناسب. ذلك أن نيو إنجلاند غير ممثلة وكذلك المدن الكبرى، لكن الفقراء لم يعودوا علف المدافع وإن كانوا كذلك فى يوم من الأيام وأيضا السود. فجميعنا نحارب ونموت حسب نسبتنا إلى عدد السكان.

لقد تمكن جيش المتطوعين الأمريكى من الدخول فى حربين فى وقت واحد، بينما الكثير من مواطنيها لا يعرفون خسارة بشرية واحدة، أو حتى يعرفوا أى شخص حارب خارج البلاد. هذا جيش جرى تجنيده تبعا للثقافة والطبقة حيث أُغرى ولم يُكره، وجرى تلقينه كل الأقوال المبتذلة المناسبة لخدمة الوطن، ويتم تقدير الأمر وإعطاؤه صبغة رومانسية من قبل هؤلاء الأشخاص مثلنا الذين لن يفكروا ولو للحظة القيام بالشىء نفسه فى خدمة الوطن. أظن أن الصورة اكتملت لديكم.

وبمناسبة الحديث عن الصورة، ما هو الخطأ الذى يعتريها على وجه الدقة؟ شيئان. أولا: يمكِّننا هذا الجيش النائى من خوض حروب لا يبالى بها الجمهور العام فى مجمله. ولو كان هناك تجنيد إجبارى ما كان لحرب العراق أن تُخاض وإلا كانت ستفرز تلك الاحتجاجات الأهلية الخاصة بحقبة فيتنام.
ما جعل محنة العراق ممكنة الحدوث هو الجيش المحترف والوقوع فى الديون. ولم يكن جورج بوش بحاجة إلى جسدك، أو على المدى القصير إلى مالك. فالجنوبيون كانوا سيحاربون والأجانب كانوا سيدفعون ثمن شراء السندات. ولأسباب مفهومة، لم تخرج أغنيات عظيمة من الحرب فى العراق.

المشكلة الأخرى هى أن الجيش أصبح شيئا من الكهنوت. فهو يُعبَد افتراضيّا لصفاته المثيرة للإعجاب، بينما أفراده الأقل حظّا من الإعجاب لا يذكرهم أو يعرفهم أحد. وهو يتمتع بمكانة يصعب كثيرا على المدنيين العاديين التشكك فيها هل تذكرون الرئيس المطلق؟ أيزنهاور أمكنه أن يفعل ذلك لما لديه من نجوم على كتفيه عندما حذر من المجمع العسكرى/الصناعى، حينها أبدى الناس بعض الاهتمام.

خاض هارى ترومان حربا عالمية وخاض جون كنيدى وجيرالد فورد الأخرى. لكن خزانة المحاربين القدماء خاوية، وهناك عدد قليل من المواطنين ممن لديهم الخبرة والمكانة للشك فى الجيش. وهذا سبب آخر للحزن على وفاة ريتشارك هولبروك. فقد تعلم فى فيتنام أن النجوم لا تساعد على الوقوع فى الخطأ، لكنها تساعد فى بعض الأحيان على الغطرسة.

تميل الحروب الصغيرة إلى الانتشار. لأن الفوضى تغذيها. فموظفو الحكومة فى نيفادا يوجهون الطائرات بلا طيار لقتل المتمردين فى أفغانستان. ويمكن الشعور بالتداعيات بعد سنوات. فنحن نقتل ببرود، لأسباب تتعلق بالسياسة، بالضبط مثلما نحذف ــ لأسباب تتعلق بالذوق ــ ذلك السطر من أفلام المافيا: لا شىء شخصيا. لكن الانتقام يرتد ساخنا وغاضبا. إنه شخصى، ولم نعد نتذكر السبب.

لقد جاء إعادة تقييم أفغانستان الكبير ومضى، ولم يعره أحد قدرا كبيرا من الاهتمام سوى فى بعض الدوائر بعينها. وفى هذا الصدد، أصبحت الولايات المتحدة كالإمبراطورية الرومانية أو البريطانية، قادرة على خوض الحروب غير المهمة بجيش محترف فى أماكن كالعراق. وفى النهاية تستنزفنا ماليّا، وكذلك روحيّا إلى حد ما. فهناك حكمة قائلة ان «الحرب أهم من أن تُترَك للجنرالات». إنها أمر شديد الرعب كذلك.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |