الأحد، 12 يونيو، 2011

نص مقالة الشيخ نعيم قاسم : " نحو مشروع النهضة العربية الجامعة " وتعقيب أ.حسن ملاَّط عليها

نحو مشروع النهضة العربية الجامعة


04 حزيران 2011 نعيم قاسم - "السفير"



شكلت المقاومة منعطف التغيير الحاضر، وإن 25 أيار سنة 2000 هو فاتح باب الانتصارات في القرن الحادي والعشرين، هذه الانتصارات فُتحت أبوابها ولا إمكانية لإغلاقها، ونحن معنيون في المواقع الشعبية المختلفة أن نحافظ عليها. إنجازات الانتصار في كل اتجاه، في الاتجاهات الثقافية والعسكرية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية، ولا تنحصر في بابٍ واحد، لذا علينا أن نخوض في كل المجالات لتثمير هذا الانتصار.

مشروع النهضة العربية

كلما تكثفت دوائر الاهتمام في أمتنا للبحث عن المشتركات الموجودة بيننا كلما حققنا إنجازات أكبر. نحن ندعم كل صورة من صور العمل الوحدوي، سواء اتخذ صفة اجتماع الأحزاب أو القوى أو المؤتمرات أو الشخصيات أو الأفرقاء في أي موقع من مواقع عملنا العربي في هذه المنطقة على امتدادها، أو غير ذلك... ونعتبر أن أي عمل وحدوي مشترك يجب أن يكون خاضعاً لثابتتين اثنتين، ولا إمكانية لقيام مشروع النهضة العربية إلاَّ بهاتين الثابتتين الصالحتين من أجل أن نجتمع ونتعاون مع بعضنا.

أما الثابتة الأولى: فهي مشروع المقاومة، المقاومة التي تجمع، والمقاومة التي تحرر، والمقاومة التي لا تبحث عن سلطة وتوزيع المغانم. مشروع المقاومة محوره محور الصراع في منطقتنا، وهو فلسطين، من لم يؤمن بتحرير فلسطين كرمزٍ وقلبٍ للصراع لا قيمة لمقاومته في هذه المنطقة، ولو رفع شعاراتها، ما لم تكن فلسطين قبلة التحرير. وهذه ليست منَّة على فلسطين, بل لأن فلسطين هي المدد والعطاء والأساس والتغيير والثورة والانطلاقة. بعضهم يفكر بفلسطين من الناحية المبدئية والإيمانية والقناعات والوجدان، وأقول للبعض الآخر حتى ولو فكرتم بفلسطين من موقع مكاسبكم فاعلموا أن فلسطين المحررة هي طريق التحرير لكل الوطن العربي، وأن فلسطين المغتصبة هي التي ستخيم على اقتصاد كل العالم العربي، تحت عنوان: قوة إسرائيل ومكانة إسرائيل ومشروعية وجود إسرائيل، من هنا نحن ندعو إلى المقاومة، ونذكر لها أربعة مرتكزات:

الأول: نحن نؤمن بكل أشكال المقاومة، وعلى رأسها المقاومة العسكرية، ونعتبر أن المقاومة بالقلم والدعاء والمال والموقف والسياسي، من الكبير والصغير وفي المواقع المختلفة، كلها تصب في خانة المقاومة، ولا نقبل أن يجري تمييز بين مقاوم وآخر في أي موقع، فلكلٍ قدرته، المهم أن نتكامل مع بعضنا وتكون البوصلة واحدة وهي مواجهة العدو المحتل لفلسطين.

الثاني: لا نقبل بتصنيف المقاومين على أساس البعد الأيديولوجي، فلكلٍ الحق أن يحمل الأفكار التي يريدها، ومن رأى حسابه عند الله فحسابه عند الله جلَّ وعلا، ومن رأى حسابه في مكانٍ آخر فله أن يؤمن بما يؤمن، وغداً نلتقي في يومٍ من الأيام. نحن نهتم بالعنوان المقاوم، ولا نلاحق ولا نسأل ولا نغوص في تفاصيل الاعتبارات الفكرية أو القناعات التي يحملها الأفراد أو الجهات، وهذا من مصلحة المقاومة كي نجتمع ونتقوى ببعضنا، نعم علينا أن نستفيد من تجاربنا، ومن قدراتنا، وأن نعيد النظر في بعض خطواتنا أو أفكارنا من خلال الحوار، وهذا أمرٌ مطلوب، وأن لا نجمد على قناعات قد تكون غير قادرة على مواكبة الواقع المعاصر لكن في النهاية علينا أن نقبل بعضنا كمقاومين بصرف النظر عن المنطلقات التي أوصلتنا إلى المقاومة.

الثالث: رأس الحربة في كل مقاومة في منطقتنا إنما تكون بالأولوية لأصحاب الأرض المباشرين ونحن معهم، ففي فلسطين الفلسطينيون هم رأس الحربة ونحن معهم، وفي لبنان اللبنانيون رأس الحربة ونحن معهم، وفي العراق العراقيون رأس الحربة ونحن معهم، ومن الخطأ أن تحل أي جهة نيابة عن الجهات الأخرى أو أن تستغفلها، أو أن تكون في موقع يحاول أن يوجهها وكأن المقاومة حكرٌ على جهةٍ دون أخرى. لدى شعوبنا كل الخير، وكل شعب يتحرك في وطنه من أجل المقاومة ونحن معه نناصره وندعمه ونتعاون معه، وليكن اسم التحرير معنوناً بحركته، نحن لا نبحث عن العنوان إذا انتصر أي واحد في منطقتنا العربية، فنحن منتصرون ولو لم يكن اسمنا على لوحة الانتصار، يكفينا أن يمتد أريج الانتصار إلى كل بيتٍ ودسكرة ولو لم تُعرف الأسماء ولا العناوين.

الرابع: هذه المقاومة هي حالة، ممتدة عبر الزمن وفي الحاضر ويجب أن تمتد إلى المستقبل، والحالة تمر بتجارب مختلفة، وتستفيد من خبرات بعضها بعضاً. لا أحد يحتكر المقاومة ولا أحد يعتبر نفسه قائداً أو حاملاً أو حامياً لهذه المقاومة، كلنا نستفيد من بعضنا. وبمحطات الزمن تبرز هذه المقاومة أو تلك، فهذا الأمر يتبع الظروف وقرار التصدي، لمن لديه الحيوية وهيأ المقومات وجعلها من مسؤوليته وأولويته، ولذلك نحن نعتبر المقاومة واحدة في تاريخها وحاضرها ومستقبلها بتجارب متعددة ونماذج مختلفة، ولكل نموذجٍ طعمه، وليختر الناس الطعم الذي يحبونه من هذه النماذج.

الثابتة الثانية: مواجهة المشروع الأميركي بمفرداته الاستكبارية الاستعمارية، وهذا ما يتأسس على أمور ثلاثة:

الأول: يجب وقف الوصاية الأمريكية على الدول والشعوب، وكذلك طرد الأنظمة المستبدة والعميلة أو الشروط التي تساهم في تعطيل قدرات شعوبنا في هذه المنطقة، ولذلك نحن ضد أي شكل من أشكال الوصاية الأميركية سواء دخلت من الشباك أو من الباب، أكانت بتدخل مباشر، أو بالحيلة التي تأتي تارة تحت عنوان المساعدات، وثانية تحت عنوان التدريب، وثالثة تحت عنوان الخبرات، ورابعة تحت عنوان شهادات تمنح من الكونغرس الأمريكي.

الثاني: نرفض مشروع الشرق الأوسط الجديد بحلته الجديدة بعد أن سقط من بوابة حرب تموز سنة 2006، مهما كان هذا المشروع، طالما أن قيادته أميركا وأن مركزيته إسرائيل، وبالتالي من حقنا في وطننا العربي أن يكون لنا مشروعنا، وعلى الآخرين أن يقبلوا مشروعنا الشعبي، ولن نقبل أن يفرض علينا أحد تحت عنوان آحادية السلطة في العالم مشروعاً، سواء سُمي بالشرق الأوسط الجديد أو بغير ذلك.

الثالث: نؤكد على أهمية الخيارات الشعبية الحرة، ونضع علامات استفهام كبيرة على الخيارات الشعبية التي تحركها المساعدات الأميركية والأوروبية، لأن هناك خطر كبيراً أن يتحول الثوار إلى أدوات بيد المشروع الأميركي من غير أن يعلموا ذلك، من هنا نحن مع خيارات الناس في مواجهة أوضاعهم في بلدانهم، ضمن حوار مع السلطة أو معارضة لها، شرط أن تتحقق النتائج بناء على الحراك الداخلي والنتائج الداخلية، لا بناءً على الاستعانة بالأجنبي مهما كانت عناوين ومبررات هذه الاستعانة.

على هذا الأساس نحن نعتبر أن الثابتتين الجامعتين لنهضة عربية حقيقية : دعم المقاومة، ومواجهة المشروع الاستكباري. من آمن بهاتين الثابتتين فنحن معه، ومن لم يكن معهما نحاوره أو نختلف معه، ولكننا في مسار وخيار يختلف عن مساره وخياره.

مصر الثورة

الثورة المصرية الشعبية قدَّمت إنجازاً كبيراً وهيأت لتحولات كبيرة في منطقتنا، ولو لم يحصل في مصر إلاَّ سقوط المخلوع حسني مبارك لكان أمراً عظيماً. لكن علينا أن نلتفت كي لا تأخذنا بهجة الانتصار، فمن ناحية أن لا نطلب كل شيء من الثورة المصرية وهي لا زالت فتية, ومن ناحية أخرى لا نستعجل نتائجها وهي ما زالت في طور التكوين والإعداد، وقد سبق العمل فيها القول، وسبق الشعب الأحزاب، وسبق التغيير الاستعداد للتغيير، ما يستدعي إعطاءها الفرصة لتتخطى هذه المرحلة، ولكن أذكِّر بثلاثة أمور:

الأول: من المهم أن تبقى الثوابت الأساسية حاضرة في العمل وفي الثورة، وأن لا يتم التنازل عنها تحت أي عنوان أو ذريعة، بأن تبقى إسرائيل عدواً، وعند العجز عن إعلان ذلك بوضوح لا لُبس فيه لظروفٍ استثنائية، فلا أقل من عدم وسمها بصفة الصديق، وهذا أضعف الإيمان بإنكار القلب بدل تحويل الإنكار القلبي إلى لسانٍ يدعم إسرائيل.

الثاني: أن نحذر من محاولات الالتفاف الأميركي على الثورة المصرية والتي تجري بشكل يومي وحثيث، فهذا خطر حقيقي.

الثالث: أن لا تشكل السلطة إغراءً للتنافس, ما يُبعد الثورة عن أهدافها، فليختر الشعب من يريد ولو أخطأ في خياراته - بحسب زعم البعض-، وليكن الاهتمام لأي موقع حزبي بدعوة الناس وتعبئتهم وتثقيفهم لتحسين خياراتهم، ولكن على الجميع أن يحترم خيارات الشعب.

واقع الثورات العربية

بكل صراحة نحن نعتبر أن الحالات العربية التي نعيشها اليوم والثورات العربية ليست متشابهة، دعونا ندخل إلى العمق وإلى التفاصيل أكثر لنحدِّد موقفنا :

أولاً: هناك نموذج مصر وتونس، هذا النموذج أنجز الخطوة الأولى على طريق الانتصار بإزاحة الحاكم المستبد، وأمامه خطوات طويلة إلى الأمام، نأمل أن ينجح أخوتنا في مصر وتونس لتحقيقها بعيداً عن توجيهات أميركا ومن وراءها.

ثانياً: ليبيا واليمن، تتداخل فيهما مصالح المستكبرين المستعمرين مع متطلبات الشعبين هناك، ما يجعل الإرباك واضحاً بحسم نتائج المواجهة، وما يضعهما في دائرة الحذر الشديد لما يمكن أن تصل إليه النتائج، وهذا ما يتطلب تعاملاً حذراً ودقيقاً لمصلحة الشعب طبعاً.

ثالثاً: ما يحصل في البحرين، حيث يوجد شعبٌ مظلوم بالتآمر الدولي عليه، ولكن لن ينجح النظام البحريني في طريقة أدائه باستمراره في القمع، وفي النهاية كلمة الشعب لا بدَّ أن تترك أثراً.

رابعاً: في سوريا تتداخل المطالب الشعبية مع التآمر الخارجي، بحيث بلغ حجم التآمر درجة جعل المسار في الاعتراض ينحو منحى الفتنة، بينما المطلوب أن ينجز المسؤولون في سوريا بالتعاون مع الشعب السوري إصلاحات حقيقية جدية ومطلوبة، ولكن في آنٍ معاً لا يجوز الذهاب إلى المجهول بأدوات الدعم الأجنبي والتفجيرات التي لا تحمل أفقاً إلاَّ التخريب والفوضى.

أعتبر أن سوريا قطعت مرحلة إيجابية حتى الآن، ودليلي على ذلك ليس ما يحصل في سوريا، وإنما ما يحصل من تكثيف العقوبات الأميركية والأوروبية يوماً بعد يوم، لأنهم خائفون أن تتعرض فتنتهم الوليدة لانتكاسات اضافية، ولذا يكثفون العقوبات لتعويض نقص الأوكسجين في الداخل، نحن ندعو إلى معالجة الوضع في سوريا بالتعاون بين النظام والشعب، والاستماع إلى مطالب الناس وإيجاد الحلول الموضوعية، فالوضع في سوريا يختلف عن البلدان الأخرى.

خامساً: لفتني أولئك الوسطاء العرب الذين يريدون معالجة مشاكل بعض الأنظمة العربية مع حكامها، وهم هرمون ويعانون من أمراض مزمنة، ولعلَّ الله يوفق أن نرى نتائج إيجابية في مواقع الاهتراء قريباً في واقع تلك الأنظمة العربية.

مشروعان متقابلان

لقد سمعنا خطاب أوباما، وأذكر أن أحد الصحفيين سألني قبل الخطاب: ما الذي سيقوله أوباما في خطابه بحسب اعتقادكم؟ قلت: لا شيء. قال: وكيف، وكل وسائل الإعلام والمحللين ينتظرون هذا الخطاب؟ قلت له: سيبحث عن آيات قرآنية يتلوها، لكنها من قرآن لا علاقة له به، إلاَّ أن بعض ضعاف النفوس يقبلون التخدير على أنغام تلاوة الآيات، لأنهم لم يعتادوا العمل بها، فيقبلونها بالنطق دون العمل، وهكذا هو أوباما.

ذكَّرنا أوباما بالسياسات الإستكبارية الظالمة للإدارات الأميركية المتعاقبة، وأعلن بوضوح بأن أمريكا ما زالت منحازة إلى إسرائيل الدموية والعنصرية والمجرمة، وأنه يحمل عدائية مفرطة تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه المقاومة الحرة الشريفة في كل منطقتنا، وقد أصبح واضحاً, فحيث يكون الموقف الأمريكي يكون الظلم والعدوان والاستبداد، وحيث الموقف المقابل سنجد المقاومة والحرية والتحرير.

نحن مع محور المقاومة والممانعة، نعم بكل وضوح، نحن مع إيران وسوريا والمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، نحن مع كل الشعوب الذين رفعوا قواعد المقاومة لمواجهة الاستكبار الأمريكي، نحن مع فجرٍ جديد نصنعه بأيدينا، ولسنا بحاجة للمساعدات الأمريكية ولا لغيرها، ولسنا بحاجة لتعليمات مجلس الأمن ولا لرعايته، بأيدينا وبتظاهراتنا وبحريتنا ننجز تحرير أرضنا في لبنان وفي كل المنطقة، إن شاء الله تعالى.

* نائب الأمين العام لـ"حزب الله"





قراءة

ل"نحو مشروع النهضة العربية" للشيخ نعيم قاسم

نبدأ بتلخيص ما ورد في مقالة الشيخ نعيم قاسم في جريدة "السفير" اللبنانية في 4 حزيران 2011. يقول نائب الأمين العام لحزب الله اللبناني:

"نعتبر أن أي عمل وحدوي مشترك يجب أن يكون خاضعاً لثابتتين اثنتين، ولا إمكانية لقيام مشروع النهضة العربية إلاَّ بهاتين الثابتتين الصالحتين من أجل أن نجتمع ونتعاون مع بعضنا.

أما الثابتة الأولى: فهي مشروع المقاومة، المقاومة التي تجمع، والمقاومة التي تحرر، والمقاومة التي لا تبحث عن سلطة وتوزيع المغانم.

الثابتة الثانية: مواجهة المشروع الأميركي بمفرداته الاستكبارية الاستعمارية، وهذا ما يتأسس على أمور ثلاثة:

الأول: يجب وقف الوصاية الأمريكية على الدول والشعوب، وكذلك طرد الأنظمة المستبدة والعميلة.

هذه هي أهم النقاط الواردة في دراسة الشيخ نعيم قاسم والتي سوف نحاول قراءتها.

الملاحظة الأولى: تتعلق باعتبار الشيخ نعيم عدم ترجمة انتصار المقاومة على إسرائيل كوقائع سياسية على أرض الواقع على صعيد السلطة السياسية إيجابياً علماً أنه سلبي بجميع المقاييس.

1 - بعد انتصار ال 2000 ترك حزب الله جميع العملاء من دون أية ملاحقة، إكراماً للبطرك صفير أولاً، وحتى لا يُتهم بالطائفية ثانياً. ولكن النتيجة العملية التي حصلت عن هذا التصرف أن المحاكم اللبنانية قد أصدرت أحكاماً على العملاء تشجع على العمالة مع العدو بدلاً من أن تكون رادعاً لجميع من يفكر بالتعامل مع العدو في يوم من الأيام. وهذا ما جعل السطات الأمنية والعسكرية اللبنانية تفكك، بعد عدة سنوات، عشرات الشبكات التجسسية لصالح العدو الإسرائيلي، ومن هؤلاء من استمر على عمالته منذ ما قبل ال2000 .

2 – انتصرت المقاومة على إسرائيل في 2006 انتصاراً ترك أثراً كبيراً جداً على صعيد السلطة السياسية في كيان العدو، حتى بات الكلام عن عقم على مستوى السلطة السياسية في إسرائيل جائزاً. ورغم هذا الإنتصار المدوي لم يترجم حزب الله انتصاره هذا واقعاً في السلطة السياسية في لبنان. إن ما نتج عن ذلك هو إعطاء الحكومة اللبنانية الضوء الأخضر لمحاصرة المقاومة وإصدار القرارات الشهيرة في 5 أيار 2008 والتي أجبرت المقاومة على التصرف في السابع من أيار وإجبار الحكومة على تغيير قراراتها. ولكن الحكومة استمرت في الحكم. وكان هذا الإستمرار بفضل الممارسة الخاطئة لحزب الله، لأنه لا يريد أن يترجم انتصاراته على صعيد السلطة السياسية، ويريد التعفف عن استلام السلطة.

إن الجو الذي تركته حركة السابع من أيار في المناطق السنية كان مزلزلاً، حتى بات الجهر بتأييد المقاومة مغامرة لا تخلو من المخاطر. ولا يظنن أحد أني أبالغ في هذا الكلام. ولا بد من إشارة هنا، حول عدم استشارة المقاومة لحلفائها العضويين من التنظيمات والمجموعات والشخصيات من أهل السنة الذين كان بإمكانهم النصح بكيفية التعامل مع هذه الساحة حتى تعود المياه إلى مجاريها.

المهم في هذا العرض هو الإستنتاج التالي: إن القيام بممارسة سياسية ما، تفرضها الوقائع العيانية وليس أي شيء خلاف ذلك. إن ترجمة انتصار المقاومة عملياً على صعيد السلطة السياسية لم يكن ليترك آثاراً سلبية على أرض الواقع اللبناني، ذلك أن تأييد الناس للمقاومة وخاصة في الطائفة السنية لم يكن يجاريه تأييد أي من السياسيين اللبنانيين. قليلة هي البيوت التي لم تكن ترفع صور الأمين العام لحزب الله. أما في البيوت التي كانت تؤيد رفيق الحريري فكانت ترفع صور الحريري والأمين العام لحزب الله. ليس من الحكمة في شيء أن أعطي حرية التصرف للعدو، أو بصيغة أخرى ليس من الحكمة في شيء أن أعين العدو حتى يتآمر علي. إن الموقف السلبي من المقاومة والذي يميز الأكثرية الكبيرة من السنة في لبنان يشرب من كأس تعفف المقاومة عن ترجمة انتصاراتها على صعيد السلطة السياسية.

3 – لا يمكن لأي كان أن يحصل على شيئين متناقضين في الآن نفسه. إن من يريد أن يحارب إسرائيل لا يمكنه أن يحظى برضى الولايات التحدة والإتحاد الأوروبي. فإذا كان عدم ترجمة المقاومة انتصارها كوقائع على صعيد السلطة، هو حتى يظل لبنان تحت المظلة الأمريكية فهذا لن يكون إلا أضغاث أحلام. فالثابتة الأولى عند الإدارة الأمريكية هي مصلحة العدو الصهيوني ثم تكون المواقف من الدول تبعاً لذلك. من الذي ضغط على دول الخليج من أجل إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني؟ أليست هي مقايضة بين المحافظة على العروش والعلاقات مع الكيان الغاصب؟

مصالح المقاومة هي نقيض السياسة الأمريكية، من هنا ضرورة وجود سلطة سياسية تنسجم مع مصالح المقاومة، كمقاومة آنية ومستقبلية، لا سلطة تسمح للسفيرة الأمريكية أن تسرح وتمرح أنى شاءت، لتقوم بالتحريض على المقاومة، الشريكة في السلطة، في جميع مجالسها. كما وأن ممثل المقاومة في السلطة يتعامل مع مشاريع ال UNDP علماً أن هذه المؤسسة وشقيقتها USAID وغيرها من المؤسسات المشابهة يعيثون في بلادنا فساداً وإفساداً، وهي تتبع بالتالي للإدارة الأمريكية. وفي الحكومة السابقة سمح ممثل المقاومة لشركة ONDO الفرنسية بتخريب ونهب مؤسسات المياه في بلادنا. علماً أن المطلوب كان طرد هذه الشركات والمؤسسات لا التعامل معها.

العمل السياسي يتطلب التعامل مع الوقائع، ولا يكون تبعاً للرغبات.

4 – المقاومة، حتى يمكنها الإستمرار تتطلب وجود مجتمع مقاوم. والمجتمع المقاوم له ميزات لا يتمتع بها المجتمع اللبناني القائم اليوم. من هنا ضرورة تغيير بنية النظام في لبنان بحيث تتلاءم مع ضرورات المقاومة. إن مجتمعاً يقوم على الإستهلاك لا يمكن أن يستمر مقاوماً، من هنا ضرورة تطوير البنى الإقتصادية والسياسية بحيث يتحول مجتمعنا إلى مجتمع إنتاجي حتى لا نحتاج إلى أعدائنا لتأمين متطلبات حياتنا اليومية.

5 – مجابهة المشروع الأمريكي لمنطقتنا يتطلب أشكالاً مختلفة للمقاومة، منها السياسية والعسكرية وكذلك الإقتصادية. فارتباط الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي يعني تبعيتنا للأمريكي سياسياً وإقتصادياً. فبوجود التبعية لا تمكن المجابهة، خاصة أنه يمكننا أن نكون مستقلين. وعدم وجود برنامج إقتصادي إجتماعي للمقاومة لا يمكنها من مجابهة المشروع الأمريكي لمنطقتنا. ليس المهم وجود مشروع في الأدراج، إنما المطلوب برنامج يتم النضال من أجل تحقيقه وهذا ما لا نجد له صدىً على صعيد المقاومة في لبنان. إذ أن التغيير يتطلب أن يكون شاملاً على جميع الصعد. فلا يمكن للإنسان أن يكون ثورياً ورجعياً في آن.

6 – كما أن من الشروط الضرورية للمجتمع المقاوم أن لا يكون الشكل القائم للمقاومة اليوم، شكلاً سرمدياً، وهذا ما توحي به كتابة الشيخ نعيم عن المقاومة في لبنان. لا يمكن التحدث عن تثوير الطوائف أو المذاهب في لبنان، ولكن ما يمكن فعله هو أن الطليعة الثورية (حزب الله) يطور بنيته بشكل تضم كل الثوار اللبنانيين، حتى تصبح المقاومة متجاوزة لجميع الطوائف والمذاهب. هذا المنحى لا يمكن أن يصبح واقعاً إذا لم تعمل عليه المقاومة منذ الآن. وهذا الشكل ليس نهائياً أيضاً لأن ضرورات المقاومة ربما تفرض هوية مفتوحة للمقاومة بحيث تستوعب في صفوفها السوري والفلسطيني. فالأخطار جسيمة، إن مصادرة الثورات الشعبية من قبل الإدارة الأمريكية كما يتم في ليبيا بواسطة الحلف الأطلسي، وما يتم في اليمن عن طريق دول الخليج وما يتم في سوريا بتحويل الحركة الشعبية إلى انتفاضة مسلحة لا نعلم لمن تتبع قيادتها، كل ذلك يستتبع أن تكون المقاومة على أتم الجهوزية، ويفرض بالتالي أن تطور هذه المقاومة بنيتها بحيث تكون مستقبلية في كل المقاييس.

أخيراً، لا بد من شكر جهود الشيخ نعيم قاسم، كممثل للمقاومة في لبنان من وضعه نقاط هامة على طريق صياغة مشروع نهضوي لبلادنا، لا بد لكل من يتصدى لهذا الموضوع أن يستفيد منها.

هذه هي الملاحظات التي وددنا الإشارة إليها قصد إغناء البحث.

7 حزيران 2011 حسن ملاط

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |