الجمعة، 17 يونيو، 2011

الوطن أون لاين ::: علي الشريمي ::: أهمية مشاركة المرأة في الحركة الفقهيّة

آخر تحديث: الجمعة 17 يونيو 2011, 12:15 ص


أهمية مشاركة المرأة في الحركة الفقهيّة

عدم مشاركة المرأة في ميدان العلوم الدينية هو خسارة كبيرة ليس لكونها فقط تضيف رصيداً كمياً كجهد علمي مبذول، بل قد تقوم بدور مميز، وخاصة في مجال الأحكام والموضوعات الفقهية المرتبطة بشؤونها

لا يزال موضوع المرأة في هذا العصر محط اهتمام كافة المجتمعات البشرية على شتى الأصعدة، وتشتد بشكل كبير في الحضارة الغربية، فهناك الكثير من المؤتمرات والملتقيات العالمية تُعقد من أجل الدفاع عن حقوق المرأة وحمايتها من العنف، وكذلك اجتهاد الشرائع الدولية والأنظمة الوضعية في خلق قوة قانونية تنتصر لها، علاوة على سيل لا ينقطع من البرامج الإعلامية والثقافية، عبر الأفلام والمجلات، والمؤسسات الاجتماعية الضخمة، التي تدفع بهذا الاتجاه، كل ذلك من أجل إبراز النموذج الحضاري للمرأة الغربية.
أما المرأة في مجتمعاتنا فما زالت مع الأسف الشديد تعيش واقع الجمود الذي يشل حركتها، ويحجم دورها، ويصادر الكثير من حقوقها المشروعة، بمبررات زائفة تنسب إلى الدين وما هي في حقيقتها إلا عادات وتقاليد.
نعم، هذا الحراك العالمي في الخارج لتحرير المرأة وإن كان قد أُلقي بظلاله علينا، إلا أن الحركة النسوية في داخل مجتمعاتنا ما زالت بطيئة.
إنني أتساءل: إذا كانت الحضارة الغربية قد روجت للمرأة وبشرت برؤيتها وثقافتها، أليس من الضروري أن تبشر مجتمعاتنا الإسلامية بالمرأة، بدل الاكتفاء بالتوجس والقلق من تأثرها السلبي بالحضارة الغربية؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا فعلنا لكي تكون المرأة صاحبة رأي في مجال الفكر والتشريع الإسلامي؟ هل أنوثتها تقصر بها عن بلوغ هذا المقام وتبقيها ضمن حدود التبعية للرجل؟ هل المؤسسة الفقهية هي مؤسسة ذكورية لا مكان فيها للنسوية؟ هل حركة "الفقاهة" محظورة على النساء؟
إنه أمر يدعو للغرابة! كيف تعالج المرأة في مجتمعاتنا هذه الازدواجية والتناقض بين دين إسلامي عظيم مبدؤه العدالة، والمساواة، والإنصاف للمرأة، وإقرار لحقوقها وبين واقع تجاهل معنون بالإسلام؟
إن مشاركة المرأة في النشاط الفكري والشرعي الإسلامي سيضيف رصيداً كبيراً في خدمة البحث العلمي الديني، فالمرأة كالرجل منحها الخالق – سبحانه وتعالى- نعمة العقل، وقدرة الإدراك والمعرفة، نعم في الماضي السحيق وفي عقيدة القدماء وفي بدايات عصر النهضة كانت النزعة الذكورية على أشدها؛ نتيجة أن الفرص لم تكن متاحة للمرأة كما الرجل، ولكونها تزيد أمية عن الرجل، هذا الكلام يتردد حتى في فلسفة "كانط" وهو من فلاسفة عصر النهضة حيث يعتبر أن الموجودات المستقلة وحدها التي تتمتع بقوى إدراكية مستثنياً منها المرأة، فهي مخلوق أدنى على مستوى الفكر والإدراك، ولا أحتاج أن أثبت العكس فهناك الكثير من الدراسات والإحصائيات الحديثة التي تشير إلى تفوق المرأة على الرجل على الصعيد العلمي والمعرفي، ناهيك عن الدراسات البيولوجية، فهذه الموسوعة العربية العالمية تشير إلى أن خلايا الدماغ للنساء تزيد بحوالي 10% عن خلايا دماغ الرجال بالرغم من أن دماغ الرجال أكبر حجماً، فكبر الحجم لا يؤثر في مستوى فاعليته فدماغ الفيل مثلاً أكبر بكثير من دماغ الإنسان.
إن عدم مشاركة المرأة في ميدان العلوم الدينية هو خسارة كبيرة ليس لكونها فقط تضيف رصيداً كمياً كجهد علمي مبذول، بل قد تقوم بدور مميز، وخاصة في مجال الأحكام والموضوعات الفقهية المرتبطة بشؤونها، فإذا امتلكت المرأة ملكة الاستنباط والقدرة على الاجتهاد ضمن معايير منهجية علمية فقد يكون تشخيصها أعمق وأدق، وهذا لا يعد تنقيصاً في فقاهة الرجل، ولكن في ذات الحال لا يمكن إنكار النزعة الذكورية في شخصيته، وكذلك زخم الآراء، والأطروحات، والأفكار الذكورية المحيطة به، فهو ليس آلة إلكترونية ينجز أموره بشكل معزول عن عواطفه ومشاعره وتأثره بما حوله.
إن كتب التاريخ الإسلامي تكشف لنا العديد من النساء اللاتي كن يمثلن دوراً رئيسياً في ميدان الفضيلة والعلم الشرعي والمعرفة الدينية، فهذه (بلقيس) ملكة سبأ، و(آسيا بنت مزاحم) ملكة مصر، وكذلك نسمع عن السيدة نفيسة في مصر التي كان لها أثر علمي في فقه عالمين كبيرين من أئمة المسلمين وهما الشافعي وابن حنبل، ناهيك عن العدد الكبير للمحدثات اللاتي اهتممن برواية الحديث النبوي في القرن الثامن الهجري.
إن تغير نظرة رجال الدين والمجتمع الديني للمرأة يرتبط بالإجابة عن سؤالين: ما هو التصور الموجود لدى المرأة عن نفسها؟ وما هو تصورها لتصور الرجل لها؟
إني أعتقد أن على النسوية أن تدخل بنفسها إلى عالم الفقاهة والفكر الشرعي؛ حتى تملك بنفسها تصوراً عن الدين، بعبارة أخرى؛ إن النسوية الآن تعني النظر إلى العالم برؤية نسوية.
إن الحركة النسوية تؤكد أن نظرية المعرفة لا تزال أحادية، تعتمد على العقل فقط، ولا ترى للعواطف والأحاسيس دوراً، إن هذه الطريقة من التعاطي مع الواقع الخارجي يشوبها ضعف؛ لأنها قد تجردت من العواطف والأحاسيس بشكل كامل، والأصل أن ينظر الإنسان إلى الواقع الخارجي بكل وجوده.
أقول أخيراً: إن النسوية تعني أن ما هو موجود الآن هو سيادة النزعة الذكورية للعالم الخارجي، والآن تسعى المرأة لأن تكون لها رؤية نسوية للعالم الخارجي، في إطار التكامل لا التفاضل، وبالتالي يقتضي منا بدءاً عمل لجنة نسائية في المجمع الفقهي، وصولاً في المستقبل القريب إلى مجمع فقهي مستقل بالنساء.

علي الشريمي

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |