الاثنين، 26 مارس، 2012

As-Safir Newspaper - ساطع نور الدين : جريمة حرجة

جريمة حرجة




ترى هل يمكن أن يصبح تنظيم القاعدة ملجأ لكل مراهق طرده أهله من البيت الى الشارع، لسوء سلوكه وتعليمه، فلم يجد مكانا أو مؤسسة أو حتى مسجدا يلوذ به، فقرر أن يكون إرهابيا عالميا، ينفّذ عملية إجرامية تتحول على الفور الى قضية دولية.
لم يكن هذا بالواقع هو الانطباع الذي تكوّن من جريمة مدينة تولوز الفرنسية ونهايتها المأساوية، لأن البيان المنسوب الى التنظيم، تحت اسم «كتيبة جند الخلافة... سرية طارق بن زياد»، وأعلن المسؤولية عن العملية وتبنى منفذها المواطن الفرنسي ذا الاصل الجزائري محمد مراح، كتبه كما يبدو موظف صغير في جهاز استخبارات ما، اخطأ في تحديد تاريخ الجريمة وفي تحديد هوية المجرم، ثم في استخدام مفردات غريبة على خطاب « القاعدة « وادبياته، التي لم تسجل من قبل وجود ما يسمى بـ« الصهيو ـ صليبية في العالم كله»، على ما جاء في البيان الذي اعتمد على الأرجح على تركيب صيغة يسارية اسلامية في جملة واحدة تجهل ان التنظيم الاسلامي لا يميز الفارق بين اليهودية والصهيونية.
لم تكن خطوة بارعة، لكنها على الأرجح كانت مقنعة للجمهور بأن «القاعدة» ارتكب الجريمة بحق المدرّس اليهودي والأطفال الثلاثة في تولوز، ما يساعد في تبرئة الجميع من دم الضحايا ومن المسؤولية عن تحول ذلك الشاب الفرنسي ـ الجزائري الى أداة للقتل في الشوارع، نتيجة تمرده على أسرته وتفلته من ضوابط مجتمعه، الذي لم يتح له حتى الالتحاق بالجيش الفرنسي لتأمين معيشته وخدمة بلاده... ما دفعه قبل اسابيع الى قتل ثلاثة جنود فرنسيين تبين في ما بعد انهم من اصول مغاربية يحمل احدهم اسم محمد أيضاً.
يمكن ان يأتي يوم يصبح فيه للتنظيم مكتب اجتماعي يتعاطى بمشكلات الاسرة والمرأة والزواج والطلاق والارث... والهجرة الى «ديار الصليبيين» وتحديات الاندماج التي تواجه المهاجرين المسلمين الى اميركا وأوروبا، لكن إلقاء هذا العبء عليه من الآن كان بمثابة عملية خداع تسيء الى طابعه الإرهابي وتخدم المجرمين الذين يبحثون دوما عن غطاء سياسي لجرائمهم، لا في فرنسا وحدها بل في مختلف دول العالم.
هربت فرنسا من مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية، تختصرها جريمة محمد مراح، وأبقت الباب مفتوحا على مشكلة العنصرية، التي لم تتجسد فقط في تحويل المجرم الى إرهابي مسيّس، بل أيضاً في تحويل الضحايا اليهود الاربعة الى قضية كونية، تمس عقدة الذنب الغربية ازاء تلك الأقلية الدينية المضطهدة، وتسمح لإسرائيل بان تتسلل منها الى النقاش الداخلي الفرنسي... الذي خرج الرئيس نيكولا ساركوزي الى العلن لوقفه قبل ان يتطور الى اشتباك مسيحي يهودي مع المهاجرين العرب والمسلمين في فرنسا.
خلاصة القول في جريمة تولوز الجنائية التي تحولت الى قضية دولية هي ان اللعب على وتر القاعدة لا يقل حساسية عن اللعب على الوتر اليهودي (والاسرائيلي). كلاهما يقود الى التهلكة.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |