الاثنين، 27 مايو، 2013

التربية الإسلامية ثلث المنهج.. ماذا يبقى للرياضيات والعلوم واللغات؟! - _(1) | جريدة القبس

التربية الإسلامية ثلث المنهج.. ماذا يبقى للرياضيات والعلوم واللغات؟! - _(1) | جريدة القبس
 التربية الإسلامية في الكويت

التربية الإسلامية ثلث المنهج.. ماذا يبقى للرياضيات والعلوم واللغات؟! - _(1)

تم النشر في 2013/05/25
المسؤولون عن  التعليم الديني في طريق مسدود والتحديات:
1 - القبول بتعددية القراءات الفقهية
2 - المواءمة بين التشريع وشرعة حقوق الإنسان
3 - القبول بالآخر المختلف
    
إعداد د. فوزي أيوب
في إطار الدراسات العلمية التي قدمتها القبس حول أزمة التعليم في الكويت بمختلف مراحله، تواصل حلقات دراستها الموسعة عن المناهج، وتتناول ابتداء من اليوم، «التربية الإسلامية» في مدارسنا.
أظهرت الدراسة التي بحثت تفصيلياً في جميع كتب التربية الإسلامية المعتمدة في الكويت، ومجموع دروسها الـ 413، ان المطلوب، بإلحاح، هو فلسفة تربوية توجّه التربية الإسلامية، حتى تكون مفيدة من جهة، وكي نتجنب، من جهة أخرى، أي حساسيات جميعنا يعرف خطورتها في هذا المجال.
ومن المؤسف القول ان المسؤولين عن التعليم الديني أوصلوه وأوصلوا أنفسهم إلى طريق مسدود.
فمن حيث الكم، هناك تضخم مبالغ فيه، إذ تشكل التربية الدينية ثلث المنهج، وتقدم مضموناً واحداً لتلميذ التعليم العام كما لطالب العلم الشرعي، فكيف يستقيم الأمر؟!
وماذا يبقى للعلوم والرياضيات واللغات؟! وكيف يمكن لتلميذ كويتي هذا حجم مقرراته الدينية، ان يناقش تلميذاً أوروبياً أو أميركياً أو حتى ماليزياً في المواد الأساسية الأخرى؟!
أبرزت الدراسة ان التعليم الديني يتعامل مع التلميذ وكأنه وعاء لتخزين المعلومات، وهذا فهم مقلوب للعملية التربوية.
فليس من الأصول التربوية استخدام التلميذ لتحميله الفكرة، بل ينبغي ان تكون هذه لخدمته، أي لتعزيز أسلوب تفكيره، وتنمية عقله وتوسيع مداركه.
وعلى هذا، فإن تحديات كثيرة أمام التعليم الديني في الكويت، أبرزها القبول بتعددية القراءات الفقهية، والقبول بالآخر المختلف في الدين والطائفة والعقيدة والفكر.
وبين التحديات التي على المسؤولين عن مناهج التربية الإسلامية معالجتها بسرعة، المواءمة بين التشريع الإسلامي وشرعة حقوق الإنسان.
أضف إلى هذه التحديات، ضرورة ربط التعليم الديني بالواقع، فذلك من شأنه ان ينمي معرفة جيلنا الناشئ بالتطرف، والتسامح والحرية.

في إطار الدراسات العلمية التي قدمتها القبس حول التعليم في الكويت: الخلل في المناهج (2002)، المناهج الكويتية أمام ساعة الحقيقة (2003)، التعليم في أزمة (2012)،  المعلم في الكويت: واقعه.. إعداده.. دوره، (يناير2013)، تواصل حلقات دراستها العلمية الموسعة، لقناعتها بأن أي إصلاح حقيقي، وتنمية مستدامة، يبدآن من التعليم ويستندان إليه. وفي الحلقة الجديدة من الدراسة الموسعة، تتناول القبس مناهج التربية الإسلامية في الكويت. بعدما تناولت مناهج الاجتماعيات، واللغة العربية.
من بين سائر المقررات الدراسية يكتسب مقرر التربية الإسلامية أهمية خاصة، بالنظر إلى قداسة الدين من جهة، وبالنظر إلى انعكاسات التعليم الديني المباشرة على المجتمع وفئاته المختلفة من جهة أخرى، لأن أي خلل في مناهج التربية الإسلامية وتعليمها قد يؤدي إلى صراعات حادة قد تصل إلى حد الفتنة الدينية أو الطائفية أحياناً، التي تتلبد غيومها في سماء العالم الإسلامي منذ بضع سنين. ومنذ هجمات 11 سبتمبر 2001 في أميركا أصبحت مناهج التعليم العربية - ومناهج التعليم الديني خاصة - تحت مجهر الغرب والعالم بأسره، مع شبهة التحريض الفكري على العنف وكراهية الآخر غير المسلم، كل هذا ترك آثاره على تعليم مادة التربية الإسلامية ونوعية هذا التعليم في دولة الكويت حيث لا يزال الجدل محتدماً حول هذه المسألة، وقد يكون مرشحاً للتفاقم داخلياً وخارجياً، مادام المسؤولون عن التعليم الديني لم ينجحوا حتى الآن في تجاوز التحديات التي يواجهها هذا التعليم، وأبرزها مسألتان هما: تحدي القبول بتعددية القراءات الفقهية في العالم الإسلامي من جهة، وتحدي المواءمة بين التشريع الإسلامي وشرعة حقوق الإنسان العالمية من جهة أخرى، مع ما يعني ذلك من تربية النشء على قبول الآخر المختلف في الدين والطائفة والعقيدة والفكر.
علم الدِّين وتعليم الدِّين
في ضوء هذه التحديات شهدت مناهج التعليم الديني في الكويت تعديلات متلاحقة في العقدين المنصرمين، وتم دمج مكونات التعليم الإسلامي في عنوان التربية الإسلامية، بعد ان كانت مشتتة على الفروع التقليدية للفقه والتوحيد والتفسير والحديث والسيرة النبوية، وكان ذلك نتيجة تزايد الوعي بالفارق بين العلم الشرعي (علم الدين)  وبين تعليم الدين الموجه إلى الناشئة في المدارس.
ولكن خارج هذا التحديد الإطاري, لم يحصل تحول نوعي في تعليم الإسلام للتلاميذ لأسباب تتجاوز طاقة المجتمع الكويتي المحلي وتتخطاه إلى العالم الإسلامي الواسع، الذي لم يفلح بعد في تحقيق ذلك التحول في التعليم الديني الإسلامي.
وبسبب الحساسية الشديدة والمباشرة للموضوع الديني في الرأي العام الكويتي, لم يتمكن أي وزير للتربية في الكويت، حتى لو كان من ألمع المجددين والمفكرين، من إدخال إصلاحات ذات شأن في التعليم الديني، تجنباً للدخول في مواجهة قاسية مع النواب في مجلس الأمة، أو مع الصحافة والإعلام والرأي العام.
ومصداقاً لما نذكره تكفي الإشارة إلى ما قاله نائب في مجلس الأمة الكويتي بشأن الجدل الدائر حول تعديل مناهج التربية الإسلامية: «إن تغيير المناهج ليس سهلاً، وعلى وزيرة التربية العلم أن هذه الوزارة تَعَاقَبَ عليها الكثير من الوزراء إلا أن أحداً منهم لم يكن قادراً على التطاول على هذه المناهج. عليها أن تعلم انها تقود البلد إلى أزمة حقيقية» (جريدة السياسة، 1 – 7 – 2010م).
هل كانت ردة الفعل العنيفة هذه ستحصل لو أن الأمر كان يتعلق بتعديل ما في منهج الرياضيات أو الكيمياء، مثلاً؟ طبعاً لا، وذلك لأن لمناهج التربية الإسلامية خصوصية كبرى تتصل بتكوين الهوية الثقافية للناشئة, وتمس الانتماء الحضاري والعربي للتلميذ الكويتي.
ومما يزيد الأمور تعقيداً ان المشكلة مع مادة التربية الإسلامية مركبة وذات وجوه عديدة يمكن اختزالها بحجم المادة الدينية التعليمية, وبنوعية التعليم الديني معاً، واستراتيجية تعليم الدين في مدارس التعليم العام.
كمية المادة مبالغ فيها
من الناحية الكمية لاحظ الخبراء التربويون ان حجم المادة التعليمية الدينية في مناهج التعليم الكويتية خاصة، والخليجية عموماً، كبير جداً، ويلامس ما نسبته ثلث المنهج الدراسي تقريباً كما في الحالة السعودية، ففي سنة 1990 مثلاً كان مجموع الحصص الدراسية الأسبوعية المكرسة لتعليم التربية الإسلامية واللغة العربية يساوي 161 حصة دراسية في الأسبوع الواحد في دول الخليج العربي مقابل 115 حصة لمواد العلوم والرياضيات (محمد جواد رضا، 2004، ص 31) فكيف يمكن للطالب الكويتي أو الخليجي أن ينافس التلميذ الأوروبي أو الأميركي في مستوى التحصيل الدراسي (في العلوم والرياضيات واللغة الأجنبية والفنون) إذا كان أكثر من ربع الوقت الدراسي محجوزاً لمقررات غير علمية؟ وهل يتساوى في مستوى التحصيل الدراسي طالب يتعلم العلوم في مائة حصة سنوية وطالب آخر يتعلم العلوم في 150 حصة دراسية؟ هذا إذا كانت نوعية التعليم متقاربة لا يحق للمجتمع أن يطالب التلاميذ الكويتيين بأن يكونوا في مقدمة الناجحين في اختبارات التحصيل العالمية عندما لا تهيئ لهم المدرسة شروط النجاح والتفوق.
إن أي زيادة في تثقيل المواد الدينية واللغوية على حساب المواد العلمية والتطبيقية، لا بد أن يترك تأثيرات سلبية على مستوى الطالب المتخرج وكفاءته في الدراسة والعمل. وهذا الواقع هو الذي دفع مدير جامعة اليمامة السعودية مثلاً إلى المطالبة بتخفيف الحيِّز المخصص للعلوم الدينية واللغة العربية في المناهج الدراسية، حيث يقارب حوالي 60 % من مضمون المنهاج، على أن يذهب الزمن الدراسي المقتطع لمصلحة تعليم العلوم والرياضيات والفنون التطبيقية (أحمد العيسى، جريدة القبس، 23–4 – 2009)، وحتى عندما تصل نسبة حضور المادة الدينية إلى ما يقارب ثلث المناهج الدراسي، فإن ذلك لن يكون ملائماً لطالب التعليم العام، بل هو يلائم طالب العلوم الشرعية الذي يريد أن يصبح شيخاً (رجل دين) أو فقيهاً أو قاضياً أو أستاذاً للتعليم الديني.
المشكلة الكبرى
يعاني منهج التربية الإسلامية إذن, من تضخم في الحجم، وبدل أن يكون ذلك مفيداً للتلاميذ تحول إلى عبء عليهم، فخسروا الزمن الدراسي ولم يحصلوا على تعليم ديني نوعي، وذلك لأسباب عديدة، منها غياب الفلسفة التربوية الواضحة التي توجه عملية التربية الإسلامية في المدارس، وغياب التخطيط الإجرائي لتنفيذ هذه الفلسفة التي يسميها التربويون «تعلُّميَّة} المادة الدراسية (ديداكتيك Didactic) أي جملة الأهداف  الدراسية والمحتوى الدراسي وطريقة التعليم واسلوب التقويم في مادة التربية الاسلامية معاً، وهذه العناصرهي المكونات الاساسية لاي منهج دراسي. ولذلك نقول ان المشكلة الكبرى في تعليم التربية الاسلامية تكمن في مناهج هذه المادة الدراسية قبل كل شيء وفي الكتب المجسدة للمناهج، وهو ما يشكل المحور الاساسي لهذه الدراسة.
وقد يقال ان اهداف التعليم الاسلامي موجودة في المنهج او في مقدمات الكتب الدراسية، ولكن في معظم الحالات لا يتم الالتزام بهذه الاهداف النبيلة عند كتابة مضامين الكتب الا عند حدود ضيقة، وكأن الاهداف انما توضع للزينة التربوية او تلبية لنزعة انشائية خطابية تصعب ترجمتها على ارض الواقع في مضمون الكتب. وقبل هذا وذاك فإن تنظيم المضمون التعليمي يشكو من خلل بنيوي وظيفي، لان هذا المضمون يركز على نقل اكبر كمية ممكنة من العلوم الدينية للطالب بغض النظر عما اذا كان ذلك المضمون مفيداً لشخصية المتعلم ام لا، وبذلك تزول الحدود بين تعليم العلوم الدينية لطالب العلم الشرعي وبين تعليمها لتلميذ التعليم العام الذي يتجه لان يدرس الطب او الهندسة او الادارة وغيرها, فلا يحتاج بالتالي الا الى ثقافة دينية تساعد على تعزيز إيمانه, وانتمائه للحضارة العربية - الاسلامية.
وفي الاساس ينطوي مصطلح «التربية الاسلامية» على بعدين اثنين، اولهما التربية وثانيهما الاسلام، اي ان تربية شخصية المتعلم هي الاصل، وان المضمون الديني هو مدخل لتنمية الشخصية وتربيتها, وليس التلميذ مجرد وعاء لتخزين المعلومات والمعارف، سواء كانت دينية أو غير ذلك. إن الطالب الذي  يدرس الفيزياء مثلا يأخذ منها في كل سنة دراسية مقداراً معيناً يتم تقديمه له بأسلوب واضح ومشوق بعيد عن التعقيد والصعوبة, مع السعي لربط الفيزياء بحياة التلميذ وبيئته.
والمشكلة التي نواجهها في التربية الاسلامية ليست في ان نقدم للتلميذ معلومات دينية واسعة، بل في كيفية مخاطبة عقل التلميذ ووجدانه بحيث تصبح المعرفة الدينية مصدر اثراء خلقي وروحي وثقافي لشخصية المتعلم.
وتقتضي التربية الاسلامية الحقيقية للناشئة تحضير صيغة تعليمية خاصة يتم اختيارها واعدادها بعناية لتلائم المتعلمين من الاولاد والمراهقين المسلمين ويكون لها اثرها الايجابي في بناء شخصية المتعلم الناشئ.
ربط التعليم بالواقع المعاصر
لذلك يجب ربط الصيغة المقترحة للتعليم الديني بحركة الحياة الواقعية المعاصرة، لتشكل مدخلا للاجابة عن كثير من التساؤلات التي تجول في اذهان الجيل الصاعد عن الاخلاق والاقتصاد والمرأة والتطرف والحرب والتسامح والعلم وحرية التعبير والتفكير والاعتقاد.. الخ.
وبدلاً من السير في هذا الاتجاه دأبت مناهج التربية الاسلامية على التضحية بمتطلبات نمو الشخصية السليمة عند الاولاد والمراهقين لمصلحة المادة التعليمية الدينية التي تُبنى مناهجها بطريقة موسوعية وليس بطريقة وظيفية منحازة للمتعلم وحاجاته الفعلية.
من هنا لاحظنا استمرار التقسيم التقليدي المعروف للمعارف الاسلامية بين توحيد وفقه وحديث وتفسير.. مع السعي لان يغوص التلميذ في اعماقها وتفصيلاتها. ولو ان للتعليم الديني فلسفة ومنهجية تربوية صحيحة لكان واضعو المناهج قد سارعوا الى تكوين توليفة خاصة تجمع المكونات الاربعة معاً في اطار التربية الاسلامية الجامعة للجزئيات والتفاصيل, فتصهرها جميعاً في صيغة تربوية تخدم شخصية التلميذ من جهة، وتقدم صورة سلوكية ذات طابع وظيفي حياتي عن الاسلام ومبادئه وحضارته من جهة اخرى.
لقد ادت كثرة التفريع الى موضوعات دينية تقليدية مشتتة بحيث يصعب على التلميذ العادي ربطها في اطار فكري واحد او ترجمتها الى ممارسة سلوكية عملية.
ان تفصيلات مادة التربية الدينية ليست غاية بحد ذاتها، لان هذه التفصيلات لا تنتهي ولا حد لها ويمكن التعمق فيها الى يوم الدين، ولا يشبع الباحثون وعلماء الشريعة من ذلك، بل الغاية هي بناء شخصية الناشئ وحصوله على ما يحتاج إليه فعلاً من مفاهيم ومعلومات ومهارات دينية، مع مراعاة متطلبات المجتمع الكويتي وتوجهاته بحسب ما يستجد فيه من مواقف وقضايا وتحولات ربما لم تكن موجودة قبل بضع سنوات، فالظروف التي يعيشها التلاميذ حالياً تختلف عن الظروف التي عاشها اهلهم عندما كانوا في مثل سنهم.
وقبل احداث سبتمبر 2001 كانت النظرة الى التعليم الديني مختلفة عن النظرة التي سادت داخل الكويت وخارجها بعد تلك الاحداث، ولا تزال التحولات في المواقف مستمرة الى اليوم.
ان واضعي المناهج الدينية لا يمكنهم تجاهل هذه التحولات التي تظهر في المجتمع وفي الرأي العام، كما ينبغي لهم  ألا يتجاهلوا الاستنتاجات والمبادئ التي تقدمها لنا البحوث النفسية والتربوية عن النمو السليم لشخصية الولد والمراهق وما يناسبها في كل مرحلة من موضوعات دينية يتم توزيعها على مراحل النمو المتدرجة من الطفولة المبكرة الى المراهقة.
الأولوية للتلميذ أم للفكرة؟
وعندما يتجاهل خبراء المناهج ومؤلفو الكتب الدراسية الاسلامية المتطلبات والحاجات الملائمة لكل مرحلة من مراحل نمو المتعلم, فإن اهتمامهم يتركز على محتوى المادة الدينية غير عابئين عملياً بشخصية التلميذ، بل يريدون استخدام التلميذ ليكون حاملاً لفكرة دينية, معينة بدل ان تكون هذه الفكرة في خدمة التلميذ.
هذه الحالة غالباً ما تؤدي الى عزوف التلامذة عن دروس التربية الاسلامية والاهتمام بدلاً منها بمواد دراسية اخرى، لان منهج التربية لا يتناول واقع الطلاب, ولا يعالج ما يودون معالجته من امور تهمهم, فيشعرون بالملل من هذه المادة الدراسية، وقد يملون من الدراسة كلها ومن المدرسة ايضا وخاصة عندما تكون طريقة المعلم في التدريس غير مشوقة للتلاميذ فوق ذلك.
كل هذا ليس سوى مؤشر على وجود ازمة في التعليم الديني في الدول الاسلامية ومنها الكويت، نعزوها الى مناهج التربية الاسلامية بالدرجة الاولى، والى طريقة المعلم في تدريس هذه المادة، كما يمكن ان نعزوها الى عوامل اخرى ايضا, وذلك لان قسما كبيرا من موضوعات التربية الاسلامية يتم تقديمه للتلاميذ معزولا عن سياقه التاريخي والاجتماعي فيصبح كأنه معلق في الفضاء ولا يفهمه التلميذ، بل يحفظه ثم لا يلبث ان ينساه.
كما ان المحاججة والتحليل والمقارنة تغيب عن مضامين التعليم الديني الذي يتم طرحه كمسلمات بديهية لا تحتاج الى مناقشة او تقويم، وعندما تبرز الحاجة الى دليل موضوعي على صحة المفاهيم والافكار المطروحة, فإن الدليل يأتي من النص الديني نفسه او من نص اخر وليس من البراهين العقلية المنطقية.
ازمة التعليم الديني اذاً قائمة ولا شك فيها، وكانت جريدة القبس قد كشفت في ملف خاص عن «المناهج التعليمية الكويتية امام ساعة الحقيقة» في نيسان (أبريل) من سنة 2002 عن وجود ثغرات كبيرة في مضامين التعليم الديني في الكويت (حمود الحطاب، القبس، نيسان (أبريل) 2002) من المرجح انها لا تزال قائمة الى اليوم. والسؤال الاساسي الذي يطرح نفسه في هذه الدراسة هو: الى اي مدى تستجيب مناهج التربية الاسلامية في الكويت لمحاولات التجديد والاصلاح التربوي؟ هذا ما نحاول الاجابة عنه من خلال التقويم المعياري لمضامين كتب التربية الاسلامية، نصوصا واسئلة، في الجزء الحالي من الدراسة، ومن خلال الكشف عن مدى تشبع الكتب بقيم الانفتاح والتسامح والمساواة بين الجنسين والبعد عن التعصب في جزء اخر نقدمه لاحقا.
توصيف كتب التربية الإسلامية ونظام الدروس
تتكون مجموعة كتب التربية الاسلامية في الكويت من ثمانية عشر كتابا تبدأ بالصف الاول الابتدائي (ك 56) وتنتهي في الصف الثاني عشر الثانوي (ك 73). وتتكون هذه المجموعة من 413 درسا موزعة وفق  الجدول المرفق.
تشير قائمة موضوعات كتب التربية الاسلامية في التعليم العام الكويتي الى وجود كمية ضخمة من الدروس الدينية تصل الى 413 درسا كفيلة، فيما لو احسن استعمالها، الى تخريج متفقهين في الدين. ولهذه الكتلة الكبيرة من دروس الدين دلالات كثيرة ابرزها ان الجهد الاساسي للتلميذ الكويتي يتركز على المقررات الاسلامية وان ذلك لابد ان يتم على حساب مقررات اخرى لعل ابرزها مقررات العلوم والرياضيات واللغات الاجنبية والمقررات التطبيقية (كمبيوتر...) ومقررات اخرى كالفنون الجميلة. اما مقررات اللغة العربية والاجتماعيات فنعلم انها تنال ما يكفي من دروس وحصص دراسية.
من جهة ثانية، تشير القائمة الى سيطرة مجال الفقه، خاصة فقه العبادات على سائر مجالات التربية الاسلامية بواقع 107 دروس موزعة على الفقه العام (9 دروس) وفقه العبادات (69 درسا) وفقه المعاملات (29 درسا). تلي ذلك في المرتبة الثانية من التركيز دروس التوحيد والعقيدة التي تستقطب ما مجموعه 70 درسا، ويأتي مجال الاخلاق الاسلامية والتهذيب في المرتبة الثالثة من الاهتمام مع 54 درسا.
وفي المرتبة الرابعة يحل مجال الثقافة الاسلامية العامة، التي يتم تناولها في 53 درسا من دروس التربية الاسلامية، يليها مجال السيرة النبوية في المرتبة الخامسة (49 درسا) ثم مجال الحديث الشريف الذي يشكل محور الاهتمام الاول في 42 درسا. واخيرا، وفي المرتبة السابعة، يتناول المؤلفون مجال القرآن الكريم وتفسيره في 38 درسا معا من دروس التربية الاسلامية.
ومن الطبيعي ان نضيف الى هذه التشكيلة من دروس التربية الاسلامية دروس القرآن الكريم التي نجدها في صفوف التعليم العام الكويتي كافة، مما يضاعف حجم الدروس الدينية التي يتعلمها التلميذ الكويتي إلى ما قد يصل إلى حوالي 800 درس ديني، يتساءل معها أي مراقب تربوي عما إذا كان منهج التربية الدينية في الكويت يستهدف تخريج طلاب مختصين بالعلوم الدينية أم لا؟! فمسار التعليم المدرسي العام مستقل عن مسار التعليم الشرعي لطلاب العلوم الشرعية، الذين سوف يصبحون مختصين في هذا المجال لاحقا (شيخ، معلم دين، قاضي شرع، باحث إسلامي... الخ)، بينما لا يحتاج التلميذ في المدرسة العادية لأكثر من ثقافة إسلامية عامة لها طابع إيماني وأخلاقي وسلوكي قبل كل شيء. فإذا أراد الطالب أن يتعمق في أمور الدين فما عليه سوى أن يذهب إلى معهد من معاهد التعليم الديني، التي تقدم مقررات تخصصية في المجالات الدينية والعلوم الشرعية كافة.
أصول العبادة والتعامل مع الناس
إن تخصيص أكثر من مائة درس للشؤون الفقهية وحدها أمر فيه قدر كبير من المبالغة، لأن تلميذ التعليم العام لا يحتاج، في المجال الفقهي، إلى ما يزيد على الأمور الخاصة بالعبادة من وضوء وصلاة وصوم وزكاة وحج (فقه العبادات)، إضافة إلى المعرفة الأولية بأصول المعاملات بين الناس (فقه المعاملات) وتصريفها في الزواج والإرث والتجارة والعقود. وما زاد على هذه الحدود فإنه يدخل في باب التخصص الشرعي الذي يحتاج صاحبه إلى الدراسة المعمقة، التي تتجاوز التبسيط المدرسي إلى التخصص الأكاديمي في المعاهد، وفي كلية الشريعة وأقسام العلوم الإسلامية في الجامعات، التي يتخرج منها فقهاء الشرع وقضاته ومعلم التربية الإسلامية والباحثون في هذا المجال.
وبالنسبة لمجال العقيدة والتوحيد، الذي يشكل مركز الاهتمام الثاني بعد الفقه في كتب التربية الإسلامية في الكويت، نجد 70 درساً تتناول هذا الجانب من التعليم الديني، مع أن نصف هذا العدد يفي بالغرض عندما نحذف التكرار والتداخل بين دروس العقيدة والتوحيد. فأي طالب متوسط الذكاء يمكن أن يصبح صاحب مهنة عملية في مجال فني أو مهني، يعني بعد حوالي 100 ساعة من التدريس والتدريب.
ان الوقت من ذهب في عصر العولمة، ودولة الكويت تصرف مئات ملايين الدنانير على التعليم، فينبغي بالتالي للتعليم ان يكون له عائد تربوي فعلي حتى لا نتسبب في هدر المال والوقت معاً.
والتلميذ الكويتي هو فرد مسلم يعيش في أسرة مسلمة وفي دولة عربية - إسلامية، ويتحرك في مجتمع مشبع بالثقافة الإسلامية، التي تسود كل جوانب الحياة في الكويت، فلماذا يحتاج هذا الولد إلى 70 درساً ليفهم موضوع التوحيد، الذي يقوم على مبدأ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو مبدأ يعيشه الفرد الكويتي يومياً ويسمعه في كل آذان وفي كل صلاة وفي كل موعظة في المسجد أو في ندوة دينية، حتى لو لم يذهب إلى المدرسة أبداً؟
إن الولد الكويتي هو من أهل عقيدة التوحيد واقعاً ومعايشة ووجداناً داخل أسرته وبين أقاربه ومع جيرانه وأصحابه، وبالتالي فهو لا يحتاج في المدرسة إلى أكثر من عملية تأهيل وتأطير لفكرة التوحيد، التي نشأ عليها وتأثر بها قليلاً أو كثيراً، بحيث تصبح هذه الفكرة مبنية على أسس وقواعد نظرية منطقية مرتبة وممنهجة تخاطب وعي التلميذ وعقله بعد ان تكفلت الأسرة بغرس فكرة التوحيد في ضميره ووجدانه. وإذا كانت هنالك من حاجة إلى التوسع في شرح معنى التوحيد ودلالته، فإن هذه الحاجة تبرز في ما يخص التلميذ غير المسلم وغيره من الأفراد، الذين يعيشون في مجتمعات لا دينية أو تسود فيها ديانات اخرى أو عقائد لا دينية (علمانية، إلحادية، وثنية،...)، فتكون وظيفة دروس التوحيد اقناع الأفراد في المجتمعات غير الإسلامية بوحدانية الله تعالى، وما يترتب عليها من إيمان بالله ورسله وملائكته وبالقضاء والقدر، وباليوم الآخر والبعث والحساب... الخ.
بعد الفقه والتوحيد يتركز الاهتمام في كتاب التربية الإسلامية على موضوعات الاخلاق والسلوك في المرتبة الثالثة، من خلال 54 درسا لا نجد أنها زائدة على الحد الطبيعي فيما لو كانت تؤدي الغرض منها ألا وهو تهذيب المتعلمين، وبث الأخلاق الإسلامية السمحة في نفوسهم، وتطبيقها عملياً في سلوكهم اليومي، لأن الدين هو المعاملة قبل كل شيء. وفي المرتبة الرابعة من درجة الاهتمام والتركيز في مقررات التربية الإسلامية تبرز الثقافة الإسلامية، التي يتم تناولها في 53 درساً بدءاً من الصف الرابع الابتدائي، وهذه الدروس لا يمكن اعتبارها فائضة عن الحد، لأن التلميذ يحتاج إلى ثقافة اسلامية حقيقية تنعش روحه، وتصقل وعيه بأمور الحياة المعاصرة ودور الإسلام في الحضارة الانسانية في الماضي والحاضر وفي المستقبل ايضا. والسؤال الكبير المطروح هنا هو: هل يستجيب مضمون دروس الثقافة الإسلامية لهذا التحدي الحضاري؟ هذا السؤال يمكن الإجابة عنه عند تقويم نوعية المضامين المطروحة في دروس التربية الإسلامية.
التلميذ والأحاديث النبوية
في المرتبة الخامسة، بعد الفقه والتوحيد والاخلاق والثقافة الإسلامية، نجد دروس السيرة النبوية، التي تقع في 49 درساً نعتقد أنها كافية لابراز السيرة المعطرة لرسول الهدى بصورة واضحة وجلية بالنسبة لتلامذة التعليم العام. يلي ذلك في المرتبة السادسة مجال الحديث النبوي الشريف، الذي يظهر في 42 درساً تبدأ من الصف الاول الابتدائي، وهو ما يثير التساؤل، لأن الولد في سن السادسة يصعب عليه فهم الأحاديث النبوية، كما تصعب عليه موضوعات التوحيد وتفسير القرآن الكريم، بينما يمكن له استيعاب موضوعات السيرة النبوية وفقه العبادات، والتهذيب الإسلامي للسلوك، وموضوعات الثقافة الإسلامية العامة من دون عناء أو جهد كبير، لأن الموضوعات المشار إليها قابلة للعرض بصورة حسيّة أو شبه حسيّة ملائمة لعالم الولد وبنيته الذهنية. وعلى سبيل المقارنة، فإن مناهج التربية الإسلامية في المملكة العربية السعودية، حتى قبل إدخال تعديلات عليها في الآونة الأخيرة، كانت تبدأ بتعليم الحديث الشريف مع بداية الصف الخامس الابتدائي إلى نهاية التعليم العام على مدى 8 سنوات. ومما يعين التلاميذ على فهم الحديث انه يمكن البدء بأحاديث نبوية تدور حول قضايا أو موضوعات لها صلة بعالم الصغار، كما أن لغتها أسهل على التلميذ من أحاديث أخرى.
وأخيراً، فإن مناهج التربية الإسلامية تركز في المرتبة السابعة على موضوعات القرآن الكريم من خلال 38 درساً نرى أنها تكفي لإعطاء التلميذ فكرة واضحة عن أهمية القرآن الكريم وحفظه وقصة نزوله، وآداب تلاوته وفضائل بعض آياته، وصلته بالكتب السماوية الأخرى، وبلاغته وأثره في النفس البشرية.. إلخ (1 ).
خلاصة
خلاصة القول في حجم دروس التربية الإسلامية أنها لا تعاني من نقص في عدد الدروس في كل المجالات المدروسة، وهي بالمقابل تعاني من بعض الزيادة، والإفراط في مجالي الفقه والتوحيد خاصة لأن المدرسة العادية ليست هي المكان المناسب للتخصص الديني في أي مجال من مجالات التربية الإسلامية، ولو أخذنا مجال الحديث مثلاً فسنجد أن الغاية من تعليمه للتلاميذ ليست حشو العقل بنصوص مفيدة مع شروحاتها، بقدر ما أن الغاية هي تعزيز الثقافة الإسلامية عند التلميذ وتوجيهه أخلاقياً وسلوكياً.
الهوامش
1 - يبدو أن مجال تفسير القرآن الكريم قد تم إلحاقه بمقرر القرآن الكريم ومن المرجح بالتالي أن يكون قد أخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام في ذلك المقرر مع أن تفسير النصوص القرآنية لا ينبغي أن يكون من بين مهام تلاميذ التعليم العام مبدئياً لأنه مهما تعمَّق هؤلاء بدراسة القرآن الكريم، فإنهم لن يستطيعوا تقديم تفسيرات وافية وشافية للآيات القرآنية.
الحلقة الثانية: مضمون التربية الاسلامية.. كما من مئات السنين

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |