السبت، 11 مايو، 2013

Al Hayat-وصية الأفغاني التي تجاهلها السلطان عبد الحميد

Al Hayat-وصية الأفغاني التي تجاهلها السلطان عبد الحميد
وصية الأفغاني التي تجاهلها السلطان عبد الحميد
القاهرة - صلاح حسن رشيد
السبت ٤ مايو ٢٠١٣
ذات مرّة سأل الأديب خليفة التونسي أستاذه العقاد قائلاً: لماذا لا تستعمل الشعوب الإسلامية لغة الضاد بدلاً من لهجاتها الفقيرة في معجمها، وبلاغتها، وتراكيبها؟! فابتسم العقاد، ومال برأسه، ثم نظر إلى السماء، وهو يقول: لقد قصر أهلها، وتغافل عن فضلها مسلمو تركيا، وإيران والهند، ونيجيريا، وأندونيسيا، وغيرها؛ فلقد حيل بين المسلمين وبين تعاليم السماء. في المقابل؛ نجد جمال الدين الأفغاني حمل على عاتقه مهمة نشر العربية بين الأعاجم، إذ تكشف وثيقة نادرة عثر عليها؛ عن جهود الأفغاني في هذا الشأن، وكيف أنه طلب من السلطان عبد الحميد ضرورة اتخاذ العربية لغة للإمبراطورية العثمانية. فماذا كانت النتيجة؟!
يقول الأفغاني عن غرام الأعاجم بالعربية من قديم الزمان: «إن كل من دان بالإسلام، أو رضي بدفع الجزية عند الفتح العربي، سارع عن طيب خاطر وارتياح عظيم إلى التعريب، والسبب في ذلك أن وفود العرب على البلاد المفتوحة حملت معها أخلاقاً فاضلة، ظهرت أفضليتها بأجلى المظاهر مثل: الأنفة من الكذب، والوفاء بالعهد، ومطلق العدل، وكمال الحرية، والمساواة الحقيقية بين الملك والسوقة، وإغاثة الملهوف، والكرم والشجاعة، وباقي الفضائل من الهيئات المتوسطة بين الخلال الناقصة».
ويضيف: «هكذا تم للعرب، ورسخ لهم في معظم ما فتحوه من الأمصار والبلدان والممالك، آثار أدبية، فضلاً عن الآثار العمرانية، من لسان وعادة وأخلاق، ما أمكن استئصالها، بل بقيت برغم أنوف من دال من بعدهم من الدول، ومن هيئات الحكومات المختلفة. فمصر بينما هي هرقلية رومانية، ومقوقسها عامل له فيها، أصبحت في قليل من الزمن إسلامية في الأغلبية، عربية بالصورة المطلقة، في مميزات العرب كافة، وهكذا القول في سورية والعراق وغيرهما، من دون أن يبذل في سبيل ذلك التغيير أدنى مسعى، أو يستعمل لها أقل الوسائل... نعم؛ إن أكبر حامل، وأفعل عامل على تعرُّب أولئك الأقوام، هو الفضائل الأخلاقية والصفات العالية، التي كانت تأتي بها العرب مع بأسهم وشجاعة أبطالهم».
ويرى أن السر في انتشار العربية بين العجم، هو شأن خاص بالضاد وحدها، فيقول: «أما انتشار اللسان العربي، في ما عدا بلادهم –شبه الجزيرة- فليس للفاتحين أدنى دخل فيه، ولا اتخذوا له أسباباً ووسائل، بل إنما وجِدَ في اللسان العربي من الآداب الباهرة، والحِكم، والأمثال، والمواعظ، ذلك هو الذي أحلّه من الانتشار هذا المحل. إن لكل دينٍ لساناً، ولسان دين الإسلام العربي، ولكل لسان آداب، ومن هذه الآداب تحصل ملكة الخلاق، وعلى حفظها تتكون العصبية».
ويؤكد الأفغاني حقيقة مهمة، هي محاربة الأتراك للفصحى، واتباعهم سياسة تتريك العرب، متجاهلين نصيحة السلطان محمد الفاتح، ومن بعده السلطان سليم، باتخاذ العربية لغةً للإمبراطورية قائلاً: «ولقد أهمل الأتراكُ أمراً عظيماً، وحكمةً نافعةً، قالها السلطان محمد الفاتح وأحَبَّ أن يعملَ بها السلطان سليم، وهي قبول اللسان العربي لسان الدولة، وتعميمه بين من دان بالإسلام من الأعاجم، ليفقهوا أحكامه، ويمشوا على سنن الارتقاء بعلومه وآدابه، ومكارم أخلاقه، ومحاسن عوائد أهله. قامت السلاطين العظام من قبل عثمان بفتوحات جليلة، وعملت خيرات ومَبرّات جزيلة، وقرَّبوا إليهم مَن كان في عصرهم من فحول العلماء من المسلمين، وقد تفرَّدوا ذلك بمعرفة اللسان العربي، وبعض علومه، وعرف أولئك الفحولُ قدرَ اللسان العربي. وبقيت الأتراك في فتوحاتهم على تلك الصورة، وفي مجموعهم بداوةٌ صِرفة، فلم يتخذوا غيرَ القوة المادية آلةً، ولم ينقلوا سواها للبلاد! نعم؛ إنهم تديَّنوا بالإسلام على أبسط حالاته وأشكاله بكمال التعبُّد، ولكن على بعد سحيق من فهم معاني القرآن، وآداب اللسان».
ويشير إلى أن العرب لو كانوا مثل الأتراك، ما نشروا العربية: «والعرب لو كانوا مثلهم لما استطاعوا أن يكونوا أحسنَ أثراً منهم، ولما كان لهم حضارة ولا مدنية، ولَبَقوا بداوةً محضة، همهم فتح البلاد للاستغلال، وجمع الأموال للرفاه والترف، أو للبذخ والسَّرف! ولوْ أنَّ الدولة العثمانية قَبِلت من يوم استقلالها، وعملت بالفكرة –فكرة التعرُّب- من عهد السلطان محمد الفاتح أو السلطان سليم، بأن يُتخذ اللسان العربي، وهو لسان الدين؛ لساناً رسمياً، وتسعى بكل قوتها وجهدها، لتعريب الأتراك، لكانت في أمنع قوة، وآمن حصن من الانتقاص والخروج عن سلطانهم، ولكنها فعلت العكس، إذْ فكرتْ بتتريك العرب، وما أسفَهَها من سياسة، وأسقمَه من رأي، لأن تَديُّن الأتراك بالدين الإسلامي -على جهلٍ باللسان العربي- جعل لهم في القلوب منزلة ساقت، وتسوق الأمة للعطف عليهم مع سائر المسلمين! فما قولك لوْ تعرَّبتْ، وانتفى من بين الأمتين النعرة القومية، وزال داعي النفور والانقسام بـ «التركي وبالعربي» وصار أمةً عربية، بكل ما في اللسان من معنى، وفي الدين الإسلامي من عدل، وفي سيرة أفاضل العرب من أخلاق، وفي مكارمهم من عادات». ويرى الأفغاني أن الأتراك لو فعلوا ذلك، لكان عصرهم عصر النهضة العربية الإسلامية الشاملة، فيقول: «لو تيسَّر ذلك لكان إعادة عصر الرشيد للمسلمين ميسوراً، وجُمِعَ شتات الممالك الإسلامية تحت لواء سلطان عادل همام، غيرَ عسيرٍ! ولكن مع الأسف؛ فإن إخواننا الأتراك لم يُحسِنوا من أعمال الدنيا غيرَ الحرب، وهم فيما عدا ذلك، وفي ما يختص بشؤون العمران أقل رويةً وعملاً من سواهم». ويعترف في أَسَفٍ وحسرة، قائلاً: «يسوؤني؛ وأنا ممن يُحِبهم، وأتأثر كلما افتكرتُ بما ارتكبوه من الخطأ في عدم قبول اللسان العربي، لسان الدين الطاهر، والأدب الباهر، وديوان الفضائل والمفاخر باللسان التركي. ذلك اللسان الذي لو تجرَّد من الكلمات العربية والفارسية لكان أفقر لسان على وجه الأرض، ولعجز عن القيام بحاجيات أمة بدوية، فكيف يُعقَلُ تتريك العرب، وقد تبارت الأعاجم في الاستعراب، وتسابقت، وكان اللسان العربي لغير المسلمين، ولم يزل من أعز الجامعات وأكبر المفاخر، فالأمة العربية هي (عرب) قبل كل دين ومذهب، وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان، ما لا يحتاج معه إلى دليل أو برهان».
ويعلن الأفغاني في وضوح وجرأة، أنه فاتَحَ السلطان عبد الحميد في هذه المعضلة الكبيرة، بقوله: «لقد كاشفتُ السلطان عبد الحميد في أكثر هذه المواضيع في خلوات عديدة، فكان يسمع بكل إصغاءٍ، ولكنه في النتيجة كان قليلَ الاحتفاء بكل ما قلته له! ففهمتُ من أوضاعه وأسارير وجهه، أنه لا يعتقد أن قبولَ اللسان العربي، وفكرة الفاتح والسلطان سليم بذلك، صواباً ! فحوّلتُ وجهي عما لا يمكن إلى ما يمكن».
وهكذا صار حال الأتراك مع العربية، إهمالاً، واحتقاراً -على مرّ العصور- بل، حاولوا بكل ما يستطيعون تتريكَ العرب، والقضاء على لغة القرآن المجيد.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |