الاثنين، 27 مايو، 2013

مضمون التربية الإسلامية.. كما من مئات السنين (2) | جريدة القبس

مضمون التربية الإسلامية.. كما من مئات السنين (2) | جريدة القبس
 التربية الإسلامية في الكويت

مضمون التربية الإسلامية.. كما من مئات السنين (2)

إعداد د. فوزي أيوب
في إطار الدراسات العلمية التي قدمتها القبس حول التعليم في الكويت: الخلل في المناهج (2002)، المناهج الكويتية أمام ساعة الحقيقة (2003)، التعليم في أزمة (2012)،  المعلم في الكويت: واقعه.. إعداده.. دوره، (يناير2013)، تواصل حلقات دراستها العلمية الموسعة، لقناعتها بأن أي إصلاح حقيقي، وتنمية مستدامة، يبدآن من التعليم ويستندان إليه. وفي الحلقة الجديدة من الدراسة الموسعة، تتناول القبس مناهج التربية الإسلامية في الكويت. بعدما تناولت مناهج الاجتماعيات، واللغة العربية.
وسنحاول في هذه الحلقة الثانية من تقويم مناهج التربية الاسلامية في الكويت اجراء تقويم معياري لدروس هذا المنهج، معتمدين في ذلك على قاعدة أساسية، يبدو ان واضعي منهج التربية الإسلامية في الكويت لم يولوها ما تستحق، الا وهي ان العبرة في التعليم لا تكمن في كثرة الدروس وكمية النصوص، بل تكمن في نوعية هذه الدروس والنصوص، كما في الأهداف المرجوة من تعليمها.
لا بد لواضعي المناهج من أن ينتبهوا إلى أن التلاميذ قد أصبحوا اليوم يمتلكون وسائل تعليمية حديثة بفضل شبكة النت وبرمجيات الحاسوب أو الكتب الإسلامية المتوافرة في المكتبات العامة والمدرسية والمراكز الإسلامية، كما انه ليس من الصعب إنتاج برامج في الفقه والحديث والتفسير وبمستويات متدرجة، من المستوى الأساسي التمهيدي، الى المستوى التكميلي، وصولاً إلى المستوى المتعمق كما هي الحال مع قاموس المبتدئين والقاموس الوسيط لمن تقدموا قليلاً في التعليم، والقاموس الشامل الذي له طابع معمق وشامل.
ومما يقلل من الحاجة إلى الإسهاب في دروس مقررات التربية الإسلامية لتلامذة اليوم، وجود مؤسسات أخرى، إلى جانب المدرسة، تسعى لنشر التربية الإسلامية وثقافتها، ومنها المسجد والمراكز الثقافية الإسلامية والقنوات التلفزيونية التي تبث ليل نهار على لسان فقهاء وعلماء دين بارزين.
النوعية والهدف
إن العبرة في التعليم لا تكمن في كمية الدروس وكثرة النصوص، بل تكمن في نوعية هذه الدروس وفي الأهداف المرجوة من تعليمها للتلاميذ وطريقة شرحها لهم، ولكن هذا الأمر يتطلب الاتفاق على «فلسفة تربوية» خاصة بتعليم التربية الإسلامية لتلامذة التعليم العام يشارك بوضعها مختصون بالعلوم الإسلامية وخبراء تربويون.
ومن المتوقع أن تثير أي إعادة للنظر بمضامين التربية الإسلامية اعتراضات قوية من جانب جزء من المعلمين والمؤلفين الذين تعودوا على الأسلوب التقليدي في التعليم الديني، ولذلك فإن من المفيد السعي لإقناع أساتذة التعليم الإسلامي الحاليين والجدد منهم بأهمية المنهجية النوعية في تعليم التربية الإسلامية بديلاً عن المنهجية الكمية التي ترهق التلميذ وتدفعه إلى العزوف عن التعليم الديني.
تلك هي المحاور أو المجالات التعليمية التي يتناولها منهج التربية الإسلامية في الكويت، وعلى ضوء ذلك يمكن تسجيل عدد من الملاحظات التقويمية: أولها ملاحظة تصنيفية مفادها ان هنالك دروساً وموضوعات تعليمية إسلامية لها طابع تربوي صريح، وهي توجد في مجالات السيرة النبوية والتهذيب الإسلامي والثقافة الإسلامية القابلة للتشكيل التربوي التعليمي بصورة أكبر مما هي عليه الحال في بقية المجالات الدينية. ففي درس عن السيرة المعطرة بعنوان «عام الحزن» في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعمل المؤلفون الرسوم المتحركة للتعبير عن الحزن الذي عانى منه الرسول وأصحابه بأسلوب ابتكاري تربوي واضح ومشوق للتلميذ الصغير. وفي درس آخر عن التهذيب الإسلامي في الكتاب نفسه يتم تعليم الأخلاق الإسلامية بالصور العادية في درس عن المظهر الحسن للطفل المسلم، وفي درس آخر عن الصلاة وكيفية أدائها (راجع ك 59 – ص 49 – 69).
نماذج جيدة
وفي أول كتاب لتعليم التربية الإسلامية يورد درس في السيرة نماذج جيدة في التعليم الديني المبتكر عبر تصوير السلوك الجيد الذي يدعو الإسلام إليه، والسلوك السيئ الذي ينهى  الإسلام عنه، وذلك بواسطة رسوم ملونة وواضحة. وفي موضع آخر نجد درساً مصوراً عن تعليم الصلاة للصغار (ك 56 – ص 61 - 69 – 75)، إن هذه الأمثلة هي تجسيد لما يقتضيه المنحى التربوي في تعليم التربية الدينية بحيث يتم تكييف الموضوع الدراسي الديني ليتلاءم مع شخصية المتعلم من حيث حجم المعلومات في الدروس. ومدى صعوبتها وكيفية تدرجها واخراجها، وخاصة في مجالات التهذيب والسيرة النبوية وفقه العبادات التي يمارسها التلميذ عمليا في حياته اليومية.
التخصص يغلب التربية
أما مجالات التوحيد والحديث والقرآن الكريم فقد كان تطويعها تربويا اكثر صعوبة نظرا لطابعها المجرد الى ابعد الحدود، ولذلك فقد غلب فيها التخصص الديني على التربية الدينية، سواء من حيث طبيعة الموضوعات او طريقة تأليفها، فكانت موضوعات مطلوبة لذاتها وبذاتها وليست مطلوبة لانماء هذا الجانب او ذاك من شخصية المتعلم في كثير من الحالات. واذا اخذنا مجموع موضوعات التربية الاسلامية في مجالاتها السبعة، فإننا نلاحظ غلبة الطابع التخصصي للموضوعات على الطابع التربوي التعليمي الاسلامي وهو ما يشير الي وجود خلل واضح في تنظيم المادة التعليمية الدينية ناجم عن عدم تفريق المؤلفين بين علوم الدين وبين التربية الدينية لتلامذة التعليم العام، تماما مثلما ان الفلسفة شيء وتعليم الفلسفة شيء اخر ومثلما ان علم التاريخ شيء وتعليم التاريخ في المدارس شيء اخر يأخذ شخصية المتعلم وحاجاته بالاعتبارالاول عند اختيار الموضوعات وتأليف الدروس.
ان تأليف مناهج التربية الاسلامية هو مسألة دينية وتربوية في آن معا، ويجب ان يخضع لشروط معينة مثل حصول صانعي المنهج على شهادة دراسات عليا في المواد الاسلامية وفي العلوم التربوية. لان هنالك فارقا بين التخصص بالعلوم الدينية والتخصص بتعليم الدين، فيجب التكامل بين الطرفين مع كفاءات اخرى متنوعة لانتاج مناهج نوعية في التعليم الديني.
فمعيار النجاح في تأليف كتب التربية الاسلامية ليس كميا فقط بل هو نوعي ايضا. ولو كان المعيار كميا فقط لما عانى التعليم الديني الاسلامي في الدول العربية والاسلامية من نقاط ضعف كثيرة اصبح يعرفها القاصي والداني، واصبح من المؤكد عند خبراء التربية والتعليم انه لا يمكن اصلاحها من دون التطرق الى فلسفة خاصة بالتعليم الديني واهدافه في التعليم المدرسي وهيكليته ومضمونه ا يضا.
أزمة تزداد حدتها
ومما يزيد من حدة ازمة التربية الاسلامية انها لم تستفد من التطورات العلمية والبيداغوجية التي لحقت بمواد دراسية اخرى مثل العلوم والرياضيات والاجتماعيات واللغة في الدول المتقدمة عالميا.
وظل التعليم الديني دون تطوير حقيقي نوعي كما كان من مئات السنين تقريبا، ولم تحصل تعديلات في جوهر هذا التعليم وفلسفته رغم كل التحسينات التي طالت اخراج كتب التربية الاسلامية وتبويبها، اضافة الى ادخال باب الثقافة الاسلامية وباب التهذيب الاسلامي الى مضامين المادة التعليمية الدينية وبسبب حجب التربية الاسلامية عن دائرة الاصلاح والتجديد مدة طويلة من الزمن فقد اصبحت غير ملائمة للتلاميذ وتحولت في اذهان الكثيرين منهم، الى «حصة الجمود والتخلف» كما لاحظ باحثون تربويون كثيرون واساتذة وموجهون للتعليم الديني الاسلامي في دول الخليج العربي ممن وجدوا ان نسبة عالية من التلاميذ تنأى بنفسها عن مادة التعليم الديني وتتوجه نحو الاهتمام بمواد دراسية اخرى وخاصة في التعليم المتوسط والثانوي (راجع: ابراهيم الشافعي، 1989).
موضوعات ودروس ملائمة
ان كتابة مناهج التربية الاسلامية يجب ان تنطلق من فلسفة تربوية معينة، ومن منهجية واضحة في كيفية مخاطبة عقل الولد والمراهق واختيار ما يلائمه من موضوعات ودروس دون نقص ودون زيادة لا طائل منهما، ايضا كما هو حاصل في المناهج الكويتية والخليجية التي تخلط بين تعليم الاسلام كمادة تخصصية دينية، وبين تعليم الاسلام كمادة توجيهية تثقيفية لتلامذة التعليم العام.
و لم تظهر حتى الان تبدلات نوعية في تعليم الدين في المدارس ولم تتبلور منهجية جديدة لتدريسه في التعليم العام سواء على صعيد حجم الدروس ام على صعيد مضمون الدروس ونوعيتها.
وفي داخل الدرس نفسه لم نجد خطة واضحة المعالم لبناء درس التربية الاسلامية في المناهج الدراسية الكويتية وفق نسق او نظام معين في الشكل وفي المضمون ايضا اوفي نظام عناوين الدرس وفي تدرجها من المقدمة، الى التعريف بالموضوع المطروح الى شرح عناصر الموضوع قبل الوصول الى استنتاج تعقبه اسئلة التقويم.
لنأخذ مثلا الدرس الخامس في كتاب التربية الاسلامية للصف السادس الاساسي (الجزء الثاني) وهو بعنوان «الايمان بأسماء الله تعالى وصفاته». يتضمن الدرس سبعة عناوين وهو يبدأ بتمهيد طبيعي يليه شرح «معنى توحيد الاسماء» دون ان نعرف لماذا استبدل المؤلف «الايمان» بالتوحيد وما المبرر! بعد ذلك يأتي عنوان عن اهمية الايمان بأسماء الله تعالى، يليه عنوان عن «فهم السلف لاسماء الله تعالى وصفاته» وهو ما كان يجب أن يظهر بعد العنوان الخاص بأهمية الموضوع.
العنوان الرابع في الدرس هو عن «فوائد الإيمان بأسماء الله وصفاته» وهذا عنوان جديد بأن يكون العنوان الأخير في الدرس قبل التقويم والأسئلة، أما العنوان الخامس الذي يتعلق بفهم السلف لأسماء الله وصفاته فمن الأفضل أن يأتي قبل العنوان الرابع الذي يسبقه، لأن الفوائد تأتي في آخر الدرس. وبالنسبة للعنوان السادس عن أن أسماء الله توقيفية، فقد كان من المستحسن وضعه بعد التعريف بالاسماء والصفات، أو إدخاله ضمن هذا التعريف (راجع ك 65 – ص 15 -16).
وفي درس «علم الله تعالى وقدرته» يتم إدخال عناوين تخرج عن الموضوع مثل «معنى اسم الله» أو «ثمرات وآثار معروفة باسم الله»، ثم عنوان مكرر تقريباً وهو «معنى اسم الله القادر القدير المقتدر»، يليه عنوان آخر مكرر: «من آثار وثمار معرفتنا اسم الله تعالى».. أي أن معظم أجزاء الدرس لا تمت إلى الموضوع بصلة مباشرة (راجع ك65 – ص16 – 18 ).
عشوائية
وخلاصة القول في توصيف عناوين ومكونات الدرس في مقرر التربية الإسلامية، تشير الى أنه لا يوجد نسق أو نظام منطقي وتربوي يجمع أجزاء الدرس الواحد في كتاب التربية الإسلامية الكويتي، إلا في نطاق ضيق وبصورة عشوائية في أكثر الأحيان.
ولكن هل تقتصر المشكلات التربوية لمنهج التربية الاسلامية على ضعف التنظيم التربوي للدروس، أوحتى غيابه أحياناً؟
إن المشكلة أكبر من ذلك لأنها تطال أيضاً نوعية المضمون الفكري الذي تقدمه نصوص التربية الإسلامية للتلاميذ، وهو ما نحاول تسليط الضوء عليه من خلال التقويم المعياري لمضامين التربية الاسلامية الكويتية، وهو يتضمن مدى شمولية الموضوعات الدينية، ودقة المعلومات التي تعرضها الدروس ومدى ملاءمتها لشخصية التلميذ وعالمه ومدى ترابطها، اضافة الى معايير فرعية اخرى مثل جمالية اخراج الدروس ولغتها واسئلتها.
التقويم المعياري
التقويم المعياري هو تقويم نوعي وظيفي، يستند إلى مجموعة من المعايير أو المبادئ النوعية التي تشكل مدخلاً لإصدار حكم على مضامين الكتب الدراسية، سواء في مادة التربية الإسلامية أو في غيرها من المواد الدراسية التي سبق لنا تقويم بعضها (لغة عربية، نحو، اجتماعيات)، وانطلاقاً من معايير محددة مثل مدى شمولية الموضوعات الداخلة في مادة دراسية معينة، ومدى ملاءمتها للمتعلمين، ومدى ترابط الموضوعات والدروس، ودقة المعلومات الواردة فيها، اضافة الى اخراج الدروس وملاءمة اسئلتها ولغتها للتلميذ الكويتي.
أ – شمولية منهج التربية الإسلامية
يقوم معيار الشمولية على عدم اسقاط اي محور أو موضوع من الموضوعات الخاصة بمقرر دراسي في سنة دراسية معينة، وعدم اسقاط اي عنصر مهم من عناصر الموضوع المطروح من خلال الدرس. وبعد النظر في مناهج ونصوص التربية الاسلامية في الكويت، وجدنا أنه لا يوجد نقص كمي في الموضوعات الدينية، بل يوجد فائض من الموضوعات والدروس التي يمكن حذفها من دون ان تتأثر نوعية التعليم الديني في شيء، إما لأن الموضوع مكرر أو متداخل جداً مع موضوع آخر، أو لأنه لا يتلاءم مع ما يحتاجه تلميذ التعليم العام من الثقافة الدينية.
 واكثر ما تظهر هذه الحالة في دروس دينية يغلب عليها الطابع الانشائي الفقير بالمعلومات والغني بالخطابة والمبالغة بدلاً من ذلك، كما نلحظ ذلك في دروس التوحيد وبعض دروس الفقه التي تفيض عن حاجة تلميذ التعليم العام الكويتي من العلم الديني طالما أنه ليس طالباً مختصاً بالشريعة، إن تخصص العلوم الدينية والشرعية شبيه بتخصصات الطب والهندسة، وكما أنه لا يجب على كل الناس أن يكونوا أطباء ومهندسين فإنه ليس من واجبهم كلهم أن يكونوا رجال دين ودعاة وقضاة شرع.
إن معيار الشمولية الكمية التي يعبر عنها حجم الدروس متحقق في مناهج التربية الاسلامية الى حد بعيد، بل والى ما هو زائد عن الحد أحياناً.
اما الشمولية النوعية فإن لها حديثاً آخر، لان مضامين التربية الاسلامية تفتقر اليها في حالات كثيرة كما يظهر ذلك من خلال حالات النقص في ملاءمة الموضوعات لشخصية الطالب، وفي دقة المعلومات والمفاهيم المطروحة في التعليم الديني وموضوعيتها.
ب – تقويم ملاءمة نصوص التربية الإسلامية
يقوم معيار الملاءمة على عنصرين رئيسيين هما: مدى صعوبة النص، ومدى قابليته لتشويق التلميذ وما يتطلبه ذلك من ان تكون للدرس وظيفة في حياة التلميذ، إلى هذا الحد أو ذاك، وهذا ما تختصره عبارة «الطابع الوظيفي للدرس»، فإلى أي مدى يمكن القول ان دروس التربية الاسلامية ملائمة للتلميذ الكويتي لجهة صعوبة المفاهيم الدينية المطروحة ولجهة درجة التشويق والطابع الوظيفي للدروس؟
للاجابة عن سؤال الملاءمة يمكن القيام باستقصاء ميداني لآراء التلاميذ ومعلميهم، يمكن أيضاً اللجوء الى دراسة مضامين منهج التربية الاسلامية في ضوء المتطلبات النفسية والتربوية لكل مرحلة من مراحل النمو عند تلاميذ التعليم العام، من عمر 6 سنوات إلى عمر 18 سنة، وفي ضوء متطلبات البيئة الاجتماعية في الكويت وقضايا ومشكلات هيئة البيئة.
 ومن خلال الأسلوب الثاني في العمل، والذي يقوم على تحليل مضمون مناهج التربية الإسلامية، وجدنا أن هذه المناهج ملائمة بنسبة لا بأس بها للتلاميذ في المجتمع الكويتي،¬ غير أنها تشكو في الوقت نفسه من ثغرات كبيرة على صعيد صعوبة النصوص حينا وقلة عنصر الطابع الوظيفي والتشويق في أحيان أخرى.
 السهولة والصعوبة
إن الأسلوب الأجدى في التعليم يقتضي تحقيق توازن ومواءمة بين المنهج الدراسي من جهة وشخصية المتعلم من جهة ثانية، لأن لكل مرحلة أو سنة دراسية ما يناسبها كما ونوعا من التعليم الديني.
ففي مرحلة التعليم الابتدائي تهدف التربية الدينية إلى تحبيب الولد بالإسلام بطريقة مشوقة، وإلى تعريفه بالأخلاق الإسلامية وأدب السلوك السليم، وإلى شرح الفرائض المطلوبة من الولد/البنت المسلم، مع الحديث عن سيرة النبي محمد (صلعم) وأصحابه وسيرة الشخصيات الإسلامية الكبرى.
وفي مرحلة التعليم المتوسط يمكن للمنهج الدراسي أن يركز على فقه المعاملات بين الناس، مع التعمق في شرح فرائض الصلاة والصوم والحج والزكاة، إضافة إلى دراسة نماذج مختارة من الآيات القرآنية (تفسير أولي) والأحاديث النبوية وقضايا الثقافة الإسلامية.
أما في مرحلة التعليم الثانوي فإن معيار الملاءمة يقتضي التركيز على موضوعات مجردة مثل مسائل العقيدة والتوحيد، ودراسة نماذج مختارة بعناية من الحديث النبوي الشريف، ومن الآيات والسور القرآنية (تفسير) دون أن ننسى موضوعات الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي وقضايا العالم الإسلامي المعاصرة.
إن هذا التصور الخاص بمعيار ملاءمة محتوى المقررات الدينية للتلميذ الكويتي في المراحل الدراسية، يستند إلى خصائص مراحل النمو الذهني للتلميذ والمراهق، من المرحلة الحسية في الحلقة الأولى الابتدائية، إلى المرحلة شبه الحسّية في الحلقة الثانية من التعليم الابتدائي، حيث يتعلم التلميذ من خلال ما هو حي وعملي ومجرد معا، وأخيرا إلى المرحلة المجردة في التعليم المتوسط والثانوي، حيث يطلب التفكير العقلي المنطقي المجرد عند التلميذ. واستنادا إلى هذا التدرج في نمو التفكير عند الولد والمراهق وجدنا أن دروس التربية الإسلامية يتجاذبها أحيانا توجهان متعارضان، كلاهما سلبي بالنسبة للتلميذ: التوجه الأول يستهين إلى حد ما بعقل التلميذ فيلح على موضوعات سهلة جداً، والتوجه الثاني يبالغ في تقدير عقل التلميذ فيطرح عليه موضوعات تتجاوز قدرته الطبيعية على فهم القضايا الغيبية المجردة واستيعابها بصورة فعلية.
تكرار ما تعلمه في البيت
ومن مظاهر التوجه التبسيطي الأول أنه لا توجد أي إشكالية تحتاج إلى تعلم وتفكير، في كثير من دروس التوحيد التي تطرح موضوعات وأفكارا بديهية إلى حد كبير يعرفها التلميذ الكويتي قبل أن يأتي إلى المدرسة، حيث لا يجد سوى تكرار لما يعرفه في البيت. بالمقابل تبرز مظاهر التوجه الثاني من خلال موضوعات ومفاهيم عقيدية وفقهية كثيرة، ومن خلال نصوص قرآنية وأحاديث نبوية يصعب على التلميذ استيعابها، وعلى كثير من الراشدين أيضا. وبما أن حالات صعوبة النص أكثر بكثير من حالات السهولة في النص التعليمي. فإننا نركز على جانب الصعوبة آملين من وزارة التربية معالجته. وفي ما يلي نماذج من حالات الصعوبة في موضوعات ومفاهيم التربية الإسلامية في الكويت:
يتضمن كتاب التربية الإسلامية للصف الأول الابتدائي آيات قرآنية عديدة، فكيف يمكن لولد عمره ست سنوات أن يقرأ الآيات القرآنية الكريمة التي تخاطب الراشدين والراشدات أصلا ممن يعرفون القراءة والكتابة؟ وحتى لو قرأ الولد سورة الفاتحة مثلا، فهل يفهمها حقا؟
هذا صعب برأينا وبرأي أي خبير في قضايا التربية والتعليم.
وفي الإطار نفسه، كيف يمكن للولد أن يردد أحاديث نبوية يصعب عليه فهمها إلا بشق النفس؟ (راجع ك 56، الصفحات 20 – 30 – 32) كيف يستطيع الولد الذي دخل لتوه إلى المدرسة أن يقرأ أو يفهم معنى سورة الذاريات: «والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون»؟!
هل يحيط الراشدون منا بهذه السورة ومعانيها؟ وهل يستوعب الولد فعلا سورة الكوثر أو «سورة فعلت» مهما اجتهد المعلم في شرحهما  له؟!
هل يفهم ولد صغير معنى عبارة «القدر خيره وشره»؟ وهل يستوعب حقا معنى كلمات مثل أبابيل، تضليل، كيدهم، سجّيل، وعصف مأكول.. مع ملاحظة أن هذه كلها من جزء من سورة الفيل؟!
وهل يفهم كلمات الكوثر، والنحر، وشانئك، والأبتر في سورة الكوثر؟ (ك 56 ص32 – 34).
إن الولد في عمر ست سنوات لا يفهم التعليم الديني كنظام فكري متخصص، بل يفهمه كنمط أخلاقي سلوكي تهذيبي يعيشه فعليا، وهذا ما يبرز في كتاب التربية الإسلامية الأول (ك 56 – ص 5). حيث نجد محورا بعنوان «التهذيب» وهذا أمر ملائم للتلميذ من الناحية التربوية. إن سورة مثل سورة الكوثر تنطوي على صعوبة أكيدة بالنسبة للولد الصغير، وهذا الأمر يعيدنا إلى اشكالية الحفظ من غير فهم كخيار مطلوب من التلميذ عندما يجد أمامه نصوصا أعلى من مستواه الفكري.
وبالطبع فإن الولد يستطيع أن يحفظ نصوصا لا يفهمها حفظاً ببغائيا، ولكن الأمر خطأ من الناحية التربوية الحديثة والقديمة معاً.
فهذا مفكر اسلامي قديم مثل برهان الدين الزرنوجي (متوفى عام 519 – هـ) يقول انه «ينبغي أن يبدأ المتعلم بما هو أقرب إلى فهمه وألا يحفظ إلا بعد التعلم» (الاهواني، التربية في الإسلام، دار المعارف في مصر، ص 211).
وقبل كل هذا لا ننس نصيحة رسول الله (صلعم) عندما قال لنا: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»، فهذا القول الموجز يصيب كبد الحقيقية في مسألة تبسيط الدرس الديني للصغار وتكييفه بحسب عقولهم، لأن هناك فارقاً بين التعليم التخصصي المتعمق للدين، والتعليم المدرسي التمهيدي للدين.
مستويات في التعليم
إن على مؤلفي كتب التربية الإسلامية أن يراعوا هذا المبدأ التربوي، وفي هذا الإطار يمكننا التفريق بين ما يلي من مستويات في التعليم الديني المدرسي العام:
● نصوص مدرسية تمهيدية سهلة في التعليم الابتدائي.
● نصوص مدرسية متوسطة الصعوبة في التعليمين المتوسط والثانوي.
● نصوص مدرسية متعمقة بمستوى المعاهد والمدارس الشرعية.
● نصوص جامعية متخصصة بمستوى الإجازة الجامعية.
● نصوص دراسات عليا في الإسلاميات بمستوى الماجستير والدكتوراه.
إن على مؤلفي كتب التربية الإسلامية للتعليم العام أن يحيطوا بهذه المستويات الخمسة للنصوص قبل أن يقوموا بعملهم في تأليف الدروس والكتب التعليمية الإسلامية.
● يقدم المؤلفون للولد أناشيد دينية في الصف الأول الابتدائي قد ينفر منها الكبار أنفسهم لصعوبة مفرداتها وشدة التجريد فيها. فكتاب التربية الإسلامية الأول يبدأ بقصيدة عن العقيدة الإسلامية يصعب على الولد فهمها لأنها تتضمن عبارات أعلى من المستوى الذهني للصغار، مثل عبارتي «يوم الحشر» أو «مالك الملك» وغيرهما الكثير. ومما يزيد في صعوبة القصيدة انها تفتقر أيضاً إلى الحد الأدنى من الإيقاع الشعري، وأن الدرس الذي يليها يقال فيه على لسان الولد: «أنا أستدل بنظام الحركة في الكون وفي الحياة على وجود الله تعالى ووحدانيته»، فهل يمكن لولد صغير أن يفهم فعلاً معنى نظام الحركة في الكون؟ وهل كل الكبار منا يعرفون دلالة هذه العبارة؟! (ك 56 – ص 8 – ص 10).
صعوبة المعنى واللغة
وتتكرر صعوبة الأناشيد في معظم ما ورد منها في كتب التربية الإسلامية، ومنها ما يضيف صعوبة المعنى واللغة، كما في أنشودة في مجال السيرة (ك 56 – ص 50)، وفي أنشودة في مجال علوم القرآن (ك 57 – ص 22). وفي أنشودة في مجال الحديث الشريف من 12 بيتاً (ك 57 – ص 36) يجد تلميذ الأول الابتدائي نفسه أمام قصيدة مفروضة عليه يصعب حتى على الكبار ان يحفظوها، نظراً لصعوبة عباراتها وخفوت إيقاعها الشعري، فضلاً عن أنها لا تمت إلى الحديث الشريف بصلة إلا في ثلاثة من أبياتها فقط، والباقي من الأبيات يتحدث عن الأخلاق الإسلامية بصورة عامة.
والغريب هو أن النص الشعري يقول إن «المسلم من سلم الناس من يده من كل حواس»، فكيف يفهم الصغير والكبير كلاماً مثل هذا؟ وهل توجد حاجة إلى أن يسلم الناس من حاسة السمع وحاسة البصر عند الإنسان المسلم!
الشاعر المؤلف يقصد سلامة الناس من لسان هذا الفرد أو ذاك، ولكن التعبير خانه وخانته الدقة في الكلام لضرورات الوزن والقافية، وهذا أمر مربك للتلاميذ ويصعب عليهم التعامل معه، فالولد من عمر 6 سنوات لا يحتاج إلى كل هذه التعقيدات في الشكل والمضمون، ومن الأفضل أن نختار له قصيدة صغيرة تتركز كل أ‍بياتها على أهمية الحديث الشريف وأثره في حياة الإنسان المسلم، وذلك بعبارات سهلة وفصيحة ومشوقة له مع إيقاع شعري واضح وبارز للقصيدة حتى يسهل على التلميذ حفظها وفهمها كما في أنشودة «طلع الفجر علينا».
وفي أنشودة لمجال السيرة (ك 57 – ص 50) تتجدد مشكلة صعوبة الأناشيد الدينية التي لا يهتم أصحابها بنفسية الولد وعقليته مع أنها تتوجه إليه مبدئياً، فكيف يقال للولد في البيت الأول من القصيدة إن رسول الله (صلعم) «جاء ليهدينا والجان»؟!  يصعب على التلميذ معرفة ذلك واستيعابه، حتى لو كان الأمر صحيحاً من الناحية الشرعية. وهذه الصعوبة في فهم النص الشعري تظهر أيضاً في البيت الثاني الذي جاء فيه:
قرن الله اسم العدنان
باسم الله بكل أذان
إن عوامل الصعوبة، والغموض، وعدم الملاءمة المحيطة بهذا البيت لا تسمح للتلميذ بفهمه، حتى لو قلنا له إن المقصود بالعدنان هو النبي محمد (صلعم) نفسه، فلماذا نقحم ولداً طري العود بهذا القدر من التعقيد الشعري؟ ولماذا نقدمّ له أشعاراً صعبة وملتبسة العبارة وتشكو من خلل إيقاعي وزني فوق ذلك؟!
وفي الأنشودة الخاصة بمجال الفقه يتجدد النقص في ملاءمة النص الشعري لتفكير الولد وعالمه بالنظر إلى صعوبة المضمون وجمود الشكل اللغوي وقلة الإيقاع الشعري. ففي البيت العاشر، حيث يغلب التنظيم غير الموزون على الشعر، تصعب معرفة ما يقصده الشاعر المؤلف بقوله:
وبه أجلس باطمئنان
يصحبني فيه استحضاري
فكيف يجلس الولد مطمئناً في الذات الإلهية العالمة بأسرار الكون كما يشير إلى ذلك البيت التاسع من القصيدة؟ وكيف يصحب الولد «استحضاره»؟! يبدو ان المسألة كلها مسألة وصف كلام منظوم كيفما اتفق، وهذا الأمر يسيء إلى الشعر، كما يسيء أيضاً إلى تلامذة المدارس في الكويت، (ك 57 ص 64). وهذه الحالة تبرز كذلك في قصيدة من وحي العقيدة والتوحيد في كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث الابتدائي (الفصل الأول) وفيها يقول المؤلف إن النبي نوح (عليه السلام)
يدعوهم لعبادة ربي
ليل نهار وباستمرار
فما الفرق يا ترى بين عبارة «ليل نهار» وعبارة «باستمرار»؟!
إن الأنشودة شعر مميز وصعب، ولا يؤلف الأناشيد (مثل النشيد الوطني)  إلا من كان عنده موهبة لغوية وثقافة وفكر معاً، وإلا صارت الأنشودة أشبه بهتافات الجماهير في التظاهرات الحاشدة.
ثمة مفاهيم ومصطلحات ومعطيات يمكن للولد أن يستوعبها، وثمة مفاهيم أخرى يصعب عليه فهمها كما في درس «الله الخالق» (ك 56 – ص 13)، حيث يطلب المؤلف من التلميذ أن يستعين بآيات من سورة الذاريات وسورة لقمان يصعب على الكبار أنفسهم فهمها بدقة. فهل المطلوب من الأولاد أن يحفظوا النصوص من دون فهم؟
إن هذا مناقض لأصول التربية الحديثة التي تحارب الحفظ الذي لا يقترن بالفهم في أي مادة من المواد التعليمية.  ومن المعطيات أو المفاهيم التي يصعب على التلميذ استيعابها مفهوم «التوكيل والتواكل» والفرق بينهما (ك 57 – ص14).
فهل لغة ولد في الأول الابتدائي هي لغة رجل أديب حتى يميز بين التوكيل والتواكل؟
وفي الكتاب نفسه يصرّ المؤلف على إرباك التلميذ بتسمية «السبع المثاني» لسورة الفاتحة والتي لا يوجد شرح لها في النص. وفي كتاب الصف الثالث الابتدائي (الجزء الأول) يقول المؤلف إن جبريل (عليه السلام) «نزل بالقرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ وألقاه على السَّفرة الكرام البررة في بيت العزة من السماء الدنيا..» (ك 58 – ص 29). فهذا القول يحتاج إلى شرح واضح لأن مفاهيمه ليست بديهية المعنى ويمكن للكبار أن لا يحيطوا بها أيضاً، فكيف بالصغار يا ترى؟ هل يستوعب هؤلاء مفهوم اللوح المحفوظ، أو مفهوم السفرة الكرام البررة؟ أو مفهوم بيت العزة من السماء الدنيا؟
ولنأخذ أيضاً عبارة «عند الطور وعند النار»، وهي ثقيلة على نفس التلميذ الصغير، وربما على نفوس الكبار أيضاً لأنها غير متداولة بينهم وإن تكن صحيحة ويقصد بها أرض سيناء. فلماذا لا يستبدلها المؤلف بعبارة «في سيناء بقرب النار» مثلاً؟ ولماذا الإصرار على كلمة «في اليم» بدل أن نقول «في البحر»؟ هل كلمة «اليم» أكثر عذوبة أو أكثر تداولاً من كلمة البحر؟ (راجع ك 59 – ص 12). والشيء نفسه يمكن أن يقال عن تسمية «المعوَّذتين» الصعبة على التلاميذ لفظاً ومعنى.
صعبة على المعلم فكيف على التلميذ؟!
إلى جانب الصعوبة العامة في المفاهيم المستعملة في نصوص التربية الإسلامية، صعوبات خاصة بعدم قدرة الولد على الاستيعاب الصحيح للآيات والسور القرآنية الكريمة وهو ما يزال إما في مرحلة الطفولة المبكرة أو في مرحلة الطفولة الوسطى أو حتى الطفولة المتأخرة. وبالرغم من المعطيات التي جاء بها علم النفس التربوي حول بناء مناهج التعليم وحول تفكير الولد، فقد دأب مؤلفو مناهج التربية الإسلامية على طرح نصوص قرآنية على ولد عمره 6 سنوات يمكن طرحها على شيخ عمره 60 سنة، فيطلبون مثلاً من الولد استخراج أسماء القرآن الكريم من سورة البقرة وسورة الفرقان وسورة الحجر، وهو ما يمكن أن نطرحه على معلم التربية الإسلامية نفسه. فهل يفهم الولد في السادسة من عمره كلمة «فرقان» أو كلمة «الذكر» على سبيل المثال؟ أم أنه يحفظ العبارات التربوية الإسلامية بدون فهم في الغالب؟ وهل ان النص هو من أجل المتعلم أم أن المتعلم هو في خدمة النص وعليه أن يتكيف مع مضمون الدرس بدل تكييف هذا المضمون مع شخصية المتعلم؟
لماذا لا يقول المؤلفون للولد ببساطة إن للقرآن الكريم أسماء كثيرة من بينها «الفرقان» أي ما يفرّق بين الحق والباطل، ومنها «الكتاب» الذي يجمع الآيات والسور؟! وكيف يمكن لولد عمره سبع سنوات أن يدرك بأن «الذكر» يعني الشرف لمن يؤمن به؟ هذا أمر صعب بالنسبة للصغار لأنه لا يوجد رابط منطقي، لغوياً أو دلالياً، بين كلمة «الذكر» وكلمة الشرف، وبالتالي كان يجب توضيح الالتباس وشرح معنى المفهوم الجديد على التلميذ بصورة مبسطة وإلا فلا لزوم لتضمين الدرس أي عبارة أو مصطلح أو مفهوم غير قابل للشرح والاستيعاب الفعلي من التلاميذ (ك 57 – ص 24).
مأزق التربية العربية.. والكويتية
ومن المفاهيم التي يصعب على التلاميذ استيعابها بصورة صحيحة مفهوم التحريف عند اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل. فكيف يفهم ولد صغير في الثالث الابتدائي معنى التحريف الديني طالما انه لا يمكنه الاطلاع عملياً على النصوص التوراتية والإنجيلية؟ وهل يمكن لنا نحن الكبار الراشدون أن تحدد بالضبط طبيعة التحريف الذي لحق بتلك النصوص؟ (راجع ك 60 – ص 20).
إن درس أسماء القرآن الكريم للصف الأول الابتدائي يكشف على بساطته الشكلية، عن مأزق التربية التقليدية العربية في تعاملها مع قضية تنشئة الأولاد في المدرسة. فالمؤلفون والمسؤولون الذين يقفون وراءهم، يسعون إلى السيطرة على عقول التلاميذ بدل السعي إلى تنمية هذه العقول وتحفيزها على الإبداع.
اضافة الى صعوبة المفاهيم ثمة صعوبة خاصة بالنص القرآني بآياته الكريمة وسوره المباركة التي يتم تقديمها للتلامذة الصغار، دون اي تدبير او تكييف يسمح بالتكامل بين البعد الديني الصرف (المضمون القرآني) والبعد التربوي الذي يأخذ في الاعتبار شخصية التلميذ ومستواه الفكري وحاجاته النمائية والحياتية، فهل نحن بحاجة لأن نعيد ونكرر أن علوم الدين ليست مطابقة لتعليم الدين للمتبدئين، وان علم الكيمياء مثلا مختلف عن تعليم الكيمياء للصغار؟ والأمر نفسه يقال عن سائر المواد الدراسية؟ ومع الأسف فإن المؤلفين لا يراعون هذه الاعتبارات الا في جزء صغير من كتب مقررات التربية الاسلامية. ففي محور «أنبياء الله تعالى» يعتمد المؤلفون اسلوب ايراد الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الانبياء والرسل، دون منهجية تربوية حقيقية في انتقاء الايات والسور وما يناسب الاولاد منها في كل مرحلة عمرية، وفي كل سنة دراسية.
منهجية الاختيار
لماذا لا تقوم لجنة التربية الاسلامية بدراسة حول منهجية اختيار المضمون القرآني الملائم لكل سنة دراسية واختيار الاحاديث الشريفة ايضا؟
قد تكون الآية او السورة (او الحديث النبوي) صغيرة الحجم، ولكن تنطوي على صعوبة المفاهيم والعبارات والكلمات فيجب طرحها في مرحلة لاحقة تناسب القدرة الذهنية للتلاميذ، فالآية 35 من سورة الأحزاب مثلا أعلى من مستوى التلميذ المبتدئ وقدرته على الفهم. والأمر نفسه يتكرر مع الآية الخامسة والآية (12) من سورة الليل (ك 58 – ص 66 – 72). والايتان 41 و47 من سورة مريم عن نبي الله ابراهيم جديرتان بطالب في نهاية المرحلة الثانوية، وليس بتلميذ في الصف الثالث الابتدائي. (ك 58 – ص 16).
هل يدرك تلميذ في الصف الثاني الابتدائي معنى  كلمة (الصراط) او كلمة (وليا) او كلمة (خفيا)؟ وهل يستوعب فعلا، لا حفظا، دلالة الآية 46 من سورة مريم: «قال أراغب انت عن آلهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا»؟!
عبارات.. وأطفال
ان عبارة «راغب عن الشيء» تعني العزوف او الابتعاد عنه، وهذا المفهوم يستحيل ان يدركه ولد صغير، او ان يحسن قراءته مع فهمه، وكيف يفهم الولد معنى عبارة «إن لم تنته...»، اي لم تمتنع عن كذا؟ وكيف يستوبع كلمات مثل مليا او حفيا...؟! كثير من الراشدين لا يعرفون معاني هذه الكلمات بدقة، فلماذا نجبر الولد على حفظها من دون فهم؟
لقد كان من الممكن اعتماد أسلوب آخر في تقديم الانبياء والرسل الى التلاميذ على اساس السرد القصصي المبسط والمزين بالرسوم كما فعل المؤلفون انفسهم في بعض دروس التربية الاسلامية، وهذا الاسلوب يعتمده القرآن الكريم نفسه في مواقع كثيرة، ولكن عندما نلجأ اليه مع الاطفال، فإنه يجب ان يكون مشوقا في اخراجه، مبسطا الى ابعد حد ممكن في لغته، وبهذا الاسلوب يفهم الولد جوهر الفكرة الدينية بطريقة مشوقة وواضحة بدل ان نلح عليه بحفظ مضامين وترديدها من دون فهم حقيقي او تفكير ذاتي، وهذا امر مخالف لأبسط مبادئ التربية الحديثة القائمة على النشاط التعليمي الذاتي للتلاميذ.
ان كثرة المفاهيم الصعبة المطروحة على التلميذ تؤدي الى تعطيل قدرته الذهنية على الفهم والاستيعاب، ولا تفيد في بناء شخصيته بل هي تفيد في تعزيز ملكة الحفظ الأعمى، اي الخالي من البصيرة الفاهمة، وتلك ليست هي الغاية من تعليم التربية الاسلامية.
خالية من الصعوبات
قد يعترض المؤلفون التقليديون على السعي لملاءمة المضمون الديني لعالم التلميذ، قائلين إنه لا توجد نصوص قرآنية او احاديث نبوية خالية من الصعوبة، وقد سبق للدكتور حطاب ان رد على هذا الاعتراض، مشيرا الى قول الله تعالى «ولقد يسّرنا القرآن للذكر»، ومؤكدا انه توجد نصوص دينية اكثر يسرا من غيرها، إلا أن المشكلة هي في عشوائية اختيار النصوص وعدم اعتماد منهجية تربوية واضحة في عملية الاختيار، والشيء نفسه يقال عن الاحاديث النبوية الشريفة التي لا يختار المؤلفون منها للصغار ما هو سهل وملائم لتوجيههم الخلقي والسلوكي بدل اختيار احاديث لا يستوعبها غير الكبار. ولنأخذ حديثا نبويا يقول «إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون اكنافا، الذين يألفون ويؤلفون} (ك 58 – ص 39).
فهل ترون ان بمقدور الولد الصغير ان يحيط بعبارة «الموطؤون اكنافا»؟ وهل يستطيع معلمو التربية الاسلامية انفسهم ان يعرفوا معنى هذه العبارة قبل الرجوع الى تفسيرها. او الى معجم اللغة؟! وهل عبارة «يألفون ويؤلفون» سهلة على تفكير التلميذ الابتدائي الذي عليه ان يدرك المعنى اللغوي والمعنى الفكري للعبارة؟ ما سيفعله التلميذ في هذه الحالة هو ان يكتفي بحفظ الكلمات والعبارات لا اكثر (راجع ك 58 – ص 39).
الموضوعات الدينية تطرح بأسلوب
يصلح للكبار أكثر مما يصلح للصغار

ان منهج التربية الاسلامية في صيغته الحالية يطرح الموضوعات الدينية دون تمحيص او استنساب وبأسلوب يصلح للكبار اكثر مما يصلح للصغار، دون ان تكون لهذا الخيار اي خلفية تربوية حقيقية تحدد الاهداف المرجوة في كل مرحلة، وسنة دراسية محددة، وصولا الى الاهداف الاجرائية العملية للحصة الدراسية، فالاهداف التربوية الصحيحة تأخذ في الاعتبار ليس فقط مضمون المادة الدينية التي يرغب المؤلفون في ايصالها للتلاميذ، بل وتأخذ في الاعتبار ايضا المستوى الذهني للتلميذ وما يلائمه من موضوعات متدرجة بصعوبتها من البسيط الى المتوسط الصعوبة الى الصعب بمجاراة نمو تفكير الولد من المستوى الحسي الحركي الى المستوى العملي الاجرائي، واخيرا المستوى المجرد كليا مع دخول الولد في مرحلة المراهقة حيث يمكن طرح الموضوعات الدينية المجردة مثل التوحيد أو العقيدة والتفسير والحديث وغيرها، مما يمكن للتلميذ البالغ أن يفهمه ويخوض فيه.
ولا نختم ملف الصعوبات التي يواجهها التلميذ الكويتي في دراسته للتربية الاسلامية دون ان نشير أخيراً إلى صعوبة المراجع المقترحة عليه للاطلاع والاستزادة في طلب المعارف الدينية، حتى ان المؤلفين يقترحون على تلميذ الصف الأول الابتدائي ما مجموعه 53 مرجعاً في العلوم الدينية من بينها ما يلي:
- الاتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي.
- إحياء علوم الدين، لابي حامد الغزالي.
- البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي.
- زاد المعاد في هدى خير العباد، لابن قيم الجوزية
- سنن أبي داوود، للسجستاني.
- الكواكب الدرية في فقه المالكية، لمحمد جمعة عبدالله.
- مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبدالعظيم الزرقاني.. إلخ.
يستحيل أن تكون هذه العينة من المراجع الاسلامية موجهة للتلميذ في الصف الابتدائي الأول ليتعمق في دراسة الاسلام، لأن الولد في عمر سبع سنوات قد لا يعرف كتابة اسمه، ويستحيل ان تكون المراجع الخمسون ونيف من الكتب موجهة للمعلم، لأن الكتاب هو كتاب التلميذ المتعلم، وليس دليلاً للمعلم في كيفية تعليم الدين أو للاستزادة من العلوم الدينية. يبقى اذن الاحتمال الثالث وهو ان هذه المراجع موضوعة في آخر الكتاب لأن المؤلف استعملها عند كتابة النصوص الدينية، كما هي الحال عند تأليف اي كتاب، او كتابة بحث علمي او دراسة جامعية، ولكن في هذه الحالة تقضي الاصول بألا تتم الاشارة الى اي مرجع من المراجع المذكورة الا عند استعمال هذا المرجع لمرة او اكثر في ثنايا الكتاب وهذا ما لا نجده في مضمون الدروس على كل حال، الا في حالات الاشارة الى رقم الآية أو السورة في القرآن الكريم او عند الاشارة الى راوي الحديث النبوي فيقال: رواه فلان في المرجع الفلاني.
اما ما تبقى من مراجع فهو جدير بطالب جامعي تقريباً، ومعظم هذه المراجع اما انه لا حاجة له في دروس اسلامية مبسطة جداً، او ان استعماله لم يظهر في اي درس من دروس التربية الاسلامية للصف الاول الابتدائي، وبالتالي فإن المراجع تصبح مجرد زينة في آخر الكتاب تبهر القارئ العابر للنصوص بسرعة دون تمعن او دراية، فنحن لم نجد مثلاً نصوصاً مستلَّة من كتاب احياء علوم الدين للغزالي، أو من كتاب زاد المعاد في هدى خير العباد لابن قيم الجوزية.. إلخ.
تجارب
في بعض الدول العربية مثل سوريا وتونس جرت محاولات دؤوبة لاعتماد منهجية تربوية خاصة بالتعليم الديني ركزت من خلالها على الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والاصلاحية في الدين الاسلامي لتستفيد منها في خدمة الاستراتيجية السياسية والايديولوجية للدولة السورية وهو ما ظهر حتى في اختيار العناوين الخاصة بمقررات التربية الاسلامية بحيث اختلفت هذه العناوين كثيرا عن مثيلاتها في بقية الدول العربية والاسلامية.
ومن جانبها تبنت تونس رؤية تحديثية عصرية للتعليم الديني في المدارس وفي كليات ومعاهد الشريعة والفقه منذ تسعينات القرن الماضي فأعدت مناهج جديدة للتعليم الاسلامي ليصبح اكثر تصالحا مع الحداثة وحقوق الانسان وهكذا فقد ادخل التونسيون موضوعات جديدة الي ساحة التربية الاسلامية مع التركيز على الشخصيات الاسلامية الاصلاحية المجددة وعلى قضايا الديموقراطية والتنمية والمساواة بين المرأة والرجل .
الحلقة الثالثة:
منهج يعامل التلاميذ كأنهم كفرة!

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |