الاثنين، 8 أغسطس، 2011

جريدة الرياض : رمضان وقضايا الأمة

جريدة الرياض : رمضان وقضايا الأمة

رمضان وقضايا الأمة

عبدالجليل زيد المرهون

نحن أقوياء بالقدر الذي نؤكد فيه اندماجنا البناء والايجابي في هذه الأرض، ونسعى في مناكبها، ونبتغي من فضل الله، علماً ورزقاً حسناً. وهذه هي فلسفة العلاقات الدولية. بل هذا هو أصلها وجوهرها. وقد أوضحه لنا الله تعالى في القرآن المجيد، قبل نحو ألف وخمسمائة عام

ما هي أولويات المسلمين اليوم؟. وما الذي يُمكن عمله، ونحن في رحاب شهر رمضان المبارك؟

أولاً: نشر قيم البر والتقوى

يُمثل شهر رمضان المبارك فرصة مثالية للتأكيد على قيم البر والتقوى، وتهذيب النفس البشرية.

وبالنسبة للقوى الحية في العالم الإسلامي، فإن هناك وظيفتين أساسيتين، يُمكن التأكيد عليهما خلال هذا الشهر الفضيل، والتنبيه إلى الفضائل والخصال الكامنة في كل منهما.

أولى هذه الوظائف، مد يد العون إلى الفقراء والمحتاجين، والإحسان إليهم، والرفق بهم. وهذه المهمة يجب أن تكون دائمة ومستمرة في حياة الإنسان المسلم، إلا أن فضائلها وحسناتها عند الله، عز وجل، تكون مضاعفة في شهر رمضان، الذي جُعل شهر رحمة، ويُمن وبركة.

في العالم الإسلامي اليوم هناك عدد كبير من الفقراء والمحتاجين، والذين لا يجدون قوت يومهم. ومساعدة هؤلاء هي فرض عين. أو فرض كفاية في أقل تقدير.

ووفقاً للمؤشرات المعتمدة دولياً، فإن نسبة من هم تحت خط الفقر تصل إلى 80% من عدد السكان في إحدى الدول الإسلامية، وهي تشاد، التي يبلغ تعدادها 10.7 ملايين نسمة.

كذلك، تصل هذه النسبة إلى 70% في كل من قطاع غزة، وموزمبيق ونيجيريا وسيراليون وسورينام.

وبعملية جمع بسيطة يتضح أن المجموع الكلي للكتل الديموغرافية، للمناطق والدول الخمس سابقة الذكر، هو 185.5 مليون نسمة. و70% من هؤلاء تساوي 129.8 مليون نسمة، تحت خط الفقر.

وفي دول إسلامية أخرى، وصلت نسبة الواقعين تحت خط الفقر إلى 63% في النيجر. وبلغت في جزر القمر 60%، وفي السنغال 54%، وطاجيكستان 53%، والكاميرون 48% واليمن 45.2%.

وبلغت هذه النسبة 40% في كل من بنغلادش وقرغيزستان وموريتانيا والسودان.

إن المطلوب هو عمل مؤسسي منسق، وبعيد المدى، لإنقاذ ملايين المعوزين، من خلال المساعدات العينية والمالية، وكذلك دعم وتأسيس المشاريع الاقتصادية المختلفة. والعناية بدور الرعاية الاجتماعية والصحية. وإنشاء المدارس والمعاهد ومراكز التدريب، القادرة على تنمية المواهب والقدرات، التي تساعد أكبر عدد ممكن من السكان على الانخراط في سوق العمل.

وبالطبع، هذه مهمة الدول والهيئات الأهلية على حد سواء.

البعد الآخر، الذي يجب التنبيه إليه، في الشق الخاص بنشر قيم البر والتقوى، في هذا الشهر الكريم، هو بث الوعي بالدين وتعاليمه السمحة، وخاصة برامج تحفيظ القرآن الكريم، وأحكام تلاوته وتجويده.

إن هذه البرامج يجب أن تتجه، على نحو خاص، إلى الفتية، لتؤسس فيهم الوعي والروح الإسلامية، حتى يكون مستقبل أجيال الأمة رشيداً وصالحاً.

إن الأمة الإسلامية تتصف بكونها أمة فتية، أي يغلب على سكانها الفتية والشباب. وهذا عامل قوة في الأمة، وهو مبرر، في الوقت ذاته، لمضاعفة برامج الرعاية والإرشاد الفكري والروحي.

ووفقاً للمؤشرات المثبتة في العام 2011، فإن مجموع أكبر خمس دول إسلامية، من حيث عدد السكان، يساوي 828 مليون نسمة. وهذه الدول هي على التوالي: إندونيسيا، باكستان، بنغلاديش، نيجيريا ومصر.

في هذه الدول مجتمعة، تصل نسبة السكان الذين هم دون الخامسة عشرة من العمر إلى 34.06%. أي أننا بصدد كتلة ديموغرافية قدرها 243.5 مليون نسمة، نصف هؤلاء، أي 121.75 مليون نسمة، هم بين 7 إلى 14 عاماً. وهو العمر الذي يُمكن أن تبدأ فيه مرحلة التعليم الديني الفعلي، وخاصة تعليم الفروض وحفظ القرآن الكريم، وأصول تلاوته وتجويده.

وإذا أخذنا الرقم على صعيد العالم الإسلامي، مضافاً إليه الأقليات الإسلامية الكبيرة، في الهند والصين وإثيوبيا والفلبين، فإن عدد الفتية المسلمين (الذين تتراوح أعمارهم من 7 إلى 14 عاماً) هم في حدود 300 مليون شخص.

وبالطبع، فإن نسبة هذه الفئة من السكان تتفاوت في دول العالم الإسلامي على نحو ملحوظ. وهي تصل ذروتها في أوغندا، حيث تبلغ 49.9%. أي أننا بصدد مجتمع فتيّ، بحاجة إلى إمكانات تعليمية هائلة، فضلاً عن أشكال الرعاية الأخرى.

وتصل نسبة الفتية في النيجر إلى 49.6% وفي مالي 47.3% وتشاد 46%.

وبالنسبة للدول الإسلامية الخمس، الأكثر كثافة من حيث السكان، فإن هذه النسبة تصل في نيجيريا إلى 40.9%، وباكستان 35.4%، وبنغلاديش 34%، ومصر 32.7% وإندونيسيا 27.3%.

وتبلغ هذه النسبة في اليمن 43%، والسودان 42.1%، والسعودية 29.4%، والمغرب 27.8% والجزائر 24.2%.

ثانياً: تأكيد نهج الوسطية والاعتدال

القضية الأخرى التي حريّ بنا التأكيد عليها، ونحن نعيش في رحاب شهر رمضان الكريم، هي التأكيد على وسطية هذا الدين واعتداله. وأنه رحمة للعالمين.

هذه الوسطية يجب أن يعيشها المسلمون فيما بينهم، ويستندون إليها في علاقتهم بالآخر، المتباين معهم دينياً.

على صعيد العلاقة بين أبناء الأمة، يجب أن تسود روح الوحدة والتضامن، ونبذ حالة الشقاق والفرقة، المرتكزة على خلفيات جغرافية أو عرقية أو مذهبية، فنحن أمة واحدة، لا أمتان.

بالطبع، نحن لسنا مجموعة أمم. ومن يصفنا على هذا النحو فإنه يعود بنا إلى حيث الجاهلية الأولى، التي كرمنا الله تعالى بالخروج منها.

على الأمة أن تنطلق من وحي رمضان الكريم، ورحانيته السامية، لتؤكد اعتصامها بحبل الله المتين. عليها أن تؤكد نبذها، على وجه الخصوص، للانقسامات العرقية، إذ لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

والتقوى هذه، تلزمنا كذلك نبذ الغلو الفكري والمذهبي، وتجنب الانشقاقات الطائفية بشتى صورها.

على صعيد علاقتنا بالآخر الديني. أي بالأفراد والمجتمعات غير المسلمة، علينا أن نقدم نموذجاً مضيئاً للتعايش، والبر بالآخر والإحسان إليه. وذلك على النحو الذي أمرنا به الله تعالى في كتابه المجيد. وكما جسدته سيرة سيدنا رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي لنا فيه أسوة حسنة.

إننا في عصر تداخلت فيه الأمم والمجتمعات على نحو وثيق. وليس بمقدورنا أن نعيش خلف جدرٍ مشيدة، بل لا ينبغي لنا ذلك. وقد خلقنا الله تعالى شعوباً وقبائل لنتعارف فيما بيننا. بل هكذا أرشدنا ديننا الحنيف.

نحن أقوياء بالقدر الذي نؤكد فيه اندماجنا البناء والايجابي في هذه الأرض، ونسعى في مناكبها، ونبتغي من فضل الله، علماً ورزقاً حسناً. وهذه هي فلسفة العلاقات الدولية. بل هذا هو أصلها وجوهرها. وقد أوضحه لنا الله تعالى في القرآن المجيد، قبل نحو ألف وخمسمائة عام.

وربما يتبادر للذهن بأننا نقصد بالعلاقة مع الآخر غير الديني فقط تلك التي نقيمها مع الغرب أو الشرق غير المسلم. بيد أن الحقيقة هي أن الأمر أكثر شمولاً من ذلك. إنه يتسع ليشمل غير المسلمين، ممن يعيشون بيننا. بل هو بالضرورة يبدأ بهم.

إن نظرة سريعة إلى أقطار العالم الإسلامي تشير إلى تنوّع ديني كبير يسود هذا العالم، وذلك جنباً إلى جنب مع تنوعه العرقي والإثني واللغوي.

وإذا أخذنا الوجود المسيحي كمثال، فيمكننا أن نلحظ أن المسيحيين يشكلون حوالي 40% من سكان إحدى الدول الإسلامية، وهي نيجيريا.

كذلك، تبلغ نسبة المسيحيين إلى إجمالي عدد السكان في لبنان حوالي 35% (لا يوجد إحصاء رسمي)، وتبلغ في تشاد 34.3%، كوت دي فوار 32.8%، البانيا 30%، بوركينا فاسو 23.2%، قرغيزستان 20%، بروناي وسيراليون ومصر وسورية 10%، ماليزيا 9.1%، تركمانستان وأوزبكستان 9%، إندونيسيا 8.7%، غينيا 8%، جيبوتي والأردن 6%، السنغال وطاجيكستان 5% وأذربيجان 4.8%.

وبالإضافة للأقلية المسيحية، هناك أقليات غير دينية مختلفة في العالم الإسلامي، ربما أبرزها الهندوس. وهم يشكلون 9.6% من سكان بنغلاديش و 6.3% من سكان ماليزيا.

ومن ناحيتهم، يشكل البوذيون 19.2% من سكان ماليزيا و13% من سكان بروناي.

إن المطلوب هو تشييد جسور من التعاون البناء، بين كافة من يعيشون على أرض واحدة، وفي وطن واحد. ولابد من تأكيد هذا التعاون في كافة المجالات التي تخدم المصلحة العامة، وتعزز فرص السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.

ثالثاً: الالتفات للأقليات الإسلامية

في الوجه الآخر للمعادلة، تبدو دول العالم الإسلامي معنية بدعم الأقليات الإسلامية حول العالم. وخاصة الأقليات التي تمثل جزءاً من السكان الأصليين في دولها، والتي تعيش ظروفاً اقتصادية غير مؤاتية.

إن الدول الإسلامية مطالبة بدعم هذه الأقليات لتحقيق هدفين أساسيين: الأول، تحسين الظروف المعيشية لأبنائها، عبر تمويل برامج تطوير البنية التحية، في المدن والقرى التي تقيم فيها. وكذلك تأسيس مشاريع تعليمية وإنتاجية، تساهم في تطوير مهارات السكان، وتوفر لم مزيداً من فرص العمل، وتساعدهم على الاندماج الفعّال في الأطر الوطنية الأكثر اتساعاً.

الهدف الثاني من دعم الأقليات الإسلامية هو نتيجة فرعية للهدف الأول. ويتمثل في تفويت الفرصة على القوى المتطرفة، التي قد تستغل عوز هذه الأقليات، لتجر أبناءها إلى خيارات التشدد، التي تضر بسمعتهم، وتقوض المكتسبات التي تحققت لهم في دولهم، مهما بدت هذه المكتسبات قليلة ومتواضعة.

وقد يتبادر للذهن، لأول وهلة، أن الحديث عن الأقليات الإسلامية هو حديث عن مجموعات صغيرة، متناثرة هنا وهناك. بيد أن الحقيقة هي خلاف ذلك.

إننا نتحدث عن نحو 400 مليون نسمة، ينتشرون في مناطق العالم المختلفة.

وتشير الإحصاءات المعتمدة دولياً إلى أن المسلمين يمثلون 33.3% من سكان مقدونيا. وتبلغ نسبتهم في إثيوبيا 33% ( وفقاً لبعض المصادر، فإن النسبة تفوق 50%). وفي مونتنينغرو (الجبل الأسود) تصل النسبة إلى 17.7%، وفي جزر موريشيوس 16.6%، وروسيا 15%، وسنغافورة 14.9%، والفلبين 14% ( تتراوح التقديرات بين 10 إلى 20%)، والهند 13.4% (20% وفقاً لبعض المصاد)، وبلغاريا 12.2%، وجورجيا 9.9%، وسيرلانكا 7.6%، وفيجي ومنغوليا 6%، والصين 5% ( هناك تقديرات متفاوتة جداً)، ورواندا 4.6%، وسويسرا 4.3% وألمانيا 3.7%.

وبالأرقام المطلقة، يصل عدد المسلمين في الهند إلى حوالي 240 مليون نسمة ( ثاني أكبر وجود إسلامي في العالم بعد إندونيسيا). وفي الصين 65 مليون نسمة، وفي إثيوبيا حوالي 30 مليون نسمة، وروسيا 21 مليون نسمة والفلبين 15 مليون نسمة.

وفي الحد الأدنى للتقديرات، فإن السكان المسلمين الأصليين، في الدول الخمس سابقة الذكر، هو في حدود 371 مليون نسمة. وإذا أضفنا إلى هذا الرقم عدد المسلمين في بقية الدول غير المنتمية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن الرقم يكون في حدود 400 مليون نسمة، أو قريباً من ذلك. وقد يقول البعض: لماذا الخوض في كل هذه الأرقام؟

والإجابة هي أننا بحاجة إلى صورة تفصيلية، لا مجملة، لواقع المسلمين في مناطقهم المختلفة. صورة تبنى على ضوئها الخيارات والسياسات الممكنة.

وما يُمكن قوله خلاصة، هو أن شهر رمضان المبارك يُمثل فرصة فريدة للتأمل، وفعل الخير، والحث عليه..


ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |