الأحد، 14 أغسطس، 2011

الوطن | في واحد من أهم كتبه وأكثرها جرأة..مقاربة نقدية لـ«الفكر الديني والمجتمع» وبحث في الواقع المتردي

الوطن | في واحد من أهم كتبه وأكثرها جرأة..مقاربة نقدية لـ«الفكر الديني والمجتمع» وبحث في الواقع المتردي
في واحد من أهم كتبه وأكثرها جرأة..مقاربة نقدية لـ«الفكر الديني والمجتمع» وبحث في الواقع المتردي
2011-08-14 |   
في كتاب جديد له صدر مؤخراً من دار الشرق في دمشق بعنوان: «الفكر الديني والمجتمع» يتناول الكاتب والإعلامي د. إسماعيل مروة عدداً من أكثر الموضوعات إشكالية طالما كانت مثار نقاشات وجدل على امتداد العالم العربي في طروحات متنوعة أخذت أشكالاً مختلفة وتباينت فيها الآراء وتشعبت لتصل أحياناً إلى طرفي نقيض نظراً للحضور الطاغي للمسألة الدينية في وعي ووجدان وتكوين الإنسان العربي وحجم التداخل الديني مع السياسي مع الفكري وحجم القضايا الخلافية على مستوى الأئمة والعامة..
وحضور القنوات الفضائية التي لعبت دوراً كبيراً في تأجيج الفتن وترسيخ «الفروضات الدينية» ولاسيما الفضائيات الناطقة بالعربية والممولة خارجياً التي حاولت أن تشعل الفتيل الطائفي والمذهبي بالاعتماد على الأفكار الهدامة التي تبنتها.
«الفكر الديني والمجتمع» الكتاب الذي قدم له مازن يوسف صباغ يأتي كواحد من أهم الكتب التي ألفها د. إسماعيل مروة وأكثرها جرأة وإثارة للجدل، ويكشف الكتاب عن وجه آخر لـ«د. مروة» الذي عرفناه كاتباً وأديباً وإعلامياً ونقرؤه اليوم باحثاً متخصصاً ومتبحراً في مقاربة الفكر الديني في قضايا شائكة، معتبراً أن ما يدور من نقاشات وحوارات اليوم في أرضنا العربية ومن «صراعات» و«تكفير» و«هدر دم» و«إباحية» يدل دلالة قاطعة على أننا دخلنا في «مغاور جاهلية» جديدة لافتاً إلى أنه لا يكفي أن يدعي أحدنا «تحضره» لنصدقه بينما لا يزال يعيش في «السقيفة» ويبحث في أحقية «رمم» لم يعد لها وجود.
المحاور التي تطرق لها الكتاب بالنقاش والتحليل كقضايا إشكالية أثارت جدلاً كبيراً بين الفقهاء عبر عقود طويلة كان أهمها مسألة الحرية الدينية وعقوبة المرتد في الإسلام التي كانت تؤخذ على الإسلام، مبيناً أنها خلافاً لما كان سائدا «عقوبة سياسية» وليست «شرعية» أي إن المرتد عن دينه تقع عليه هذه العقوبة عندما يجاهر بردته ويحارب الإسلام ويحرض على ذلك علانية وأن هناك شروطاً لتطبيقها تبدأ «بالاستتابة» والحوار وإعطاء فرصة يعود فيها إلى «جادة الصواب» لافتاً إلى أن «عقوبة الردة» تأتي من كون «المرتد» يشكل خطراً على النظام العام وما قرره الفقهاء من أن «المرتدين» يقتلون لحرابتهم أما من يترك الإسلام وكتم أمره ولم يعلن حربه فالإسلام لا يتعرض له بشيء وهو ما يراه د. مروة دليلاً على الحرية الدينية في الإسلام.
ويتناول د. مروة في كتابه موضوع الحجاب ويطرح أسئلة مشروعة حول الدور الإيجابي والسلبي الذي يؤديه حجاب المرأة ويناقش الأدلة الدينية للحجاب دون أن ينسى الخوض في دور العادات والتقاليد المحلية في فرض نوع الحجاب وشكله إضافة إلى المؤثرات الخارجية الأخرى كالفتاوات الدينية والدروس الدينية النسائية وآخر صرعات وصيحات دور الأزياء التي راحت توزع أزياءها بين المرأة السافرة والمحجبة إضافة إلى أن السلطات العربية كانت صاحبة التأثير الأكبر في قوقعة المرأة العربية وقوقعة المجتمع عموماً فحولت- تبعاً لـ. د. مروة- اهتمام المجتمع والمرأة من الشأن العام إلى الشأن الخاص جداً لكي تجد ما يلهي المجتمع عنها.
ويؤكد د. مروة في كتابه على حرية «السفور»« و«الحجاب» لكن بعد الاختيار القائم على القناعة والدراسة ولكنه ينحاز إلى الاعتدال والثبات بما يناسب اللباس والشخصية المتوازنة للمرأة لأن القضية ليست لباساً فقط لكنها قضية إنسان وهي بحاجة إلى قوانين لتنمية شخصية المرأة وجعلها شخصية قوية لا تؤثر فيها التجاذبات والرياح سواء من الداخل أم من الخارج.
ويفرد الكاتب جزءاً من صفحاته للخطاب الديني المتزمت والمتشدد عند رجالات الدين المسيحي والإسلامي على وجه الصواب مذكراً بالدعوات الكثيرة التي تحدثت عن ضرورة تجديد الخطاب الديني لكنها لم تثمر رغم إخلاص بعض هذه الدعوات بحجة أنها تطول الدين في اسسه وبقيت هذه الحركة في إطار قمة الهرم الديني دون أن تصل إلى القواعد ويشير د. مروة إلى بعض الأسباب التي جعلت الخطبة الدينية تبتعد عن أغراضها ومراميها كتأثر بعض الخطباء بالتأثيرات الإيديولوجية لتتحول إلى خطب سياسية واعتماد بعض الخطباء على الارتجال ما يجعلهم غير منسجمين مع مواضيع خطبهم وعدم خضوع الخطباء إلى دورات منتظمة لتزويدهم بآليات الخطابة وتحديثها إضافة إلى تخريج المعاهد الشرعية لعدد من الخطباء الشباب صغار السن الذين لم يكتسبوا المعرفة الدينية اللازمة لذلك أصبحنا نجد الخطباء الأكفاء يتمركزون في المدن والضواحي الكبيرة بينما تترك الضواحي البعيدة وأطراف المدن لخطباء غير متعلمين يقدمون من الآراء الشرعية ما يروق لهم وهنا يذكر د. مروة بقول الكاتب الكبير برناردشو «لو كانت في أيدينا المنابر الموجودة لدى المسلمين لجعلنا العالم يتبعنا نحن الإنكليز».
ويرصد د. مروة ولأول مرة ربما ظاهرة القبيسيات التي انتشرت بشكل كبير بين نساء المجتمع السوري حيث يبدأ بتناول الموضوع من مدخل «طرائق التدريس الديني» والمقولة السائدة لدى الكثير من «المشايخ»: «من لا شيخ له فشيخه الشيطان» ويعيب على هذه الطرائق أسلوب التلقين الذي يملي فيه الشيخ على طلبته ليلغي عندهم روح المشاركة والتفاعل وشيئاً فشيئاً تلغى شخصية الطالب وتصبح «تابعة» تماماً «للشيخ» ويتحول الطالب من مفكر إلى «مريد» لا يملك رأياً ومن ثم يتبنى رأي شيخه ويدافع عنه باستشراس وأخطر ما في الأمر حسب د. مروة أن الشريحة المستهدفة هي فئة الشباب التي لم تتكون شخصيتهم بعد الذين يحضرون «الدروس» بمسميات مختلفة وفي مساجد معروفة وبينهم عدد كبير من السيدات اللواتي لا يملكن أي «مسكة» من العلم أو مقومات النقاش الفكري ليس فقط في أمور العقيدة ومسلماتها بل حتى في شخصية «الشيخة» وطرائقها.. وهذا يفتح الباب على السؤال الكبير الذي يطرحه العلمانيون والمتدينون عن أهلية من يقوم على التدريس الديني وتقويم النشء الصاعد وبينهم أناس لم يحصلوا على أي نوع من التعليم سوى أنهم أجادوا قراءة القرآن وحفظوا أجزاء منه ويستغرب مروة أن تكون سورية من الدول التي ترفض الأحزاب ذات الصبغة الدينية وتمنح «الترخيص» لجمعية «القبيسيات» التي تمارس نشاطها بموافقة الحكومة حتى دخلت في تلافيف دماغ المجتمع السوري ووصلت أنشطتها إلى الوطن العربي ودول أخرى كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة!!
ويتوقف د. مروة مطولاً عند شخصية الإمام محمد مهدي شمس الدين الذي يعتبره أحد أبرز الوجوه الفكرية العربية والإسلامية المعاصرة نظراً لتميز مواقفه على الدوام بالجرأة والانفتاح والتعاطي المستنير مع جميع المستجدات وشتى الأفكار والطروحات.. ومعروف عنه أنه كان منفتحاً على المذاهب الفقهية كافة فالقاعدة الفقهية عنده تستخرج على المذاهب الإسلامية وقد يذهب أبعد من ذلك ويأتي بأحكام من أديان أخرى وهذا ما جعل الشيخ الجليل صاحب الرؤى المتطورة والمتعددة وتحول إلى مرجعية إسلامية عامة كان يذهب في آرائه المتنورة إلى درجة كبيرة إذ أجاز للمرأة على خلاف العديد من الفقهاء أن تستلم المناصب السياسية واعتبرها مؤهلة شرعاً لتكون رئيسة جمهورية أو ملكة إلى جانب ما عرف عن العلامة من مواقف سياسية وطنية وانتمائه القومي القوي.
ويفاجئنا د. مروة في معرض بحثه عن هوية ثقافية مكتملة بسؤال تشكيكي مفاده: هل أنجبت أمتنا العربية فلاسفة ومفكرين؟! ليستنتج أنه ليس في تاريخنا العربي والإسلامي أي مفكر أو فيلسوف أو ناقد يملك رؤية جديدة لم يسبقه أحد إليها فهو يرى أن معظم الآراء الفكرية والفلسفية من «تهافت الفلاسفة» إلى «تهافت التهافت» كانت تدور في فضاء التأويل والتفسير وقراءة أفكار الآخرين ويعتبر مروة من خلال متابعاته أن من تربعوا ساحات الحوار و«الوعظ» من السبعينيات وحتى الآن كانوا يعتاشون على كتب غير متوافرة للناس واستطاعوا لعدم أمانتهم وبالتعاضد مع «الفكر الوصائي» أن يتسيدوا الساحات الثقافية والفكرية ويعيدوها إلى الوراء وحافظوا على وجودهم بفعل «الوصاية» والجهل و«المياه الآسنة» ليصل الكاتب إلى أن مجتمعاً يبقى «شيخ» فيه بعمامته أو كاتب بفكره مسيطراً وفاعلاً طوال هذه الفترة هو غير فاعل وغير منجب وأننا مهما كانت تياراتنا الفكرية ومهما تعمقت و«تعلمنت» فنحن قادرون خلال لحظات على ايقاظ آلاف السنوات لنقتل من أجل «من ذهبوا» ولم نتعظ بما كان في تراثنا «أولئك قوم رحلوا فلنترك أمرهم ولنبدأ رحلة جديدة».
علي الحسن

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |