الأحد، 7 نوفمبر، 2010

أهذا الباب الذي نريده من فتوى الكاشيرات؟!

أهذا الباب الذي نريده من فتوى الكاشيرات؟!
جريدة الجزيرة - أهذا الباب الذي نريده من فتوى الكاشيرات؟!
بندر بن عبد لله بن محمد بن سعود الكبير
هل الدين الإسلامي يستخدم العقل أم يتجاهله؟ وهل هذا السؤال له مكانته ليطرح على الأديان السماوية الأخرى؟ وهل من هو مسلم ملتزم باتّباع تعاليم القرآن الكريم؟ وكذلك هل أصحاب الديانات الأخرى السماوية ملتزمون بتعاليم دياناتهم. أسئلة بديهية في الطرح وتحمل العجائب في أجوبتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» صحيح البخاري..

وعندما نبحث في معنى كلمة «مضغة» نجد أنها كل شيء ممضوغ. وبناءً على هذا التعريف للمضغة نجد أنه ليس لها صلة بالقلب ولو كان كذلك، لوجدنا أن كلمة «مضغة» قد استبدلت ب (عضلة)، وإذا بحثنا عن ما يشبه المضغة في جسم الإنسان، لن نجد إلا المخ (العقل) فتشكيلته تشبه المضغة تماماً. وبناءً على ما ذكر نجد المعنى الصحيح لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إن صلاح أو فساد العقل يؤدي إلى قيادة سلوك صاحبه في جميع المجالات الاجتماعية والثقافية والدينية وغيرها. ولو كان حسب المعتقد المتفشي بالكلمة أنه القلب (مضخة الدم) فإصلاحها سهل، فما عليك إلا أن تنقل قلب إنساناً صالحاً في هذه الحياة إلى قلب فاجر بها فيتحول فجوره إلى صلاح ! وتدل كلمة (قلب) إلى الرأس كتوزيع الجيش مثلاً: الميمنة والميسرة والقلب (الرأس)، كما أن الصدر يعني الرأس، كسؤال القوم: أين يجلس فلان؟ فيقولون في صدر المجلس، أي في رأسه، وكما قال الشاعر: « لنا الصدر دون العالمين أو القبر»، كذلك أشير للقلب (المضخة) بالكبد كقول الشاعر:



وأطراف حاجبها من كل ناحية

ونبل مقلتها ترمي به كبدي

أما أن تنقل مخ إنسان إلى إنسان آخر فهذا مستحيل. على هذا نجد أن الإسلام في تعاليمه المنزلة في القرآن بقوله تعالى: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )النحل44، وقوله تعالى في سورة الرعد (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر استخدام العقل أمراً واجبا وتجميده مخالف للإسلام، ولهذا وجدنا آيات كثيرة تذكرنا بالأقوام البائدة وعظمة جرمهم في عدم اتباع ما أنزل عليهم، وذلك بعدم استخدامهم لعقولهم وعذرهم لرب العزة بقولهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) البقرة 170 وفي قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ....) المائدة 104، وعدم التفات رب العزة إلى هذا العذر الغبي لأن الله أعطاهم عقولاً ليتفكروا بها ويحاسبوا بعملها، وهذا ما سيحدث لنا إذا اتبعنا سيرة هؤلاء الأقوام البائدة.

انتقل إلى أهل الكتاب، وننظر إلى تعاليم كتبهم في إستخدام العقل نجد أن التوراة في نصها- المحرَف - تقول: «توكل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد» التوراة، سفر الأمثال أصحاح3 فقرة 5، ولكن الغرب لم ينصاعوا لذلك في القرون الأخيرة بعدما رأوا تأثير عدم استخدام العقول في قرونهم الأولى، وانتبهوا إلى خطورة تجميد العقل والرجوع إلى الفطرة الإنسانية في تحكيم وترميم وتوسيع إدراك العقل، لذا وصلوا إلى ماهم عليه الآن. وبمعنى آخر أخذوا تعاليم الإسلام وتركوا تعاليمهم - المحرَفة -، فماذا أخذنا نحن؟!

أتى ديننا بنصوصه العظيمة وبدون طلاسم تحتاج أن يفكك رموزها خبراء، بل بلسان عربي مبين يأمرنا باستخدام عقولنا فأبينا إلا ما شاء الله، ونرى الغرب يؤمر بنصوصه -المحرفة- فيأبى أن يمارسها ويتجه إلى تعاليم الإسلام، هذه والله هي الطامة الكبرى!!!!

مما دعاني لذكر ما ذكرت هو أنه في يوم الاثنين 22-11-1431هـ الموافق 30-10-2010 صدرت فتوى عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التي ارتأت بأن عمل الفتيات كأمناء صناديق (كاشيرات) ومحاسبات أمر غير جائز ومحرم في الشريعة الإسلامية لما يسببه من اختلاط بالرجال. وأقول: هل بحثت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فعلا بمردود فعل هذه الفتوى؟ أم أنهم أصدروها بناءً على غيرة تراثية تجنبت استخدام العقل الذي تجمّد لتضع آزارها لخلخلة مجتمع كامل تعلو فيه صيحات من أراد لقمة العيش إلى العلالي!! وأقف كذلك عند التحريم، كيف يحرُم شيء وفيه اختلاف في وجهات النظر من قبل مذاهب سنية أخرى؟ وكيف تبرر اللجنة فتواها التحريمية المبنية على التضييق الذي أتى الإسلام ليفسحه؟ وكيف يبرر أعضاء اللجنة الموقرة عمل السائق والخادمة التي في منازلهم أو منازل أقاربهم؟ وأود هنا أن أوضح صورة سوداء يمر بها مجتمعنا وآمل من اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء أن تدرسها دون أي تعصب تراثي أو ربطها بالحالة الاجتماعية. الصورة هي: فتيات ليس لهن دَخْل، وصَدت الأبواب في وجههن للعمل من أجل كسب العيش، بدأن بالتسول رغم أنوفهن فلم يتقبلهن المجتمع، ولم يقبلن على أنفسهن ذلك ولكن حدتهم الظروف لها، وأخذن ينظرن شمالاً ويميناً ليعشن فوجدن باباً وحيداً قادرات على فتحه وهو باب الرذيلة، ولديهن خياران: إما أن يقبعن في منازلهن ويأكلن من حشائش الأرض، أو يفتحن هذا الباب الذي سيجنين منه قوتهن ويعشن دون كرامة. والسؤال هنا ليس أي من الطريقين يجب أن يسلكن؟ ولكن السؤال هو من أوصلهن لما هن عليه وسدّ عليهن أبواب العيش الشريف وضيّق عليهن. هذا هو السؤال الذي يدمي العين، فاتقوا الله باتباع دين الله ولا تجعلوا التراث محركاً للفتوى.



b3rdfw@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |