الجمعة، 12 نوفمبر، 2010

صحيفة العرب القطرية // -  -  - فكر إسلامي - الحرية بين الليبرالية والإسلام


رؤية إسلامية
الحرية بين الليبرالية والإسلام
الطيب بو عزة

2010-11-12
تكثر في الخطاب العربي المعاصر هذه الصيغة في عنونة البحوث والدراسات، حيث تعقد الموازنة بين الإسلام وغيره في شأن مفاهيم أو معالجات نظرية أو اجتماعية. ورغم عدم ارتياحي لمثل هذه الصيغ في المقابلة بين الإسلام والأيدلوجيات والنظم الفكرية المغايرة له، فإنني أجد نفسي مضطرا لاستحضارها هنا لشيوعها وكثرة تداولها.
وفي سياق بحث دلالة الحرية نلاحظ أن كثيرا من رموز التيار الليبرالي في العالم العربي يحرصون على تسويق المذهب تحت عنوانها، قائلين بكون الليبرالية هي وحدها من يؤكد ويحفظ حرية الكائن الإنساني.
وواضح أن ليس ثمة مذهب فلسفي أخذ من لفظ الحرية مادة لتسميته غير المذهب الليبرالي، فلفظ liberalism من حيث الاشتقاق اللغوي يرجع إلى لفظ liberty أي الحرية. لكنه خطأ فادح في فهم العقائد والفلسفات ونظم الاجتماع أن نظن أن هذا المذهب الفلسفي والسياسي هو الوحيد –من دون مذاهب واتجاهات الفكر- الذي طلب الحرية وحاول تجسيدها. مثلما أنه خطأ وقصور في فهم ماهية مثال الحرية أن نعتقد بأن النمط المجتمعي الليبرالي هو تجسيد وموضعة لهذا المثال على صعيد العلاقات الإنسانية الملحوظة بالاستقراء الاجتماعي.
والسؤال الموجه الذي ينبغي الانطلاق منه لبحث علاقة الليبرالية بالحرية هو ما دلالة مبدأ الحرية في النسق النظري والمجتمعي الليبرالي؟ ومشروعية هذا السؤال، بل ضرورته آتية من كون مفهوم الحرية ليس لفظا منضبط الدلالة. وهذا ما يعترف به حتى كبار المنظرين الليبراليين أنفسهم. ويمكن أن نستحضر هنا مثلا قول مونتيسكيو في كتابه "روح القوانين": "ليس هناك لفظ تلقى من الدلالات المختلفة أكثر مما تلقاه لفظ الحرية".
لقد استشعرت الفلسفة السياسية غموض مفهوم الحرية واستغلاقه، وميوعته الدلالية، إلى درجة أنها رغم كونها تشتغل بالمسألة السياسية، حاولت تحديد المفهوم من خلال مقاربة نفسية! فموريس فلامان مثلا عند استخلاصه للحقوق المدنية استدرك أنها لا تستنفذ دلالة المفهوم. أما ما هي هذه الدلالة؟ فإن فلامان يجيب: "إننا نحس أننا أحرار، أو أننا لسنا أحرارا". ويضيف: "إن الحرية رائحة تشم"! وهذا نوع من التعلق بمقاييس الاستشعار النفسي للحرية. ولتوكوفيل تعبير جميل يفيد ذات المعنى، حيث شبه الحرية بالجو، حيث قال: "يظهر لي أن الحرية تشغل في عالم السياسة الموقع الذي يشغله الجو في العالم الطبيعي".
إذن فعندما يزعم دعاة الليبرالية أنها المذهب الوحيد الذي يؤكد حرية الإنسان ويحفظها، فإن وزعمهم هذا ليس فيه فقط افتئات على تاريخ الفكر البشري، بل فيه أيضا إخلال بطبيعة المفهوم من حيثية غموضه وعدم تحديده.
ولعله من قبيل تكرار البداهات أن نقول: ليس هناك حرية مطلقة بالنسبة للفرد الإنساني، وليس ثمة إمكانية لتصور قيام مجتمع يعتمد مقولة الحرية بمدلولها الإطلاقي. فالحرية بمعناها المطلق ليس شيئا آخر سوى فوضى مطلقة. وهذا ما يؤكده التشريع الإسلامي؛ فالحياة المجتمعية من منظور الرؤية الإسلامية لا بد لها من ضوابط؛ لأنها حياة أفراد وجماعات متعالقين بروابط ومصالح، ولكي توجد وتستمر لا بد لها من أن تتأسس على قواعد وأعراف ونظم ومؤسسات ينضبط إليه الفعل الفردي ويمتثل.
لكن الخطأ الذي يقع فيه كثير من المتحدثين عن الحرية بمدلولها الليبرالي هو تحديدهم لها بدلالة واحدة وكأنها لم تتلق في سياق تطور الفكر والمجتمع الليبرالي سوى معنى واحد! ثم اتخاذها كشعار لنقد القيم والأعراف المجتمعية دونما تمييز بين ما هو إيجابي وما هو سلبي.

Tayebbouazza@yahoo.fr ❍

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |