الاثنين، 13 سبتمبر، 2010

القدس العربي : عن احتمال اعتقال أوباما بتهمة الردة!

عن احتمال اعتقال أوباما بتهمة الردة!
عن احتمال اعتقال أوباما بتهمة الردة!
مالك التريكي


بمناسبة احتدام الجدل حول مشروع بناء مسجد ومركز إسلامي غير بعيد عن موقع مركز التجارة العالمي في نيويورك، وفي سياق تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، عادت لتطفو على السطح من جديد إشاعة أن أوباما مسلم يخفي إسلامه. أي كأن الرجل من الموريسكيين (مسلمي الأندلس) عقب سقوط غرناطة، يضمر الإسلام لكنه يظهر النصرانية خوفا من محاكم التفتيش. أو كأنه متستر خلف 'التقية' التي كان أتباع المذهب الشيعي مضطرين إلى الأخذ بها، في مختلف عهود التاريخ الإسلامي، اتقاء للاضطهاد.
وبما أن أمريكا بروتستانتية المذهب صهيونية الهوى، فإن أوباما يجاري الأغلبية الساحقة فيصلي في الكنيسة، ويواظب على قراءة الإنجيل، ويربي بنتيه تربية مسيحية. كما أنه يبذل قصارى جهده في تعظيم الديانة اليهودية وفي التفاني في خدمة إسرائيل. لكننا نعول على ذكائكم وفطنتكم أيها السادة الكرام، فأنتم لستم من النوع الذي تضلله المظاهر. وها أنكم قد أيقنتم بأنفسكم، دون أن نقول لكم شيئا، أن أوباما إنما يفعل كل ذلك لسبب وحيد: أنه مسلم!
لقد شارك في الحملة الدعائية التي روجت مزاعم بأن أوباما مسلم (باعتبار هذه الصفة عيبا قاتلا لا مجال بعد افتضاحه لأي مستقبل سياسي) كثير من غلاة إيديولوجيي اليمين. كما عاضدهم في ذلك باحثون وكتّاب يخفون تحيزهم خلف قناع الحياد وطلب الحقيقة. ومن هؤلاء جيروم كورسي الذي نشر في آب (أغسطس) 2008 كتابا بعنوان 'أمة أوباما' احتل صدارة قائمة نيويورك تايمز لأعلى الكتب مبيعا رغم أنه مليء بالأباطيل وأنصاف الحقائق.
لكن أطرف هؤلاء المروجين لدعاية أن أوباما مسلم هو باحث الشؤون العسكرية والاستراتيجية ادوارد لوتواك الذي نشر في نيوورك تايمز يوم 12 أيار (مايو) 2008 مقالا بعنوان 'الرئيس المرتدّ؟'. أما مكمن الطرافة فهو أن لوتواك لم ينهج نهج البقية ممن روجوا إشاعة أن أوباما مسلم أملا في أن تؤدي الإشاعة إلى انهزامه في الانتخابات. بل إنه وضع في اعتباره احتمال فوز أوباما ثم قفز رأسا إلى السيناريوهات المستقبلية. وتقوم هذه السيناريوهات على نظرية في الفقه الإسلامي من عندياته. حيث ينطلق لوتواك من مسلّمة أن أوباما ولد مسلما لأن هنالك 'إجماعا بين جمهور الفقهاء' على أن ولد المسلم مسلم ولأن الشريعة تنص على أن 'ديانة الأم غير ذات علاقة بالموضوع'، مثلما يقول. ويذكر لوتواك أنه حتى لو صح أن والد أوباما خرج من دين الإسلام، مثلما روى أوباما في مذكراته، فإن هذا لا يغير من الأمر شيئا. أي أن أوباما، بعبارة أخرى، مسلم رغما عنه أحب أم أبى.
ويعترف لوتواك بأن أوباما 'كتب بطريقة مقنعة شارحا كيف اختار اعتناق المسيحية'. إلا أن المشكلة، في رأي لوتواك، أن اعتناق أوباما المسيحية يعدّ، في نظر المسلمين، 'ارتدادا' أو 'ردة'، أي أخطر جريمة يمكن أن يقترفها المسلم. ورغم أن لوتواك يطمئننا أنه ليس هناك أي حكومة في أي دولة مسلمة، ولا حتى في إيران أو السعودية، يمكن أن تسمح بتحريك دعوى قضائية ضد أوباما بتهمة الردة عن الإسلام، فإنه يقول، دون خبث، إن هنالك حكما آخر في الشريعة قد يكون أوثق صلة بالموضوع، وهو أن الشريعة تحرّم قتل أي مسلم يعمد إلى قتل مرتدّ. أي أنه يوحي بأن الباب يبقى مفتوحا للاجتهادات الفردية...
ولكي تكتمل هذه السيناريوهات 'الفقهية'، يشرح لنا لوتواك أن هذا الوضع سوف يسبب، على أقل تقدير، تعقيدات أمنية لدى التخطيط لزيارات الرئيس أوباما الرسمية إلى الدول الإسلامية 'لأن مجرد حمايته هي إثم بالنسبة لحراس الأمن المسلمين'. أما على الصعيد العام فإن 'الاستنكار الشديد سوف يستولي على معظم المواطنين في العالم الإسلامي عندما يعلمون بقصة اعتناق أوباما المسيحية'. وتلك بالطبع طامة كبرى، حيث أنها 'تضر بقدرة الحكومات في الدول الإسلامية على التعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب'، كما تضر بالجهود الأمريكية الرامية إلى 'تصدير الديمقراطية وحقوق الإنسان'.
وبناء على كل ما سبق، يقول لوتواك إن الرغبة في أن ينجح أوباما في تحسين العلاقة مع العالم الإسلامي هي 'أقل الرغبات واقعية'. لكن العجيب أنه رغم اهتدائه المبكر إلى هذه النتيجة الصحيحة التي صدقتها الأحداث، فقد أخطأ الأسباب! وأنّى لمن كان عنده هذا الخيال 'الفقهي' الخصيب أن يدرك أن أسباب سوء العلاقة مع العالم الإسلامي إنما تطلب عنده هناك في واشنطن وليس في تمارين الإمكان الذهني وبرمجيات 'الشريعة' الافتراضية.

ليست هناك تعليقات:

شارك

Share |